تقارير

الغارة على «جمرايا»... بين الصمت والادعاء!

مريم كرومي وأوليفر هولمز
بيروت

شنت طائرات إسرائيلية في وقت مبكر من يوم الأربعاء الماضي غارة جوية على موكب بالقرب من الحدود السورية مع لبنان، وذلك حسب ما أفادت به مصادر لوكالة أنباء «رويترز»، مستهدفة على ما يبدو أسلحة كانت متوجهة إلى «حزب الله»، فيما اعتبره البعض تحذيراً لدمشق من مغبة تسليح عناصر لبنانية معادية للدولة العبرية. وكان التلفزيون السوري قد اتهم إسرائيل بقصف مركز للأبحاث العسكرية بمنطقة جمرايا الواقعة بين العاصمة دمشق والحدود اللبنانية غير البعيدة. لكن الثوار السوريين شككوا في الرواية الرسمية، قائلين إن قواتهم هي من هاجم الموقع العسكري، هذا في الوقت الذي لم يتحدث فيه أحد عن غارة إسرائيلية ثانية. وفي التفاصيل التي لم يتسنَ التأكد من صحتها، قال دبلوماسي غربي «إن الهدف كان شاحنات محملة بالأسلحة تتجه من سوريا إلى لبنان»، ويتوقع أن تكون محملة بصواريخ مضادة للطائرات، أو قذائف بعيدة المدى، في حين نفت المصادر وجود أسلحة كيماوية سبق لإسرائيل أن عبرت عن خشيتها منها. كما أكدت مصادر دبلوماسية لـ»رويترز» أن الأسلحة الكيماوية التي تثير مخاوف الدول المجاورة مخزنة في منطقة جمرايا، وأن الشاحنة التي تعرضت للقصف كانت بالقرب من المركز العسكري الكبير، من دون أن يعني ذلك أن الشاحنات نفسها كانت تحمل أسلحة فتاكة عدا تلك التقليدية التي يملكها الجيش السوري.
وجاءت الغارة الإسرائيلية عقب تحذيرات من الدولة العبرية بأنها مستعدة للتحرك لمنع الثورة ضد حكم الأسد من أن تفضي إلى انتقال الأسلحة الكيماوية التي بحوزة النظام إلى «حزب الله»، أو إلى أعدائها الإسلاميين في الداخل.
وكان مصدر من داخل الثورة السورية قد أكد أن ضربة جوية حدثت بالفعل فجر يوم الأربعاء مستهدفة موقعاً عسكرياً يقع في الممر الذي يؤدي إلى بيروت، قائلاً: «هاجمت الطائرات الإسرائيلية شاحنة تحمل أسلحة متطورة كانت متوجهة إلى حزب الله في لبنان».
وبحسب التلفزيون السوري، فقد لقي شخصان حتفهما في الغارة الليلية، واصفاً الهدف بأنه مركز للأبحاث العسكرية «أقيم لتعزيز المقاومة ورفع القدرة الدفاعية». ومع أن الجهات الرسمية السورية لم تشر إلى رد محتمل، لكنها أكدت أن التحركات الإجرامية للدولة العبرية لن تقلل من دعم سوريا للفلسطينيين وبقية الجماعات المنخرطة في مقاومة إسرائيل. لكن عدداً من مصادر الثوار، بمن فيهم قائد في دمشق، كذبوا رواية النظام، مشيرين إلى أن الهجوم الوحيد الذي تم كان عبارة عن إطلاق قذائف الهاون من قبل الثوار، وإن كان مصدر أمني في المنطقة قال بأن إسرائيل استهدفت في الواقع أسلحة تابعة لنظام الأسد كانت في طريقها إلى «حزب الله» اللبناني، موضحاً ذلك بقوله: «يمكن قراءة المشهد بأكمله على أنه تحذير من إسرائيل لسوريا وحزب الله بعد نقل الأسلحة الحساسة، فالأسد يعرف أن بقاءه مرهون بقدراته العسكرية، لذا لا يريد أن تقوم إسرائيل بتحييد تلك القدرات. والرسالة الأساسية أن نقل هذه القدرات إلى طرف آخر لا يستحق العناء بالنظر إلى التكلفة العالية لذلك».
وبسبب السرية التي تلف الغارة لم يتسنَ التحقق من جميع التفاصيل، لاسيما في ظل رفض المصادر الإفصاح عن هويتها، هذا فضلاً عن رفض إسرائيل و«حزب الله» التعليق على ما جرى، فيما أكد مصدر لبناني أن الغارة حدثت خارج الحدود اللبنانية، وإن كانت تقارير الجيش تفيد بتحليق كثيف للطائرات الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية.
ويبدو أن الضربة، أو سلسلة الضربات الإسرائيلية، تنسجم مع سياسة الدولة العبرية، من خلال تدابير سرية أو علنية لمنع وصول الأسلحة إلى «حزب الله»، دون أن يقود ذلك إلى تصعيد خطير للحرب الجارية في سوريا. لكن تحرك إسرائيل يشي أيضاً بمخاوف مسؤوليها من تآكل قبضة الأسد على الأسلحة وما قد يترتب على ذلك من تهديدات بالنسبة لإسرائيل. ورغم المخاوف التي عبّرت عنها إسرائيل خلال الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة بشأن الأسلحة الكيماوية التي يملكها نظام الأسد، إلا أنها منشغلة أكثر بالأسلحة التقليدية المتطورة القادرة على مواجهة توفقها الجوي وضرب دباباتها، لاسيما إذا وصلت تلك الأسلحة إلى «حزب الله». فهذا الأخير الذي سبق له الدخول في مواجهات شرسة مع إسرائيل عام 2006 يظل تهديداً ضاغطاً على إسرائيل أكثر من رعاته السوريين والإيرانيين.
وقد سبق للمسؤولين الإسرائيليين أن أبدوا خوفهم من فقدان الأسد السيطرة على ترسانته من الأسلحة الكيماوية، بما فيها تلك المتواجدة بالقرب من دمشق، ووقوعها في أيدي الثوار الذين لا يكنون وداً لإسرائيل. هذا في الوقت الذي أكدت فيه مصادر أمنية، أوروبية وأميركية، أن الموكب المستهدف في سوريا كان خالياً من الأسلحة الكيماوية.
ورغم أن القصف الإسرائيلي للموقع السوري، يوم الأربعاء الماضي، قد يبدو فرصةً استغلتها الدولة العبرية بسرعة، إلا أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في الآونة الأخيرة كانت تهدف إلى تقليل عنصر المفاجأة وربما تهيىء العواصم الغربية خصوصاً لمثل هذا الإجراء. فقد صرّح قائد القوات الجوية الإسرائيلية ساعات قبل القصف، أن قواته التي تضم مجموعة من أحدث المقاتلات والمروحيات المهاجمة والطائرات دون طيار، منخرطة في «حملة سرية من الاستهداف تتخلل الحروب». وكان الجنرال «أمير إيشيل» قد قال في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء المنصرم إن «الحملة تمتد على مدار سبعة أيام في الأسبوع على مدار السنة. نحن نقوم بكل ما يلزم لتقليص الخطر ولخلق ظروف مواتية لكسب الحروب عندما تحدث». وفيما يخص وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تعمل تحت الرقابة العسكرية، فقد سارعت المحطات التلفزيونية منها إلى بث التقارير الدولية التي تحدثت عن الغارة، ونقلت القناة الثانية عما اعتبرته مصادر أجنبية قولها بأن الموكب المستهدف كان يحمل صواريخ مضادة للطائرات، هذا ولم يصدر أي تعليق عن الحادث من طهران التي ترى فيها إسرائيل عدوها اللدود في المنطقة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يستعد لبدء ولاية ثانية بعد تشكيل الحكومة، قد صرّح أمام وزرائه أن إيران والأحداث الجارية في الدول العربية تحتم على إسرائيل أن تظل قوية، قائلاً: «في الشرق والشمال والجنوب تضج المنطقة بالفوضى والقلاقل، لذا علينا الاستعداد والحفاظ على القوة والتصميم لمواجهة التطورات». وربما في هذا الإطار أعلن الجيش الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، أنه نشر بطاريتين من نظام «القبة الحديدية» المضاد للصواريخ بالقرب من مدينة حيفا بالشمال، والتي وصلتها صواريخ «حزب الله» في حرب 2006 القصيرة.
وليس مستغرباً من إسرائيل صمتها عن غارة الأربعاء الماضي، فهي لم تقر أبداً بغارة أخرى نفذتها طائراتها في عام 2007 على موقع سوري يشتبه في أنه مفاعل نووي. وبعدم الإعلان عن مسؤوليتها، تعفي إسرائيل نظام الأسد من الحاجة للرد، لاسيما وأنه على مدى الأربعين سنة التي حكمت فيها أسرة الأسد سوريا، لم يصدر منها ضد إسرائيل سوى خطاب عدائي دون أن يتطور إلى إجراءات على الأرض، لتظل الجبهة الشمالية هادئة طيلة الفترة السابقة. لذا يخشى المسؤولون الإسرائيليون من احتمال لجوء الأسد إلى تحرك ما بسبب فقدانه السيطرة على البلاد، هذا بالإضافة إلى مخاوف أخرى من بعض الثوار الإسلاميين الذين يقاتلون الأسد، وتتوجس منهم إسرائيل.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان سياينس مونيتور»