عربي ودولي

كواليس فضائح الميزانية وراء تفجير الغضب

لقطة وزعتها مواقع المعارضة الإيرانية لتظاهرة احتجاجية (من المصدر)

لقطة وزعتها مواقع المعارضة الإيرانية لتظاهرة احتجاجية (من المصدر)

نيويورك، طهران (وكالات)

أقر معظم أطياف الساحة السياسية في إيران أن الاستياء العميق الناتج عن البطالة وعن غلاء المعيشة والفساد تحول إلى قنبلة موقوتة. وقال محللون إن الرئيس حسن روحاني بات أمام تحديات وفرص في الوقت نفسه، في إطار الجهود التي يقوم بها لإصلاح البلاد وسط ضبابية الاحتجاجات المستمرة منذ 28 ديسمبر الماضي. في وقت كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن صراعا وراء الكواليس بين جناحي النظام الإيراني المتشدد والإصلاحي، أدى إلى كشف عورة الفساد أمام الشعب الذي يعاني غالبيته من الفقر، وفجر موجة الغضب في جميع أنحاء البلاد.
وبينما كانت الطبقة المتوسطة في المدن الحضرية تقود احتجاجات عام 2009، فإن التظاهرات الحالية مدفوعة إلى حد كبير من قبل الشباب الساخطين في المناطق الريفية والبلدات والمدن الصغيرة، حيث أرادوا التعبير عن إحباطهم من النخبة السياسية التي اختطفت الاقتصاد لخدمة مصالحها الخاصة. وحسب «نيويورك تايمز»، فإن شرارة الغضب اندلعت بعدما كشف روحاني بنودا من الميزانية، بما في ذلك تفاصيل الإنفاق على المعاهد الدينية والجيش حيث اكتشف الإيرانيون أن مليارات الدولارات تذهب إلى المنظمات المتشددة، والجيش، وقوات الحرس الثوري، والمؤسسات الدينية التي تثري النخبة المتشددة. وفي الوقت نفسه، اقترحت الميزانية إنهاء الإعانات المالية لملايين المواطنين، وزيادة أسعار الوقود وخصخصة المدارس الحكومية.
وبحسب تقديرات غير رسمية، تصل البطالة في أوساط الشباب إلى نحو 40 في المئة، بينما ينفق النظام الحاكم مليارات الدولارات في الخارج لتوسيع نفوذه في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقال مهدي (33 عاما) من مدينة إيزه في خوزستان: «هذه المعلومات أغضبتني»، وأضاف الشاب: « كل المؤسسات الدينية حصلت على ميزانيات عالية، بينما نكافح مع البطالة المستمرة». وانتشرت مقاطع فيديو في وسائل الإعلام لأناس يناقشون باهتمام الميزانية الحكومية المقترحة، مما شجع الإيرانيين المحبطين في مناطق أخرى.
وغرد مستشار روحاني، حسام الدين أشنا، على «تويتر» على التوزيع غير المتوازن للميزانية، وقال «إن المؤسسة العسكرية وصلت مخصصاتها بالميزانية إلى 11 مليار دولار، أي بزيادة 20 في المئة تقريبا، كما زادت مخصصات رجال الدين ممثلي المرشد علي خامنئي في الجامعات. وحصل المعهد الذي يديره رجل الدين المتشدد محمد تاغي مصباح اليزدي على ثمانية أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمان. وقال سائق تاكسي في طهران يدعى محمد علي نجاد إنه هتف مع الاحتجاجات، وأضاف:«أريد أن يذهب هؤلاء رجال الدين. لقد دمروا حياتي».
وإذ تركزت الانتقادات التي وجهت إلى الرئيس الإيراني على تخليه عن الفقراء مع محاولته زيادة أسعار المحروقات في ميزانيته الأخيرة التي أعلنت قبل أسابيع من بدء التظاهرات. من المرجح أن يرفض مجلس الشورى الإجراءات كي يظهر انه يستمع إلى غضب الشارع. وقال نائب رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية ناصر لاركاني «إن السكان لم يعودوا قادرين على تحمل زيادة في أسعار الوقود..من الخطأ إقرار هذه الزيادة مع مواجهة السكان مجموعة واسعة من المشاكل اليومية الاقتصادية».
وبرزت هذا الأسبوع وكالة أخبار جديدة على الإنترنت نشرت فيديو سرعان ما انتشر بشكل هائل وبدا فيه أفراد من سكان طهران ينتقدون سياسات الحكومة. وقال رجل في الأربعينيات «هل اشترى روحاني البيض أو اللحم بنفسه في أي وقت؟»، وأضاف رجل أكبر سنا «أنا احتج على ما يحصل من سرقات واستيلاء على المال العام..من يقف وراء ذلك؟ انهم الذين يقيمون في القصور ولديهم أثرياء في حكومتهم».
وتشير تظاهرات هذا الأسبوع إلى شعور الكثير من الإيرانيين بالسأم من انتظار تجسد نتائج الاتفاق فيما ما زالت البطالة فوق 12% إجمالا وحوالى 30% من الشبان. وقالت المعلمة البالغة 35 عاما في طهران ساريتا محمدي «الناس لم يعد يسعهم التحمل، خصوصا الشباب..لا يمكنهم شراء منزل أو مواصلة تعليمهم. لم يعودوا قادرين على الاستمرار في هذا الوضع».
ورغم ذلك رأى محللون أن روحاني ما زال قادرا على انتزاع نصر من اضطرابات هذا الأسبوع، خصوصا إن لجم المحافظون انتقاداتهم التي أججت الاضطرابات. وقال محمد صادق جوادي المحلل الإصلاحي في مشهد التي انطلقت منها الاحتجاجات في 28 ديسمبر إن خصوم روحاني زاروا المدينة قبل بدء الاحتجاجات، لتعبئة الناس كي ينزلوا إلى الشوارع»، وأضاف «ركزوا على الزيادات المؤقتة لأسعار السلع الأساسية كالبيض وعلى الزيادة المرتقبة لسعر الوقود»، مؤكدا انهم أرادوا تعبئة الاحتجاجات ضد الحكومة قبل تجمعات مقررة مسبقا السبت في ذكرى هزيمة حركة الاحتجاجات الكبرى السابقة في 2009. وقال «كان هذا هدفهم لكنه خرج على السيطرة».
واعتبر اسحق جهانغيري نائب الرئيس الإيراني غداة انطلاق التظاهرات أن متشددين معارضين للحكومة قد يكونون مسؤولين عنها، وقال للتلفزيون الرسمي «يعتقدون انهم يؤذون الحكومة بما يفعلون، لكن آخرين هم من سيركب هذه الموجة». فيما نفى المحافظون هذه الاتهامات بشكل قاطع. وقالت محللة الشؤون الإيرانية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إيلي غيرانمايه «أنا واثقة أن حكومة روحاني ستكسب رصيدا سياسيا ما من ذلك»، موضحة «إن اتضحت صحة الشائعات القائلة فإن المحافظين مسؤولون، فسيعتبرهم الشعب عديمي الكفاءة وسيتساءل كيف عساهم أن يديروا البلد».
لكن حتى لو خرج روحاني سليما سياسيا من الأزمة، فسيبقى عليه مواجهة شعب غاضب وسط انعدام الحلول السهلة. وقال المحلل المقرب من الإصلاحيين عباس عابدي في طهران «إن هذه الأزمة أفسحت فرصة جديدة لإحداث تغييرات، وهذا ضروري وإلا فستكون العواقب خطيرة، لكن هذا لا يعني أن روحاني يمكنه التلويح بعصا سحرية وتبديل كل شيء».

«الحرس الثوري» يتحكم بـ 100 مليار دولار
طهران (مواقع إخبارية)

يتحكم الحرس الثوري الإيراني بصناديق الضمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية، إضافة إلى أجزاء رئيسية في الاقتصاد الذي يتكون من ثلاثة قطاعات هي القطاع العام والقطاع الخاص، والقطاع شبه الحكومي الذي يشمل المؤسسات والتعاونيات الدينية والثورية والعسكرية. وقال تقرير لـ«العربية. نت»، إن الحرس الثوري الذي تأسس في أعقاب ثورة الخميني عام 1979، ليصبح قوة عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، يتمتع بصلة وثيقة مع العديد من الشخصيات المؤثرة.
ويجمع الخبراء على أنه نتيجة لعمليات خصخصة فاشلة في العقود الثلاثة الماضية، تم نقل ملكية المؤسسات الحكومية العليا إلى القطاع شبه الحكومي، ومن أبرز لاعبيه الحرس الثوري الذي بدأ مشواره على أساس دخوله في القطاعات التي تمثل تحدياً للقطاع الخاص، لا سيما قطاعات البناء والصناعات الثقيلة، فامتدت جذوره بعد ذلك إلى قطاعات أخرى كالمصارف والصحة والزراعة والاتصالات ليتحكم بكل روافد الاقتصاد.
وتقدر قيمة شركاته بأكثر من 100 مليار دولار، وتشمل شركة «خاتم الأنبياء»، وهي أكبر شركة مقاولات هندسية إيرانية تتمتع بمئات العقود الحكومية وتوظف 20 ألفاً. كما تضم تحت مظلتها أكثر من 800 شركة في إيران وخارجها، ولها أسهم في عدد من البنوك والمصافي ومصانع السيارات والبتروكيماويات والصناعات الغذائية. كما يمتلك الحرس الثوري 51% في شركة الاتصالات الإيرانية، تم الاستحواذ عليها في عام 2009، مقابل 7.8 مليار دولار، و45% من شركة «بهمان» لصناعة السيارات وتحديداً سيارات «مازدا». بالإضافة إلى شركة «انغوران»، أكبر منجم للرصاص والزينك في الشرق الأوسط، والشركة الإيرانية للصناعات البحرية التي تقوم ببناء ناقلات نفط وتشارك في مشاريع النفط والغاز.
وتقدر بعض التقارير أن مساهمة شبكة الحرس الثوري تبلغ 15% من الناتج المحلي الإجمالي في إيران، في حين يساهم القطاع شبه الحكومي ككل بـ40%. أما مساهمة القطاع الخاص، فهي 25%، والقطاع العام 35%.