عربي ودولي

«الفيفا» يعاني لإيجـاد رعاة لـ«مونــــــديال 2022» المطارد بالفضائح

دينا محمود (لندن)

يستيقظ النظام القطري اليوم في أولى ساعات العام الجديد 2018 على أزمة أخرى، تواجه استضافته المشكوك فيها لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، وسط تراكم الأدلة على لجوء الدوحة إلى أساليب ملتوية لنيل حق تنظيمها، والتغلب على منافسيها من دولٍ سبق لها احتضان هذا الحدث الكروي بنجاح في سنواتٍ سابقة.
فقد كشفت صحيفة «دَيلي ميرور» البريطانية عن صعوباتٍ جمة يواجهها الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» للعثور على شركاتٍ كبرى توافق على رعاية البطولة، التي يُفترض أن تُقام في الفترة بين 21 نوفمبر و18 ديسمبر 2022. وقالت في مقالٍ للصحفي المخضرم ريتشارد إدواردز، إن مكمن القلق الحقيقي بالنسبة لـ«الفيفا» يتمثل في أنه من العسير، العثور على رعاةٍ لمونديال 2022 في قطر، وذلك على غرار الصعوبات التي تواجهه، على صعيد إيجاد شركات راعية للمونديال القادم المقرر في روسيا في 2018.
وشددت الصحيفة على أن مونديال 2022 كان ملوثاً بالفساد منذ أن اتُخِذَ قرار (إسناد استضافته إلى النظام القطري) في ديسمبر 2010. وأشار الكاتب إلى الملابسات المشبوهة التي شابت التصويت الذي جرى حينذاك في اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا»، وأسفر بعد أربع جولات اقتراع عن الإعلان عن حصول الدوحة على غالبية الأصوات، على حساب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا. وعلى مدار الشهور الماضية، كُشِف النقاب عن أدلة دامغة تثبت شراء المسؤولين عن الملف القطري أصوات العديد من أعضاء اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا»، بهدف ضمان نيل النصاب اللازم لتنظيم الحدث الكروي الأبرز على مستوى العالم. ففي إطار محاكمةٍ أُجريت في نيويورك لثلاثة من كبار المسؤولين عن اتحادات كرة القدم في أميركا الجنوبية، أدلى العديد من شهود الإثبات بإفاداتٍ فضحت تقديم النظام القطري رشاوى بملايين الدولارات، لعددٍ من أعضاء «تنفيذية» الاتحاد الدولي، والمسؤولين المؤثرين على الساحة الكروية الدولية، من أجل تغيير دفة التصويت في «الفيفا» لصالح الدوحة.
وحسب الشهود شملت قائمة «المسؤولين المستهدفين» خوليو جرندونا الرئيس السابق للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم والنائب السابق لرئيس الاتحاد الدولي للعبة، بجانب نيكولاس لويز الرئيس السابق لاتحاد أميركا الجنوبية للكرة وهو من باراجواي، والبرازيلي ريكاردو تيشيرا الذي استقال من اللجنة التنفيذية لـ»الفيفا» في مارس 2012. وتضمنت خطة النظام القطري، التي وُصِفتْ بـ«واسعة النطاق» في هذا الصدد، تقديم رشوة لـ»جرندونا» تراوحت التقديرات بشأنها من مليون إلى مليون ونصف المليون دولار، فضلاً عن رصد رشاوى تصل قيمتها إلى 15 مليوناً أخرى، عُرِضت على ستة آخرين من مسؤولي كرة القدم اللاتينيين، خلال جلسة عُقدت في مدريد عام 2010، وضمت كذلك شخصيةً قطريةً قُدِمت على أنها ممثلٌ لشبكة تليفزيونية في هذا البلد.
وبجانب فضائح الفساد التي تزكم الأنوف، قال المقال الذي نشرته «دَيلي ميرور» إن المخاوف المُثارة بشأن «حقوق العمال (الأجانب) الذين يشيدون الملاعب الرياضية (التي يُنتظر أن تستضيف مباريات كأس العالم) في قطر، بجانب الظروف (التي يعملون فيها) أُضيفت إلى قائمة المشكلات المحتملة التي تواجه «الفيفا» على صعيد ملف إقامة مونديال 2022 المُلاحق بالأزمات.
وكشف الكاتب عن أن شركاتٍ كبرى قررت العزوف عن المشاركة في أنشطة رعاية أي أحداثٍ رياضية تابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم، منذ قراره في أواخر عام 2010 إسناد بطولتيْ كأس العالم 2018 و2022 إلى روسيا وقطر على الترتيب، على نحوٍ مثير للجدل ومشوبٍ بشبهات الفساد كذلك. ومن بين هذه الشركات بحسب المقال، «جونسون آند جونسون»، وهي شركة متعددة الجنسيات تتخصص في السلع الاستهلاكية والأدوية والأجهزة الطبية، وكذلك شركة «كاسترول» البريطانية المتخصصة في صناعة الزيوت والوقود.
وربط إدواردز بين مقاطعة الرعاة البارزين لبطولات «الفيفا»، والفساد المستشري في أروقة الاتحاد، والذي تجسد في قراراتٍ مثل منح دولة مثل قطر بلا تاريخ كروي، حق تنظيم أبرز البطولات الكروية على الساحة الدولية. وقال في هذا السياق إن الاتحاد الدولي يبذل جهوداً مضنية «لاستعادة سمعته بعد الفضائح التي (صارت) رمزاً لعهد سيب بلاتر» رئيسه السابق الذي اتُخِذَ خلال عهده قرار السماح للنظام القطري باستضافة مونديال 2022.
وللدلالة على الصعوبات التي تواجه مسؤولي «الفيفا» في هذا الشأن، أشار الكاتب إلى أن الاتحاد الدولي لم يُؤمْن حتى الآن سوى ثلث الرعاة المطلوبين للمونديال الروسي، رغم أنه لم يتبق سوى ستة أشهر على انطلاق مباراته الافتتاحية في 14 يونيو المقبل، وذلك بشكلٍ يغاير على نحوٍ بعيد ما كان يحدث في السنوات السابقة، عندما كان (الرعاة) يحجزون أماكنهم قبل نحو عامين» أو عامٍ ونصف العام من موعد البطولة. ونقل عن روب ويلسون خبير شؤون تمويل أنشطة كرة القدم في جامعة «شافيلد هالام» البريطانية قوله إن فضائح «الفساد في الفيفا والعناوين الرئيسية السلبية (المرتبطة بذلك في وسائل الإعلام) تعني أن الرعاة الكبار هؤلاء قد انسحبوا، ولا يبدو أنهم (في الاتحاد الدولي لكرة القدم) يُحِلون شركاتٍ أخرى ذات حجمٍ مشابه محلهم».
ومضى ويلسون قائلاً إن «الفيفا» انتظر طويلاً من أجل الحصول على عروض رعاية من جانب التكتلات الاقتصادية والتجارية الكبيرة في العالم، ولكنه لم يجد في نهاية المطاف سوى «عددٍ متزايد من الشركات الروسية - التي تقوم بأنشطتها محلياً - والتي تقدمت للحصول على عقود رعاية المونديال المقبل. وأشار الخبير المتخصص في شؤون تمويل كرة القدم إلى أنه على الرغم من أن عقود رعاية بطولات كأس العالم، كانت عادةً ما تجلب لـ«الفيفا» نحو أربعة مليارات دولار، فإن قيمة العقود المتوافرة في هذا الشأن الآن أمام الاتحاد الدولي بشأن البطولة القادمة بعيدةٌ بشكلٍ كبير عن هذا الرقم. ونقل المقال عن ويلسون تأكيده على أن هناك «نفوراً حقيقياً» من جانب بعض الشركات الكبرى للارتباط بـ«الفيفا»، نظراً لوجود مشكلةٍ هائلة تتعلق بسمعته في الوقت الحاضر. ولفت في إشارة ضمنية إلى أن تحقيق الأرباح بات أكثر ما يهم المسؤولين عن الجهة المُنظمة للأنشطة الكروية في العالم في الوقت الراهن، الانتباه إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم حقق أرباحاً تُقدر بملياريْ دولار تقريباً من آخر بطولة كأس عالم نُظمت في البرازيل عام 2014، وهو «رقمٌ عزز من مكانته بشكلٍ أكبر، كأحد أغنى الجهات المُهيمنة على الرياضة العالمية».
لكن الكاتب البريطاني استبعد ضمنياً أن يحقق الاتحاد الدولي للكرة نجاحاً اقتصادياً مماثلاً في بطولاته المقبلة. وأشار في هذا السياق إلى أن حصول «الفيفا» على عائداتٍ كبيرة من مونديال روسيا المقرر العام الجاري، على غرار ما حدث في كأس العالم الأخيرة في البرازيل، يبدو بعيد المنال نسبياً.
ويضاعف من مخاوف مسؤولي «الفيفا» بشأن عقود الرعاية الخاصة بمونديال قطر، الجدل الدائر حول السماح لمشجعي بعض المنتخبات الغربية باحتساء الخمور خلال مؤازرتهم لفرقهم من المدرجات، على الرغم من التعهدات التي قطعها المسؤولون القطريون على أنفسهم في هذا الصدد مؤخراً، من دون اكتراثٍ بالطابع المحافظ للمجتمعات الخليجية.