دنيا

التسامح مع النفس عند ارتكاب الأخطاء يقود إلى النجاح

الإمعان في جلد الذات عند الخطأ سمة الفاشلين (أ ب)

الإمعان في جلد الذات عند الخطأ سمة الفاشلين (أ ب)

ما هو الشعور الذي ينتابك عندما ترتكب خطأً مُكلفاً؟ هل هو الإحباط والخيبة؟ هل ترغب حينها بالصراخ بأعلى صوتك تعبيراً عن تذمرك، أو ركل أي شيء أمامك، أو ضرب ناصيتك بكلتا يديك بقوة؟ هل تجعلك أخطاؤك تغضب وتحزن على نفسك؟ أم أنها تُشعرك بما يشبه التوتر والقلق والخوف من أنك تسير على الخط السريع باتجاه الفشل؟ هذه المشاعر جميعها أو بعضها قد يعتري أي إنسان عقب وقوعه في خطأ ما. لكن السؤال الحقيقي المطروح هو هل يستحق الأمر كل هذا العناء النفسي؟ الجواب حتماً لا. فكل الذين أبدعوا وابتكروا على مر التاريخ والعصور كثُرت أخطاؤهم. ولولا تسامحهم مع أنفسهم ومواصلتهم الإقدام على الحياة بإقبال مع التعلم من الأخطاء، لما حققوا أي مجد أو إنجاز يُذكر من قبل الأجيال اللاحقة.

من الغرابة بمكان أن يواجه الإنسان كل خطأ يرتكبه أو إخفاق يصيبه بالخوف والهلع. كثير منا يدركون، عن وعي أو لاوعي، أنهم حينما يفعلون أشياء غير مألوفة أو خارجة عن نطاق عملهم أو مجال تخصصهم وخبرتهم، فإنهم معرضون لارتكاب أخطاء. لكن المشكلة هي أننا نميل إلى توسعة آفاق مهاراتنا ومعارفنا، سعياً منا إلى النمو والتطور والخروج من مناطق الراحة المألوفة التي نرتع فيها ونسرح، هذا طبعاً إن كنا نرغب حقيقة أن نكون ناجحين.
كيف يمكنك إذن أن تحفز نفسك وتدفعها لمواجهة تحديات جديدة بثقة عالية وطاقة متجددة، ودون خوف من مغبة الوقوع في الأخطاء؟ الجواب على هذا السؤال بسيط للغاية، لكن فيه قدر من الحدس، وهو: امنح نفسك الحق في الخطأ، وكن متسامحاً مع ذاتك حتى عندما ترتكب أخطاء سخيفة!
«كُن أفضل وأذكى»
الدكتورة هايدي هالفورسون، مديرة مشاركة لمركز علم التحفيز في كلية كولومبيا لإدارة الأعمال ومؤلفة كتاب «النجاح وكيفية تحقيق الأهداف»، و»سبعة أشياء يفعلها الأشخاص الناجحون بشكل مختلف». تقول إن أول شيء ينبغي أن نتخلص منه هو فك الارتباط بمنطقة الراحة، أي ذاك المكان أو المجال الذي نفضل أن نبقى فيه ونلزمه لأننا تعودنا عليه وألفناه، ولأنه آمن وخال من المخاطر أو المفاجآت غير المتوقعة. فالأشخاص الناجحون هم في الغالب أولئك الذين يواصلون الابتعاد عن مناطق راحتهم باستمرار. قد لا يستسيغ البعض سماع هذا، ويقول أو يدعي أنه ناجح رغم ملازمته لمنطقة راحته. وقد يستثقل آخرون نصيحة كهذه ويستبشعونها ولسان حالهم يقول «إذا ابتعدتُ عن منطقة راحتي وأخفقت، فأنا من سيدفع ثمن ذلك».
وتُعلق هايدي على ذلك بالقول «لا يجب في الحقيقة أن تقلق بشأن ذلك. فقد أظهرت دراسات شتى أنه حينما تشعر بأنه مسموح لك بارتكاب الأخطاء، فإنك ستكون أقل ارتكاباً للهفوات. فكل إنسان يتعامل مع أية مهمة بواحدة من خلفيتين ذهنيتين اثنتين. إحداهما تقول «كُن جيداً!»، وفيها يركز على أن يُثبت أن لديه قدرات ومهارات عديدة، وهو يعلم مسبقاً ما يفعله. وثانيتهما تقول «كُن أفضل!»، وفيها يركز على تطوير ما لديه من قدرات ومهارات». ويعد الأمر شبيهاً بأن تفكر بالفرق بين الرغبة في أن تُثبت أنك «ذكي»، والرغبة في أن تُصبح «أذكى».
التفكير الاستكشافي
تكمن مشكلة أصحاب عقلية «كُن جيداً!» في أنها تميل إلى التسبب في حدوث مشاكل حينما تُصادف أشياء غير مألوفة أو صعبة، فيتسلل إلى صاحبها القلق بشأن احتمال وقوعه في أخطاء، وذلك لأن الأخطاء بالنسبة إليه رديفة لقلة الخبرة والقدرة والكفاءة، وهذا يُنشئ في نفسه قدراً كبيراً من التوتر والقلق والإحباط. ويقود هذان الشعوران الأخيران بدورهما إلى ضعف الأداء. إذ تتعرض الذاكرة للتشويش، وتتضرر نتيجة لذلك العديد من عملياتنا الإدراكية التي نعتمد عليها في التفكير الإبداعي والتحليلي.
وعلاوة على ذلك، حينما نُركز على أداء كل مهامنا على وجه كامل (أي أن نكون جيدين)، فإننا نُفوت على عقولنا القيام بتفكير استكشافي وإتيان سلوك يُنشئ معرفة جديداً وإبداعاً. ويجدُر التذكير في هذا الصدد بأنه من المثْبَت علمياً أن القلق والإحباط يشوشان إلى حد بعيد على عدد من العمليات الإدراكية التي يؤديها الدماغ، والتي نعتمد عليها في التفكير الإبداعي والتحليلي.
وخلافاً لعقلية «كُن جيداً!»، فإن ذهنية «كُن أفضل!» تُعد عملياً بمثابة درع مقاوم للرصاص. فعندما نفكر مثلاً فيما نفعله على مستوى التعلم والإتقان، مع قبولنا بأننا يمكن أن نقع في أخطاء خلال مواصلتنا السير على الطريق المهني والحياتي، فإننا نبقى محفَزين ومتشجعين على المضي قُدماً، بصرف النظر عما قد يعترض طريقنا من مطبات صنعها غيرُنا أو تسببنا نحن في صنعها. ومن بين الأمثلة التي تسوقها هايدي في هذا الإطار دراسة أجرتها قبل بضع سنوات. وتقول إنها وجدت أن المشاركين في دراستها الذين ينطلقون من الخلفية الذهنية «كُن جيداً!» (أي الذين يحاولون أن يُظهروا كم هم أذكياء) ارتكبوا كثيراً من الأخطاء في اختبار لحل المشاكل عندما جعلت هايدي الاختبار أصعب، وذلك بتعمدها مقاطعتهم خلال انهماكهم في إنجازه، أو بزيادة بضع مسائل إضافية عصية على الحل. وتضيف هايدي أن الأمر المذهل الذي اكتشفته هو أن المشاركين في الدراسة الذين ينطلقون من الخلفية الذهنية «كُن أفضل!» (أي الذين يعتبرون أي اختبار أو امتحان فرصة لهم لتعلم أشياء جديدة) كانوا يؤدون مسائل الاختبار ذاتها بأريحية وهدوء، ولم يتأثروا بأي من الخدع التي استخدمتها هايدي لجعل ظروف أدائهم الاختبار أصعب، عبر مقاطعتهم أو إضافة مسائل جديدة يصعب حلها. بل إن هؤلاء المشاركين حافظوا على حافزيتهم، وحلوا مسائل الاختبار ومشاكله على نحو سليم.
ثلاث خطوات
تقول هايدي متسائلة «عندما تهم بإنجاز عمل جديد، هل تتوخى في عقلك الباطن أداءه دون الوقوع في أي أخطاء أو هفوات مهما كان قدره من التحدي والصعوبة؟ وهل تُركز على أن تكون جيداً بدلاً من تركيزك على أن تكون أفضل؟» إذا كان هذا هو حالك، فإليك ثلاث خطوات يمكنك اتباعها من أجل تغيير عقليتك وخلفيتك الذهنية، وتخليص نفسك من ذلك البعبع الذي يرقد في داخلك، ويجعلك تهاب الأخطاء وتخشى الوقوع في الهفوات والزلات:
? الخطوة الأولى: ابدأ مشروعاً جديداً عبر مصارحتك لنفسك بما هو صعب وغير مألوف، وتقبُلك بأنك قد تحتاج إلى بعض الوقت قبل الوصول إلى مرحلة إدارته بإتقان. واعلم أنك قد ترتكب أخطاء وهفوات، ولا بأس في ذلك. فهكذا تنشأ القدرات وتتطور. حاول استيعاب هذا الأمر والاقتناع بصوابه، وكرره على مسامعك كلما احتجت إلى ذلك، حتى يترسخ في عقلك الظاهر والباطن.
? الخطوة الثانية: الجأ إلى الآخرين عندما تواجهك مشكلات وقلاقل. فالإنسان يميل بطبعه إلى إخفاء أخطائه بدلاً من البوح بها للآخرين، بمن فيهم أولئك الذين ينتظر منهم النصح والتسديد والتوجيه. واعلم أن الأخطاء ليست هي التي تجعلك تبدو سخيفاً، وإنما تصرفك على أنك خبير في كل شيء هو الذي سيجعل الآخرين يعتبرونك مدعياً وأحمق!
? الخطوة الثالثة: حاول ألا تقارن أداءك الشخصي بأداء الآخرين. قد يكون هذا صعباً عليك، لكن حاول القيام به. وعوضاً عن ذلك، قارنْ أداءك اليوم بأدائك في الأسبوع المنصرم والشهر الفائت والعام الماضي. قد ترتكب أخطاءً، وقد تشعر بأنك تقوم بأشياء على نحو ناقص، وعلى غير الوجه الأكمل، ولا بأس في ذلك. أهم شيء في نهاية المطاف هو أن تشعر بأنك تتحسن وتحقق تقدماً. وهذا أكثر ما ينبغي أن يشغل اهتمامك. واستحضرْ دائماً حقيقة أن أعظم المبدعين والناجحين في تاريخ البشرية هم أولئك الذين يكثرون من الأخطاء، ويتعلمون من هذه الأخطاء.

هشام أحناش
عن موقع «99u.com»