الإمارات

قصائد محـمد بن راشد.. إلى زايد، ومن أجل زايد، وفي حُب زايد

علي العبدان

في #عام_زايد، وفي رائعةٍ جديدةٍ من روائعِهِ الأدبية، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإهداءِ الإمارات ديوانه الجديد «زايد»، هذا الديوان الذي يفيضُ بالقِيَم الوطنية العالية والنبيلة، وبالقِيَم الجَماليّةِ الأدبيةِ الغنيّةِ بالمفرداتِ الراقيةِ الأصيلة.

إنها سبعٌ وثمانون قصيدة ـ كما قال سُموّهُ في مقدمة الديوان ـ : «إلى زايد، ومن أجل زايد، وفي حُب زايد». إنها سبعٌ وثمانون قصيدةً كرموزٍ جميلةٍ لسبعةٍ وثمانين عاماً كانت عُمر باني الاتحاد، مؤسس الدولة، الذي ما زال يُظللنا نحن أبناءَهُ بظل حكمتِهِ وإلهامِهِ وإيمان قلبهِ الكبير بأبناءِ وطنه، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّبَ الله ثراه، وها هي الإمارات تستقبلُ «عامَ زايد» بكل هذا الإبداع، بديوان «زايد» الذي يبدأ بقصيدة (عام زايد)، تلك القصيدة العَصماء التي تُسطِّرُ مآثرَ الشيخ زايد رحمه الله بأروع بيان، وهي تبدأ بالذكرى النبيلة:
ذكرتْ زايد وابتدى الوقت يرجعْ
وشافت عيوني بوجه زايدْ مناها

عيون القصائد
ديوان «زايد» للشاعر الكبير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، فيه عيونُ القصائد وجيادُها، سواءٌ منها النبَطي والفصيح التي أبدعتها قريحة سموّهِ في تسجيل مواقف المغفور له الشيخ زايد، ومحطات من حياته العظيمة، وقيادته الرشيدة، وحكمته البالغة، قد لا يعرفها الكثيرون، ولذلك كانت القصائد تُسجّل وتذكرُ بعضَ المواقفِ بالتحديد والتعيين لأجل التاريخ وذاكرة الوطن.
وفي الديوان أيضاً قصائد في مناسباتٍ وطنيةٍ غالية، وكذلك قصائد المُجاراة مع الشيخ زايد، وقصائد فيها عِرفانٌ بجميل الشيخين زايد بن سلطان آل نهيان وراشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله.. فقد كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراهما، المثاليْن الأعلييْن في القيادة والحياة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وقد قال سموّه في أكثر من مناسبة إنه تعلم أمراً مهماً من كلٍّ من الشيخ زايد والشيخ راشد، ألا وهو التفكير بقهر المستحيل، وتذليل الصعاب، فهما أخبَرُ من عَرفهم بتذليل العقبات وقهر المستحيلات وترجمة الرؤى إلى واقع أوصَل الإمارات إلى المكانةِ الرفيعةِ التي تملكها اليوم.
وفي الديوان أيضاً قصيدةٌ رائعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، هي قصيدة «لا يُشق له غبار» مُهداة إلى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وينتهي الديوان بقصيدة «ترحيب» المُهداة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تقديراً لجهودهِ العظيمة في حماية وطننا الغالي، وقيادته الحكيمة البصيرة بأفضل مستقبل لأبناء الوطن.

مكنز أدبي
ديوان «زايد» هو مَكنزٌ أدبيٌّ إبداعي لِما فيه من أبكار المعاني، وجميل التشبيهات والاستعارات، وجديد المجازات، وهو عالَمٌ فسيحٌ من جَماليّاتِ الأدبِ والبلاغة، وأصالةِ المفردات، وبدائع التلوين في الأوزان الشعرية حتى كأنها لوحاتٌ سَماعيّةٌ أدبيّة، فالديوانُ يزخرُ بالقصائد الجميلة البليغة التي تُخاطبُ المُستمِعَ على مستوياتٍ أدبيةٍ وتعبيريةٍ عدة، وتسافرُ بهِ إلى فضاءاتٍ متنوّعةٍ جديدةٍ حولَ القائد الرمز الشيخ زايد، سواءٌ في قصائد المناسبات أم في المُجارَيات أم في غير ذلك من موضوعاتٍ فريدة التناول في قصائد الديوان التي تزيّنت بأوزان الشعر النبطي المُعبّرة، كالمسحوب، والسامر، والهجيني، والصْخري، وغيرها؛ كلٌ في سياقِهِ الأدبي والتعبيري بالغ الجَمال، وقد سُبكَ بقريحةٍ نشطةٍ في التخييل والتصوير والبلاغة، وتحقيق الوحدةِ الجَمالية الضرورية لكل عملٍ أدبي وفني، فهذه القصائد عن زايد، ومن أجل زايد.

صفوة آل نهيان
ويقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قصيدته «صفوة آل نهيان» مخاطباً الشيخ زايد:
إذا مدحتك مَدحي زان
قامت تجاري به امثالي
وصفك إييني على الأوزان
من كل موقف تهايا لي
وذلك لأن الشيخ زايد، رحمه الله، كان أيضاً شاعراً كبيراً، ومُلهِماً بجميل تصويرهِ ولطيفِ تعبيره الأدبي، وكم كان بينهما من ردودٍ ومُشاكَياتٍ ومُجارَياتٍ شعريّة، وفي إحداها يقولُ الشيخ محمد بن راشد مخاطباً الشيخ زايد، وهي قصيدةٌ جميلة القافيتيْن جداً:
بك هلا يا مرحبا ومنّا
والمردّه والتبايينا
بالذي ردّه على المعنى
ومن قريض الشعر يوفينا
يا هلاً به والف رحّبنا
عد يوم وشهر وسنينا
أو عدد ما غرّد أو غنّى
بلبلٍ به صوت لَحّينا
يعرف المعنى ويتأنّى
نقوة الدرّ المثامينا
سَلْس بالأشعار شوّقنا
ومعنى لْبيوت تغرينا

أكبر فخر
ومن روائع الديوان أيضاً قصيدةُ سموّه «أكبر فخر»، فهي قوية المبنى والمعنى، وموسيقاها راقية بقافيتيْن، السين بجَرْسِها الرائع، والهاء بهمسِها اللطيف الممتدّ بالألف، وهذا التشكيلُ الصوتي يتناسبُ وموضوع القصيدة وهو الفخر بالشيخ زايد رحمه الله، ومن أبيات هذه القصيدة:
أكبر فخر للناس أنّك من الناس
وأكبر فخر للأرض ممشاك فيها
بي من غلاك إحساس ما يحدّه قياس
أغلى من الدنيا ومن هو عليها
اسمك مع الأنفاس به نرفع الراس
نفسٍ بكل نفوسنا نفتديها
إنته بشر أو أنت فردٍ م الاجناس
يا شمس تَنشدّ الكواكب إليها
ولا يخفى ما في هذه الأبيات التي نقلتها من القصيدة من قوة المعنى والمبنى كما ذكرتُ آنفاً، ومن قوة البلاغة وإيجاز جوهر المعنى في جوهر اللفظ كما قول سموّه: أكبر فخر للناس أنك من الناس، وأكبر فخر للأرض ممشاك فيها، كما يذهبُ سموّه في الفخر والمدح مذهباً يفوقُ به مدحَ السابقين بتصويرٍ بارعٍ، حيث يقول عن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد: يا شمس تَنشدّ الكواكب إليها، فهذا يفوقُ قولَ النابغةِ الذبياني:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ
إذا طلعَتْ لم يَبْدُ مِنهنّ كوكبُ
فشمسُ الشيخ زايد لا تُلغي الآخرين، بل تجعل الآخرين ينشدّون إليها كما يقول الشيخ محمد بن راشد، فهم ينجذبون إلى شخصيتهِ حُبّاً وتأثراً بحكمتهِ وقيادتِهِ العظيمة، ورؤيتِهِ الثاقبةِ في مستقبل أمتِهِ ووطنِه رحمه الله وجزاهُ خيرَ الجزاء.


أهل القلوب المستريحة
ومن روائع الديوان أيضاً قصيدة «أهل القلوب المستريحة» التي كانت سبباً في مجاراة الشيخ زايد لها حيث يطلب فيها الشيخ محمد بن راشد نصيحة الشيخ زايد له، ومن أبياتها:
تنام أهل القلوب المستريحه
وانا راحات قلبي في عذابي
أرضّف ونّتي من ضيج صيحه
ومن همٍّ بقاص الجوف غابي
نصيحه والنِّبا منّك نصيحه
لكم يا بو خليفه منتدابي
سِخيّ النفس والروح السميحه
عزيز الشان مرفوع الجنابي
تعلاّ للنجوم المستشيحه
شعاع النور ومزون السحابي
أنا محتار في الدنيا الشحيحه
يهيم البوم فيها والغرابي
أرى يا سيّدي بعض الشريحه
بطانِه رِمّةٍ تحت الترابي
سريعٍ في المجامل والمديحه
كسوبٍ مستفيدٍ في الكآبي
نصيحه منه تحتاج النصيحه
كلامٍ مثل ضحضاح السرابي
فهذه القصيدة فيها من البلاغة والتصوير البارع، كقول سموّه في وصف الشيخ زايد: تعلاّ للنجوم المستشيحه، فهذا تصويرٌ فائقٌ لمنزلة الشيخ زايد، إذ تعلّى بشخصيته القياديةِ العظيمة إلى النجوم التي شاحت في السماء فصارت أعلى وأعلى من باقي النجوم، وهذا من عزيز الوصف ودقتهِ وجَماله، كما لا يخفى الإيجاز البليغ في قول سموّه عن المجامل المتكسّب: نصيحه منه تحتاج النصيحه، وبالإضافة إلى جَماليات البلاغة في هذه القصيدة نجدُ أن وزنها الشعريّ قد أكسبها لذةً في المسموع، ووزنها هو وزن «الصْخري» في الشعر النبطي، وهو نظيرُ وزن الوافر في الشعر الفصيح، وهو أحد أهم أوزان الشعر العربي لِما فيه من حيويّةٍ في تفعيلاتهِ ولذّةٍ في إنشادِهِ كما رأينا في هذه القصيدة، وكما سنرى في الأبيات التالية المختارة من قصيدة الردّ على هذه القصيدة، وهي مُجاراةٌ رائعة للمغفور له الشيخ زايد رحمه الله:
ألا يا مرحبا حيّ بنفيحه
نسيم الشرق لى ياب الجوابي
هلا باللي عرف قاصي النصيحه
كريم الأصل واجدادٍ نجابي
تمثّل لي ابتماثيلٍ صحيحه
وكل ما قال لي فيها صوابي
ترى في الناس أجناسٍ شحيحه
اتخيّل لك غديرٍ من سرابي
ايشوفون الأمور اللي فسيحه
بعينٍ حولها ضاق الرّحابي
وانته فهيمٍ للملامح والقريحه
ولا يخفاك خاطي ولا صوابي

إن ديوان «زايد» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، هو أجملُ هديةٍ أدبيةٍ لوطننا الغالي الإمارات في أحد أجمل أعوامنا بإذن الله «عام زايد»، عام القائد المؤسس، باني الاتحاد، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فهو ليس ديواناً وحسب، بل هو أكبرُ المَلاحم، وعنوانُ المَفاخِر، وهو تاريخ الاتحاد، ورؤية الإمارات، وموروثها الأدبي الأصيل، ومعجم ألفاظها الراقيةِ والنبيلة.

عندما طرح الشيخ زايد في مجلسه لغزاً وقدم حلّه محمد بن راشد بقصيدة
«لغز القلم».. النون وما يسطّرون
من روائع الديوان قصيدة «لغز القلم» التي جاءت على أحد أوزان السامر النبطي، وهو نظير وزن الرمَل في الفصيح، ونظامُ الأوتاد والأسباب في تفعيلات هذا الوزن يخلقُ رنيناً في الألفاظ يوحي بالشجَن اللطيف، وبالتأمّل العميق في الوقتِ نفسِه، ولذلك أكثرَ من القول عليه شعراءُ الأندلس لما كان يُناسبُ أشجانهم، والمشهور من وزن الرمَل هو: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن، ولكنه مُذيّلٌ في قصيدة «لغز القلم» حيث يزيدُ ساكنٌ في كلٍ من العَروض والضرب، فيصبح الوزن: فاعلاتن فاعلاتن فاعلان، وهو أنسبُ لموضوع اللغز الذي لم يُرد الشاعر تقديمَ حلّهِ إلا بإبداعٍ شِعريٍّ يأخذ بالألباب، فقد طرحَ الشيخ زايد رحمه الله في مجلسِهِ هذا اللغز الذي يتساءلُ «عن شيءٍ يعيش في البراري له عين واحدة، وعينه عند رجله، تتقرب به الملوك إلى الله سبحانه، يحمل الأثقال وهو ضعيف، لم تحمل به أنثى ولم ينجبه ذكر، ورد ذكره في القرآن الكريم، ومن الغريب رغم علو قدره أن يلعب به الصبيان»، ولم يستطع أحد من الحاضرين الإجابة عن هذا اللغز، فنظر الشيخ زايد إلى الشيخ محمد بن راشد وقال: «محمد الوحيد اللي بيعرفه»، فاستمهله الشيخ محمد بن راشد للإجابة شعراً، فكانت هذه الرائعة، ومن أبياتها:
أبتدي بالنون واللي يسطّرونْ
رايعات الشعر وعيون القصيدْ
طاعني بوْزون للي يفهمونْ
كلما خطّيت به معنى جديدْ

أكتبه بفنون لى تنفي الظنونْ
جوهرٍ مكنون في الوصف الفريدْ
لغزكم يا شيخ خافي وامخزونْ
وانت في الأشعار لك أكبر رصيدْ
لو يبون إييون مثلك يعجزونْ
يطلبون اظنون من عنّك يزيدْ
عن طويرٍ قلت في رجله عيونْ
طير دون اجناح له طرفٍ وحيدْ
به ملوك الأرض لله يقربونْ
في الكتب ذكره من الدهر البعيدْ
كان في التوراه من ماضي القرونْ
وكان في الإنجيل والذِّكر المجيدْ
ومِ العجب الاطفال لى به يلعبونْ
صنعته سهله لك العمر المديدْ
هو قلم م الريش لى به يكتبونْ
ريشة الكتّاب هو نِعم الشهيدْ
في يَد امْلاك السّما وبه يسجّلونْ
ما نقوله من رقيب ومن عتيدْ
ولا يخفى ما في هذه القصيدة من جمال الوزن الداعي إلى تأمل المعاني المرتبطة بموضوع اللغز الذي هو القلم، ومن جَمال حَرفَيِّ الرَّويِّ النون والدال، فحرفُ النون الذي هو حرفُ القافية الأولى هنا هو حرفٌ لهُ غُنّةٌ جميلةٌ تستمر في المَسموع كما هو معروفٌ في علم صفات الحروف، فناسبَ أن يكون للأشطر الأُوَل من القصيدة التي تنتظرُ تكملة معانيها بالأشطر الثواني المنتهية قافيتها بحرف الدال الذي هو حرفٌ يُناسب التقرير الذي يرِدُ في نهاية الكلام، وهكذا أبدعت قريحة الشاعر هنا معانيَ وألفاظاً ورَنينَ وزنٍ بما جعلَ من هذه القصيدة إحدى أجمل لوحاتِهِ البيانية التي تفيضُ بالنغم العَروضيّ، وجَرْس الألفاظ، وعميق المعاني.

«طاقة الإيجاب».. دستور الحياة وقانون التميُّز
من روائع الديوان قصيدة «طاقة الإيجاب»، وهي تُقدمُ الرؤية العظيمة التي صنعت من دولة الإمارات ما هي عليه اليوم، هذه القصيدة هي دستورُ الريادة، وقانون التميُّز، ولا أدلَّ على ذلك من شخصيةِ شاعرها الفذ، يقول سموّه:
طبع هذا الكون ما يحب السكونْ
لا ولا ينظر لمن خلَّى وراه
دوم سيره جِدمْ من ماضي القرونْ
طاقة الإيجاب له مصدر حياهْ
والفلَك دايرْ نشوفه بالعيونْ
ما يبا تدليل في كلّ اتجاهْ
بالعمل نحيا وبالطاقة نكونْ
قادرين انغيّر اللي ما نباهْ
والأمل يبغي عملْ به تدركونْ
كل صعب وربّه من حَبّه سقاهْ
طاقة الإيجاب يا اللي تفكّرونْ
كامنه فينا وتبغي الانتباهْ
ومن بدا كسلان عايش في الظنونْ
دوم سلبي ذاك لي خايب رجاهْ