دنيا

«صدقات» مبادرة خيرية تعكس قدرة الأفراد على خدمة المجتمع

فتيات متطوعات يوزعن الصدقات على أسر محتاجة (الصور من المصدر)

فتيات متطوعات يوزعن الصدقات على أسر محتاجة (الصور من المصدر)

عندما تنزع النفس إلى عمل الخير ومساعدة الغير ممن يحتاجون إلى الوقوف بجانبهم، وهم كثر في أيامنا هذه، من الطبيعي أن يسعى الفرد إلى القيام بمبادرة خيرية تحقق له ما أراد وتترجم إحساسه بآلام وآمال إخوته في الإنسانية، إلى واقع ملموس وتجربة ثرية تعكس قدرة الإنسان على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع الذي ينتمي إليه، إذا ما توافرت لديه النية الصادقة والعزم على تخطي الصعاب التي قد تحول دون تحقيق ما أراد من مشاريع الخير، هذا هو واقع الحال مع مجموعة من أبناء السودان الذين تكاتفوا ونجحوا في إنجاز واحد من أفضل المشاريع الخيرية على أرض السودان يحمل اسم «صدقات».

أحمد السعداوي (أبوظبي) - بدأت الفكرة، وفق المدير التنفيذي لمبادرة «صدقات» يقول ناظم بشير، قبل عشر سنوات من خلال مجموعة من شباب السودان يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية، وكانوا يبحثون عن مصارف للصدقة، ويشجعون بعضهم البعض على الإنفاق في سبيل عمل الخير، وتعريف زملائهم وزميلاتهم في الغربة بطرق وأماكن الإنفاق، إذ أنهم أحسوا بأن هناك كثيرا يودون المساعدة، ولكنهم لا يعرفون كيف وأين، كما أنهم غير مدركين لمدى قدرتهم على المساهمة في صنع واقع أفضل.
توافق جماعي
يوضح بشير أن توافق الجميع على المشروع الأول أطلقه في أوائل العام 2002 بتأهيل مسجد بمدينة أم درمان في السودان، بعد ذلك تم إقامة مائدة رمضانية في الحرم النبوي الشريف لعامين متتاليين في 2003 و2004، وفي العام نفسه تم التكفل بنفقات طباعة كمية مقدرة من المراجع الجامعية لكلية الهندسة جامعة الخرطوم، بعد رواج المبادرة والتفاف الكثيرين حولها، حيث تطورت إلى عمل وتوزيع 50 حقيبة رمضانية على الأسر الغير مقتدرة، وتحمس الكثيرين من المغتربين بالولايات المتحدة للفكرة، ولكن بعد عودة مجموعة من أعضاء مجموعة مبادرة صدقات إلى السودان، وجدوا أن الكثير من المقيمين داخل السودان هم أيضاً لا يعرفون أين يذهبون بصدقاتهم، وتوافق الكل على أن مشروع الحقيبة الرمضانية هو الأمثل، وتزايد عدد الحقائب المعبأة على مدار سنوات متصلة دونما انقطاع ليصل إلى آلاف الحقائب في العام الواحد.
ويضيف «اتسع نشاط المجموعة ليشمل مشاريع السقيا سواء أكانت في حفر آبار ارتوازية كاملة بجميع ملحقاتها للتجمعات السكانية الكبيرة، أو للقرى الصغيرة في مختلف أنحاء السودان، كما تم التوسع في مشاريع الإطعام ليشمل المساهمة في إفطار عدد من الطلاب بمدارس تقع في أم درمان ليصل العدد إلى أكثر من 1000 طالب بعد 5 سنوات من بداية هذا المشروع».
محور الصحة
ساهمت المبادرة في محور الصحة، إلى ذلك، يقول بشير «يد صدقات امتدت إلى محور الصحة، حيث إنها قامت بتقديم خدمات نوعية وأساسية لعدد من الفئات، بداية بالتكفل بالمواد التموينية الشهرية لاستراحة بعض المريضات اللاتي كن يعانين من إهمال متواصل على مدار سنين. وامتدت لتمتد إلى دار رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية، بالتكفل بنفقات شركة النظافة والشركة المشغلة للمغسلة بالدار والتي أسهمت في خفض معدل الوفيات في الدار بصورة ملحوظة. وتواصلت المشاريع في مجال الصحة وصارت المجموعة توفر الأجهزة والمعدات الطبية فائقة الأهمية وذات التكلفة العالية لمستشفيات حكومية وخيرية لترقية الخدمة العلاجية المقدمة إلى المواطن السوداني».
ويلفت إلى أنه في إطار تنمية روح التكافل في المجتمع السوداني أنجزت مشاريع حملات الملابس المستعملة ولحوم الأضاحي وكيس فرحة العيد وإجراء صيانات مختلفة بالدور الإيوائية بولاية الخرطوم مثل دار الرعاية الوالدية والمسنين وغيرها، وبعد كل ما تقدم ومن خلال هذه التجربة والخبرة المكتسبة على مدى عشر سنين متصلة غير منقطعة، تبلورت لدى مجموعة صدقات رؤية مستقبلية لتقنين أنشطتها ومشاريعها وتحويلها من أنشطة موسمية إلى أنشطة دائمة على مدار العام، للنهوض بالعمل الاجتماعي ككل في السودان، وهو ما تسعى صدقات لتحقيقه حالياً.
صعوبات وعوائق
عن الصعوبات التي واجهت القائمين على مبادرة «صدقات» ذات الفوائد العديدة للمجتمع، يؤكد بشير أن عدم الثقة داخل المجتمع السوداني في العمل التطوعي والتشكك فيمن يقومون به، كون الكثيرين سبق وأن استغلوا الأنشطة التطوعية الخيرية في مآرب أخرى بعيداً عن الخير ومساعدة المحتاجين، إلا أن بشير يقول «نعمل على ردم فجوة عدم الثقة في مبادرات الخير والتطوع من خلال عمل مشاريع قصيرة الأمد ذات أثر ملموس للجميع، وفي الطريق نبلور استراتيجية على المدى الطويل، تكون محفزة للآخرين للمشاركة في مثل هذه المبادرات الخيرية مع التأكيد على أن النجاحات الكبيرة وليدة الخطوات الصغيرة، وإننا في «صدقات» لا نطرح أنفسنا كحل لكل مشاكل المجتمع، بل نقدم أنموذجا لكيفية العمل الإيجابي، وواحد من أهدافنا الرئيسة أن نصبح أكفأ وسيط بين الجهات والأفراد المانحين للدعم وبين الجهات المتلقية».
من ناحيته، يقول مؤسس ورئيس جمعية صدقات أنور يعقوب لـ «الاتحاد»: «نحاول تكريس المعنى الأصيل للتكافل في الدين الإسلامي المتمثل في مفهومه العريض، و?جاءت «صدقات» لتضمن حركة اجتماعية للمال تزداد فيها إمكانات الطبقة المحتاجة من المجتمع، بالتوازي مع زيادة إمكانات الطبقة المقتدرة، و?أردنا أن نتحول بمفهوم الصدقة من أعطية مالية عينية تعطى هنا وهناك، إلى حركة اجتماعية قاصدة تحقق المعاني الدينية وتتحرك بالمجتمع السوداني خطوات نحو التقدم،? إيماناً منا بأن الدين الحنيف إنما أوصى بالصدقة لما في ثناياها من تحقيق لمراد المجتمعات وغاياتها وبعث للطمأنينة والسلم الاجتماعي.
حاجات اجتماعية
حول أهداف «صدقات»، يوضح يعقوب أن صدقات تهدف أن يصبح مجتمعها أكفأ وسيط بين الجهات القادرة على الدعم من أفراد ومؤسسات، والجهات المتلقية للدعم بما يضمن النهوض بالقطاع الاجتماعي في السودان. ويسعى هذا المجتمع لتغطية طيف واسع من الحاجات الاجتماعية.
ويورد أن جوهر فكرة العمل في مشروع صدقات تقوم على استكمال أهدافه بواسطة جسم تنفيذي صغير يعتمد على كفاءة إدارية في التنسيق، ومنهجية علمية في التنفيذ تعمل على إرساء قيم الثقة، النمو، الالتزام، الأمل داخل المجتمع السوداني عبر التعاون مع كافة فئاته، انطلاقاً من أن أي مبلغ ولو بسيط بالضرورة سيكون مفيداً للغير من المحتاجين، والساعة التطوعية الواحدة تمتد آثارها لما بعد الدقيقة الستين، وهذه هي رسالة صدقات التي تسعى إلى تبليغها إلي المجتمع السوداني.
ويشير إلى أنه في العام الماضي تم تسجيل جمعية «صدقات» بشكل رسمي وصار لها خطة واضحة من خمسة محاور هي الصحة، والتعليم، والإطعام، والسقيا، أما المحور الخامس فيتنوع ليشمل كافة أوجه الخير الأخرى.
وعن منجزات صدقات العام الماضي فقط، يقول يعقوب إنها تتمثل فيما يلي:
? أكثر من اثني عشر حقيبة رمضانية.
? عمل إفطار لحوالي عشرة آلاف شخص يومياً في تسع وأربعين موقعاً في ولاية الخرطوم بالسودان.
? مشروع تأهيل وتوسعة مستشفى سوبا الجامعي بالخرطوم.
? بلغت التزامات صدقات الشهرية في المساعدات الخيرية المختلفة ما يعادل سبع عشرة ألف دولار أميركي.
? مجموع ما أنفق في العام الماضي بالعملة السودانية ما يساوي سبعمائة ألف دولار أميركي، وبلغ حجم التبرعات من داخل السودان حوالي تسعين في المائة من هذا المبلغ، وبلغت المصاريف الإدارية أقل من ثلاثة في المائة كون معظم العاملين بمشروعات صدقات من المتطوعين من الفئات والشرائح المجتمعية المختلفة.


الغسيل الكلوي
حول المشروعات المنتظر تحقيقها خلال الفترة المقبلة، يشير مؤسس ورئيس جمعية صدقات أنور يعقوب إلى أنها تتمثل في إكمال مشاريع مستشفى سوبا الجامعي، وإكمال مشروع تأهيل وحدة الغسيل الكلوي للأطفال بمستشفى حوادث الأطفال بأم درمان، إلى جانب مشاريع مستمرة على مدار العام في دار رعاية الأطفال مجهولي النسب، ورعاية معهد النور للمكفوفين، ودار لتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة، ومشاريع السقيا ومنها إكمال حفر بئر قرية دميرا في ولاية شمال كردفان. ويوضح «لدينا بئران سطحيان في شرق السودان، وكذلك هناك مشروعان مختصان برمضان الخير نستهدف فيهما عمل خمسة عشر ألف حقيبة رمضانية وتوفير الإفطارات اليومية لكل من انقطع به السبيل في الخرطوم، مثل مرافقي المرضى في المستشفيات الحكومية الرئيسة، والطلاب المغتربون عن أهلهم، وعابري السبيل، وبعض أفراد الحراسات في أقسام الشرطة».