تقارير

ترامب ولعبة إلقاء اللوم!

لطالما كان الرؤساء الأميركيون يحبون ممارسة لعبة إلقاء اللوم. وفي أول خطاب عن «حالة الاتحاد» ألقى رونالد ريجان باللوم على الاقتصاد الذي ورثه عن جيمي كارتر. أما باراك أوباما، الذي كان كثيراً ما يتحدث عن الأزمة الاقتصادية التي كانت تتكشف عند توليه منصبه، فقد كانت وسائل الإعلام المحافظة تطلق عليه اسم «اللائم»، وفي منتصف عام 2009، أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن هذا التكتيك لن ينجح لفترة طويلة، وذلك بسبب أنه عند نقطة معينة، ينبغي أن يتحمل الرئيس مسؤولية المشاكل التي هي أمامه.
بيد أن الرئيس ترامب أظهر عدداً غير عادي من الأشخاص والمؤسسات التي استهدفها في الأسابيع الأولى له في منصبه: فقد ألقى باللوم على الديمقراطيين كونهم السبب في تأخير اختياره لأعضاء حكومته. وقال في تغريدة له إن «المسربين البائسين» يمثلون «مشكلة كبيرة». ووسط تساؤلات بشأن اتصالات أعضاء فريقه بمسؤولين روس، قال إن «روسيا استولت على القرم» خلال إدارة أوباما، وتساءل «هل كان أوباما متساهلاً أكثر من اللازم بشأن روسيا؟». وزعم ترامب أيضاً أن التزوير واسع النطاق في أصوات الناخبين هو السبب في خسارته التصويت الشعبي، على رغم أنه لا يوجد دليل يؤيد كلامه.
وفي الوقت نفسه، كانت الصحافة هي المتضرر الأكبر من غضبه، حيث ألقى باللوم على صحافة «الأخبار الوهمية» التي يصفها الآن بأنها «عدو الشعب» لأنها وصفت انتقاله للبيت الأبيض بأنه فوضوي، أو كشفت تفاصيل مكالماته الهاتفية مع زعماء العالم. وأثناء مؤتمر صحفي غريب، الأسبوع الماضي، قال ترامب مراراً وتكراراً إنه «ورث الفوضى».
ومرور شهر واحد على رئاسة ترامب -كما كان الأميركيون يحتفلون بأعياد ميلاد جورج واشنطن وأبراهام لينكولن بقضاء عطلة نهاية الأسبوع في رحلات التزلج- يبدو لحظة مناسبة للغاية للتفكر في تكتيك ترامب المبكر والمتكرر في توجيه أصابع الاتهام إلى مكان آخر.
وقد بدأ ذلك من اليوم الأول، عندما أعلن ترامب في خطاب تنصيبه أن «هناك الجريمة، والعصابات، والمخدرات التي خطفت الكثير من الأرواح وسلبت من بلدنا كثيراً من إمكانياته غير المستغلة. فلتتوقف هذه المذبحة الأميركية هنا والآن». وهذا الوصف يبدو أنه يصور أميركا مستاءة كانت حتى ذلك الحين تحت قيادة «مؤسسة» في واشنطن هي التي «جنت ثمار الحكومة بينما تحمل الشعب الثمن».
واستمر ذلك على تويتر، حيث أخذ ترامب يلقي باللوم على وسائل الإعلام بسبب تغطيتها لإدارته، وعلى سيناتور ديمقراطي بسبب «سوء تقديمه لما ذكره له مرشح المحكمة العليا القاضي نيل جورساتش»، وشركة «نوردستورم» للأزياء بسبب معاملة ابنته «بطريقة غير منصفة». حتى أنه قال لأتباعه أين يلقون باللوم في الأحداث المستقبلية: ففي الخامس من فبراير، بعد أن علق «جيمس روبارت»، وهو قاض فيدرالي في محكمة قطاع واشنطن الغربي، العمل بالأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بشأن حظر السفر، كتب ترامب على تويتر «لا نستطيع تصديق أن قاضياً سيعرض بلادنا لمثل هذا الخطر. إذا حدث شيء، ألقوا باللوم عليه وعلى نظام المحكمة. إن الناس يتدفقون إلى البلاد. هذا أمر سيئ!».
وظهر توجيه أصابع الاتهام بقوة خلال المؤتمر الصحفي المليء بالشكاوى، الذي عقد الأسبوع الماضي، عندما كرر ترامب أنه «ورث الفوضى»: «إنها فوضى. في داخل البلاد وخارجها. إن الوظائف تتدفق إلى خارج البلاد». وعندما تعرض للضغط بسبب زعمه بأنه قد حقق أكبر هامش فوز في المجمع الانتخابي منذ الرئيس ريجان، ألقى ترامب باللوم حتى على مساعديه. وقال «حسناً، إنني لا أعرف. لقد أعطِيت تلك المعلومات».
وبعد أن أمضى شهراً في السلطة، لا يزال ترامب في وضع الحملة، يحارب الخصوم القدامى ويتحدث عن فوزه. ومن النصائح التي توصف على نطاق عالمي لإدارة الأعمال ضرورة تحمل المسؤولية عندما تسوء الأمور، ومنح الفضل للآخرين عندما تمضي الأمور بشكل جيد، فهذه سمة من سمات القيادة القوية. أما إلقاء اللوم فلا يضر فقط العلاقات الخارجية، بل أيضاً يخلق مناخاً من الخوف من شأنه أن يبطئ أي تقدم.
والسؤال بالنسبة لترامب، كما طرحته صحيفة «التايمز» على أوباما قبل ثماني سنوات، هو إلى متى ستنجح لعبة إلقاء اللوم. لقد ورث أوباما، بعد كل شيء، كارثة اقتصادية حقيقية -أزمة مالية عالمية وأسوأ حالة ركود منذ الكساد العظيم- بينما ورث ترامب اقتصاداً مستقراً ومتنامياً، وإن كان بدرجات متفاوتة في بعض القطاعات.

* محرر شؤون القيادة في صحيفة «واشنطن بوست»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»