ثقافة

إدوارد سعيد.. مثقف رومانسي وروائي كامن

إدوارد سعيد

إدوارد سعيد

أحمد عثمان (باريس)

حينما يتلاقى إدوارد سعيد ودومينيك إده، يفضلان التنزّه في حدائق المدن. في حواراتهما الطويلة كصديقين تربطهما الكثير من الأشياء المشتركة، يتحدثان في السياسة، الأدب، الموسيقا. وعلى الرغم من مضي أربعة عشر عاماً على وفاة سعيد، لم تكف إده عن الحفاظ على هذه الحوارات، وتغذيتها بقربها الاستثنائي من المثقف الفلسطيني - الأميركي حتى تنجز كتابها عنه «إدوارد سعيد، رواية فكره» الذي صدر عن مطبوعات «لا فابريك» قبل انتهاء 2017 بأيام قليلة.
سعيد مبجّل كثيراً، ومنتقد أحياناً، في فرنسا بسبب كتابه «الاستشراق»، الذي وسم منعطفاً حقيقياً في الفكر الغربي ودشن لما سمي مذاك «الفكر ما بعد الكولونيالي». منذ فترة طويلة، تردد الناشرون في ترجمة ونشر أعمال كاتب «هرطوقي»، ناقد صارم للكولونيالية في مظاهرها ليس فقط السياسية، وإنما الثقافية أيضاً. وصدور كتاب دومينيك إده يردّ على هذا النقص الشديد.
إدوارد سعيد مثقف نقدي، من نمط جوليان بندا، ذو مبدأ أخلاقي وسياسي يتمثل في «قول الحقيقة للسلطة».
ومع ذلك، عملت دومينيك إده على تعريفنا بالأديب، وليس السياسي. دارت حول «الاستشراق»، وأدارت حواراً طويلاً عن القراءة اليقظة لكتّاب ومنظّرين كبار، أمثال كونراد، بروست، فاليري، سويفت، فيكو، فاون، فوكو، أورويل، كامو وغيرهم، واجهت فيه قراءاتها، وتأويلاتها ومراجعها بمثيلاتها لدى سعيد، الحاضر أبداً رغم موته. باستثناء كتاباته المجمّعة عن المنفى، لا يوجد كتاب لسعيد بالفرنسية، ولهذا تتناول إده كتاباته كلها وتقدمها دفعة واحدة للقارئ، وتلك قيمة كتابها.
في هذه المسيرة، يحتل جوزيف كونراد «الرفيق السري» لسعيد، مكانة خاصة ويمنحه دوماً «الهروب والرجوع إلى الماضي» (ص. 36).
ترى إده سعيداً كما كونراد، بحّار وكاتب، «إنسان مزدوج» Homo duplex، حيث إن الثنائية امحت على المستويات كافة تقريباً، الأدب وعالم الأفكار، الموسيقا والسياسة، المهنة الأكاديمية والتمرد الشخصي. الكتاب كله يرتكز على هذه الموضوعة.
مختبراً، على طريقة تيودو أدورنو، فكرة «المنفى الدائم»، تناول سعيد، في كتابه الأخير الذي صدر في حياته، اللا-انتماء، والبعد السلبي، وصفة المثقف النقدي. في هذا المعنى، تموضع في قلب تقليد فكري لا يقتصر البتة على النظرية النقدية، نظرية الفيلسوف ميرلو-بونتي، الذي كرّس سعيد أول نصوصه المنشورة في «تأملات حول المنفى» عنه: «الفيلسوف يريد أن يكون حاضراً في كل مكان في آن معاً خشية ألا يوجد في أي مكان»، وأضاف: «من غير المفيد إنكار أن الفلسفة تتعثر». وخشية من الوقوع فيما أسماه جيل دولوز «النزعة الأسرية»، بيّنت دومينيك إده، من خلال العلاقة المتناقضة وجدانياً بينه وبين أبيه، وبينه وبين أمه، أن هذا التمزق الذي عاناه إدوارد سعيد، لم ينجح في توحيده أو إدراك التناغم بينهما، وإلى هذا تنضاف صعوبة التوفيق بين هويتين: إدوارد (اسم أنغلو - سكسوني) وسعيد (اسم عربي)...
هذا الحوار الحيّ، الذي يعطي الانطباع في بعض الأحايين أن المتحادثين يتواجهان بحدة، مثلما جرى حول دانييل بارنباوم، لا ينفي حقاً الاختلاف. العلاقة «السحرية» التي تربط بينهما، الهوى المعيش بالضرورة خارج الحياة اليومية، لم تكن مستثناة من الصراعات، والأزمات والقطيعة. لا تكتمها دومينيك إده أبداً، حتى وإن ذكرتها بحياء، ولكن الاختلاف كان على وجه التحديد فكرياً وسياسياً. لم يكن ذوقهما متشابهاً، سعيد، مثلاً، على خلاف إده، لم يكن من معجبي دوستويفسكي، ولا يشاطرها حماستها لسيوران. سعيد، في عينيها، «مناضل متطرف نوعاً ما».
في اللحظات الأخيرة من حياته، تمنى سعيد أن يكتب رواية، لم يستطع. ودومينيك إده، بموهبتها الكبيرة كروائية (وباحثة أيضاً) جعلت منه شخصية روائية جذابة، أو البطل الذي تمنى أن يكتبه.
(*) Dominique Eddé, Edward Said, le roman de sa pensée. La Fabrique, 227 p.