صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

صحيفة أميركية: تميم يجند زواره من الصهاينة للضغط على الكونجرس لتأييد الدوحة

دينا محمود (لندن)

دخلت المحاولات المحمومة التي يقوم بها النظام القطري لشراء ولاء جماعات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لمساعدته على تبييض سجله الأسود، مرحلةً جديدة أكثر خطورة، مع كشف النقاب عن أن حاخاماً موالياً للدوحة وجه تهديداتٍ لمن يحاولون فضح عمليات غسل السمعة التي تتواصل على نحوٍ مستميت على الساحة الأميركية، منذ اتخاذ الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب، (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، إجراءاتها الصارمة ضد حكام الدويلة المعزولة مطلع شهر يونيو من العام الماضي.
ففي مقالٍ نشرته صحيفة «ألجامينار»، أكد الكاتب شمولي بوتيتش أنه تلقى رسالة تهديدٍ من هذا الحاخام، بهدف إجباره على وقف هجومه الضاري على قيادات الجماعات اليهودية الأميركية، الذين يقومون منذ شهور بزياراتٍ إلى الدوحة على نفقة نظام تميم بن حمد، من أجل أن يشاركوا بعد ذلك في حملات التضليل التي يموّلها هذا النظام.
وحرص بوتيتش، الذي وجه الشهر الماضي رسالةً مفتوحة لأمير قطر يحذره فيها من أن أمواله لن تحميه من السقوط، على نشر مقتطفاتٍ من رسالة التهديد التي تلقاها من الحاخام الذي لم يكشف عن هويته، والتي تضمنت قول كاتبها: «أقترح عليك بقوة أن تحسب خطواتك بعناية فائقة، فأنت ربما تكون بصدد إيصال نفسك إلى نقطة اللاعودة».
ومضى الحاخام، الذي كشف المقال أنه كان هو نفسه من بين قيادات اللوبي الصهيوني الذين زاروا قطر في الآونة الأخيرة وقابلوا أميرها تميم، قائلاً في الرسالة: «إن ذلك (انتقاد جهود تبييض سجل قطر) قد يصبح باهظ الثمن للغاية، وحتى (أصدقاؤك الأثرياء) لن يتمكنوا، ربما، من إخراجك من هذا المأزق». وأبرز بوتيتش في مقاله حقيقة أن الحاخام، صاحب رسالة التهديد هذه، كان قد وصف حاكم قطر في السابق بأنه يتولى قيادة دولة «أسست الجزيرة وتمول حماس، وهي تنظيم إرهابي»، مشيراً إلى أن ذلك لم يمنع هذا الشخص من قبول دعوة لزيارة الدوحة وعقد اجتماعٍ مع تميم، بل ووصف اللقاء في ما بعد بأنه شكل «مفاجأةً سارة».
وألمح المقال إلى أن سر استمرار تكالب قادة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، على استقلال الطائرات المتجهة إلى العاصمة القطرية، يعود إلى إنفاق حكام الدوحة أموالهم على نحوٍ مهووس، على حملة شراء الذمم والولاءات الجارية بجنون على الساحة الأميركية. وتساءل الكاتب في هذا الشأن قائلاً: «هل إغواء صندوق السيادة (القطري)، البالغ قيمته 350 مليار دولار، أقوى كثيراً من أن يُقاوم؟».
وسلط بوتيتش الضوء في المقال على المفارقة المتمثلة في أنه في الوقت، الذي كان فيه النظام القطري يستقبل العديد من الرموز البارزة للجماعات اليهودية الأميركية الداعمة بقوة للسياسات الإسرائيلية المتطرفة والمتشددة، كانت قناة «الجزيرة» الممولة من جانبه تُسجل مقاطع مصورة لبعض هؤلاء القادة سراً. ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى الفيلم الوثائقي، الذي قالت الشبكة المعروفة بدعمها للتطرف والإرهاب، إنها تستعد لبثه حول كواليس العمل في هذه الجماعات وجهودها للتأثير على القرار الأميركي. وكشفت الشبكة أنها استعانت في هذا الإطار بصحفي متخفٍّ زرعته في تلك التنظيمات عام 2016، مما مَكّنَه من الاطلاع على بعض الملفات الخاصة بها، وتسجيل مقاطع مصورة للعاملين فيها بشكلٍ سري.
واستعرض المقال في هذا الشأن ما سماه «الجوقة الخماسية» التي أعدها لدعم النظام القطري؛ خبير وضع الاستراتيجيات في الحزب الجمهوري الأميركي نيكولاس ميوزِن، صاحب شركة «ستونينجتون ستراتيجيز» التي ترتبط بتعاقدٍ مع هذا النظام منذ شهر أغسطس من العام الماضي، لتقديم خدماتها له، بهدف تعزيز علاقاته مع أميركا وإسرائيل، وذلك مقابل 300 ألف دولار شهرياً، كانت في بادئ الأمر لا تتجاوز الـ50 ألفاً.
وتتألف هذه الجوقة، بحسب المقال، من مالكوم هونلاين رئيس مؤتمر «المنظمات الأميركية اليهودية الرئيسة» في الولايات المتحدة، والحاخام مناحم جناك من منظمة «الاتحاد الأرثوذكسي» اليهودي، وكذلك مارتِن أولينر من منظمة «الصهاينة المتدينون في أميركا»، بجانب جاك روزن من منظمة المؤتمر اليهودي الأميركي، بالإضافة إلى المحامي البارز في مدينة نيويورك آلان إم. دورشويتز، وهو من أشد أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة.
وفي إشارة إلى قوة العلاقات التي نسجتها هذه الشخصيات الصهيونية المتطرفة مع حكام قطر، الذين يتظاهرون في العلن بمساندة حقوق الشعب الفلسطيني ويزايدون على مواقف الدول العربية الأخرى في هذا الشأن، أشار مقال «ألجامينار» إلى أن قيادياً صهيونياً متشدداً مثل هونلاين حرص فور عودته من الدوحة على دعوة شقيق أمير قطر لحضور حفل زفاف ابنته، بجانب ما فعله الحاخام جناك من القيام بزيارة ثانية إلى قطر، بحسب تقارير.
كما أبرز المقال المديح الذي أغدقه دورشويتز على النظام القطري بعدما زار الدوحة، والذي بلغ حد قوله إن هذه الدويلة المعزولة باتت أشبه بـ«إسرائيل الخليج»، وهو توصيفٌ يلقى هوى بطبيعة الحال بين غلاة مؤيدي الدولة العبرية في أميركا.
من جهة أخرى، كشف بوتيتش النقاب عن أن نظام تميم سعى لتجنيد زواره من الصهاينة، لممارسة ضغوطٍ على أعضاء الكونجرس الأميركي لدفعهم لاتخاذ مواقف مؤيدة للدوحة في الأزمة القطرية التي تعصف بالخليج منذ أكثر من ثمانية أشهر.
وقال الكاتب في هذا الصدد: «إن مورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية لأميركا، الذي زار قطر بدوره والتقى تميم في قصره، كشف أن أمير قطر طلب منه السعي لحشد دعم المشرعين الأميركيين لنظامه». وأشار المقال إلى أن ثمة مساعيَ بُذلت خلال هذه الزيارة، لترتيب لقاءٍ بين كلاين وخالد مشعل الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية، المدعومة من جانب الدوحة.
واتهم بوتيتش في مقاله أمير قطر بالكذب، قائلاً: «بفضل مورتون (كلاين) علمنا أشياء.. مهمة، أن أمير قطر كاذبٌ أيضاً. فقد قال لمورتون إن رحلته (إلى الدوحة) ستبقى في طي الكتمان، ولكن قطر سربت أنباءها على أي حال». وألمح الكاتب إلى أن ذلك كان أمراً منطقياً ومتوقعاً، في ضوء أن من «المهم للجهود الدعائية القطرية، أن تُظهر أن قادة اليهود (الأميركيين) على استعداد للقيام، بما وصفه مورتون كلاين، برحلةٍ منهكة، تستمر 13 ساعة ذهاباً، ومثلها إياباً، لمجرد مقابلة الأمير».
كما قال بوتيتش إن أمير قطر «كذب» كذلك فيما يتعلق بحديثه عن الدعم الذي تبديه بلاده لجماعة «الإخوان» الإرهابية، في إشارة، على ما يبدو، إلى محاولات الدوحة للزعم بأن هذه الجماعة الدموية تشكل قوةً سياسيةً وليس تنظيماً مسلحاً إرهابياً.
وخلص الكاتب في ختام مقاله للقول إنه «ليس لدى قطر أي نية لتغيير سياساتها التي تهدد المصالح الأميركية وتقوض قيمنا». وشدد على أن «التنازل الوحيد الذي وافق أمير (قطر) على تقديمه (للقادة اليهود الزائرين) تمثل في استبعاد كل الكتب المعادية للسامية من معرض الدوحة للكتاب» مُشيراً إلى أن ذلك لا يرقى إلى مستوى «وقف تمويل الإرهاب أو تقييد تحالف الأمير مع إيران».
ويأتي هذا المقال في ظل أزمة متصاعدة بين النظام القطري وحلفائه الجدد من جماعات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بعدما تلقى مسؤولون في هذه الجماعات والمنظمات رسائل من «الجزيرة» تُعْلِمهم فيها بأنه تم تصويرهم في فيلمها الوثائقي الذي لم تعلن بعد موعداً محدداً لبثه. وبرغم أن تقارير إعلامية أشارت إلى أن الأمير تميم نفسه سارع بتقديم تطميناتٍ للجماعات اليهودية الأميركية بأن الفيلم لن يُعرض، فإن ذلك لم يبدد قلق قادتها، في ظل أنهم كانوا قد تلقوا تعهداتٍ مماثلة في أواخر أكتوبر الماضي عندما كشفت «الجزيرة» للمرة الأولى عن وجود هذا الوثائقي، وهي التعهدات التي لم تمنع الشبكة القطرية من إرسال خطاباتها التي تُنذر بقرب عرضه.
وهدد قادة اللوبي الصهيوني بأن عرض الفيلم سيقوض جهود قطر الرامية لنيل دعم يهود أميركا في مساعيها لحمل البيت الأبيض على تغيير موقفه من الأزمة الخليجية.