دنيا

نهاية الدجال

أحمد محمد (القاهرة) - خلع «زين» على نفسه لقب الدكتور، ولا يعرف إن كان يقصد به أنه طبيب أم أستاذ في الجامعة، لكن الغالب أنه يقصدهما معاً بلا تحديد، رغم أنه لم يحصل على أي مؤهل، ولم يسأله أحد عن ذلك ولم يذهب أي عقل أو فكر إلى الشك فيه، فلم يكن لذلك محل أو موضع لأن الأمور تسير غالباً على ما يرام، وأصبح زين معروفاً بالدكتور وكل من يعرفه يناديه ويتعامل معه بهذا اللقب، وقد لا يعرف كثيرون اسمه.
كان للدكتور زين هدف من وراء ذلك، وهو إقناع من يتعامل معه بأنه خبير في تخصصه في علاج السحر واستخراج الجن وإعادة الغائبين، وتزويج العاشقين الذين يواجهون مشاكل من أي نوع، ولديه أدوية للأمراض المستعصية التي يحار فيها كبار الأطباء ويقفون أمامها عاجزين، والمضطر يركب الصعاب، لذا وجد كثيرين يهرعون إليه يطلبون العلاج أو المساعدة، ولا شك أن ألاعيبه كانت متقنة فاستطاع أن يقنع الجميع بقدراته الخارقة وإمكاناته المتفردة ومهاراته البارعة، مع أنها أوهام وحيل معظمها قديم ومستهلك.
أول ضحايا الدكتور هن النساء، واستطاع أن يخدع عدداً كبيراً منهن بحجة الزواج، وارتبط بثلاث كن على ذمته في وقت واحد تزوجهن واحدة تلو الأخرى من دون أن يعلمن أنهن ضرائر، ولكن لم يستطع أن يواصل الخداع وانكشف أمره، بينما كانت الزوجات في موقف لا يحسدن عليه، فكل واحدة منهن أنجبت منه ثلاثة أولاد، فأين يذهب الصغار؟ وأين المفر؟ جمعهن الغيظ واتفقن على الوقوف في وجهه، الزواج في حد ذاته ليس تهمة ولا عيباً ولا يمكنهن أن يأتينه من هذا الجانب، ادعين أنهن راضيات به وبما قسم الله لهن فقط يردن الحياة معه من اجل الصغار.
لم يزد الرجل إلا طغياناً وجوراً عليهن وإهمالاً لهن ولأولاده، فلا يعرف كيف يعيشون ولا ماذا يأكلون، فكل واحدة تتحمل مسؤولية أبنائها، وجاء هو بعد ذلك ليزيد الطين بلة ويطالب كل واحدة منهن إن قبلت إذا تبقى على ذمته أن تتحمل مصروفاته يومين في الأسبوع، تظاهرن بالموافقة حتى يعرفن حقيقة الرجل الغامض الذي تزوجهن بالخداع، استغل جهلهن وظروفهن الصعبة، وهو يمني كل واحدة بحياة وردية، وهن لا يملكن إلا مسحة من جمال وقليل من أنوثة، بلا مال أو نسب، والنتيجة أن ظل الحائط أفضل ألف مرَّة من ظل هذا الرجل.
جاءت إحداهن الفرصة في بيتها عندما وجدت من يسأل عن زوجها ويريده في أمر مهم، وفهمت أن هناك خلافاً بينهما، فهذا يتهمه بالنصب عليه والاستيلاء على مبلغ كبير منه، وأنه قد أبلغ عنه لأنه يتهرب من السداد، فضربت له موعداً آخر يكون متواجداً فيه، وخططت مع ضرتيها على ترتيب إحضاره ونصب شرك له، وبالفعل كان عندها في المساء وحضر رجال الشرطة وألقوا القبض عليه، حينها لم تخف الزوجات الثلاث دورهن في الإيقاع به، أطلقن الزغاريد وتبادلن التهاني ابتهاجاً بالخلاص منه، وتمت فرحتهن بعد أن علمن أن زوجهن نصاب ورغم أن له ثلاث زوجات على ذمته، فإنه زير نساء ويجري وراء نزواته، فقد اتصل هاتفياً مرة بأحد معارفه وأخبره أنه في حاجة ماسة بشكل عاجل إلى مبلغ كبير من المال لأن بطاقة الائتمان المصرفية الخاصة به معطلة اليوم، وكل هذا لا أساس له من الصحة، وبكل حسن نية هرع الرجل إليه وقدم له المبلغ، لكن الدكتور أراد أن يثبت له جديته فقدم له شيكاً بالمبلغ، ومرت عدة أشهر من دون أن يسدد، فاضطر الرجل لمقاضاته، وصدر ضده حكم بالسجن ثلاث سنوات.
خلال فترة حبسه ما زال يحتفظ بلقبه، أطلق للحيته العنان، لا تدينا ولا التزاماً، وإنما كسلاً، فهو أصلاً لا يصلى، هذه اللحية مع اللقب جعلاه يلقى احتراماً ممن يتعاملون معه وهم في الأصل لا يعرفونه، يتعاملون مع الظاهر لهم من شخصيته، وكانت تلك حاله بعد خروجه من السجن، لم يجد مأوى ولا يستطيع أن يذهب إلى أي من نسائه، فلا مكان للمودة والرحمة بينه وبينهن وقد انكشف أمره في المدينة التي كان يقيم فيها معهن ولا يستطيع العودة إليها، وخاصة أنه مطلوب في ثماني قضايا أخرى بين نصب واحتيال وشيكات من دون رصيد، والجديد قضايا النفقة التي أقامتها الزوجات يطالبنه فيها بحقهن، لكن من أين له بالمال وهو خالي الوفاض؟، قرر أن يهرب من كل هذه الأماكن التي يمكن أن تجمعه بهن ولو صدفة أصبح مطارداً من الشرطة وبالأحكام القضائية ومن زوجاته وأبنائه وكل الذين يعرفونه، اهتزت صورته في عيون الجميع، فلا يذكر إلا واسمه مقرون بالمزيف النصاب.
قرر أن يهاجر إلى مكان لا يعرفه فيه أحد، بعيداً هناك في أطراف مدينة أخرى وفي منطقة يغلب عليها طابع البداوة، استأجر شقة رخيصة لأن إمكاناته معدومة، ولم يتخل عن لقبه، وعرفه الناس هنا أيضاً بأنه الدكتور وأشاع أنه يعالج السحر ويستخرج الجن من الأجساد ويعالج الأمراض المستعصية، ويزوج الشباب والعشاق والعوانس، وعنده أحجبة للمحبة وهداية الحموات، استغل هيئته، وطبع بطاقات بأنه المعالج الروحاني ووزعها على كل من يقابله وبها عنوانه وهاتفه المحمول.
لم يصدق هذه المرة أن يكون زبائنه بهذا العدد، فقد انهالوا عليه من كل حدب وصوب جماعات وفرادى، هاتفه لا يتوقف عن الرنين، الغالبية الساحقة منهن من النساء، ويأتي تشخيصه لكل حالة دائما بأنها إما بها مس من الجن أو أنها مسحورة وتحتاج إلى جلسات علاج انفرادية، وبالطبع يجد منهن انصياعاً لأوامره بلا نقاش حتى لو تخطى حدود الأدب فهو علاج لا يجوز الاعتراض عليه! وكيف تعترض والرجل في الستين من عمره ولا يخشى ضرره.
المفاجأة أنه عثر صباح اليوم على الدكتور زين مقتولاً، جثته ملقاة على أطراف المدينة من الناحية الأخرى وبها عدة طعنات نافذة في القلب والصدر والظهر وضربات على الرأس، في جيبه هاتفه المحمول ومبلغ قليل من المال، وفي معصمه ساعة يده وفي إبهامه خاتم من الفضة، تلك الأشياء وإن كانت تافهة وقليلة القيمة إلا أنها تدل على أن مقتل «الدكتور» لم يكن بهدف السرقة وإنما بهدف الانتقام.
في البداية تم التعرف على شخصيته من خلال بطاقته الشخصية والاستدلال على عنوان إقامته، لكن المفاجأة أن المعلومات أكدت أن الرجل يقيم وحيداً منذ جاء إلى هنا قبل خمس سنوات، ولا يعرف له أهل ولا أقارب، ولا يعمل في أي جهة حكومية وكل ما قاله الجيران لا يقدم ولا يؤخر ولا يفيد، رغم أن اسم الرجل معلوم وها هو محل إقامته إلا أنه ما زال مجهولاً، وتحول الأمر إلى لغز بحاجة إلى المزيد من المعلومات حتى يمكن حله أولاً، ثم البحث عمن وراء الجريمة، فيجب أن نعرف المقتول أولاً حتى يمكن أن نتوصل إلى الجاني.
بدأ رجال التحريات عملهم أولاً بتفتيش مسكنه، ولم يكن ما شاهدوه ساراً ولا يليق برجل في عمره و«مكانته»، فكل المحتويات عبارة عن ملابس نسائية وصور وأحجبة وكتب السحر وتحضير الجن وصرف العفاريت، والمكان غير منظم بالمرة، هو أقرب إلى صندوق المخلفات، وبخور ومواد غريبة، الملاحظ أيضاً أن جميع لمبات الإنارة الكهربائية كلها ملونة بالأحمر والأزرق، وبقايا شموع وشموع كثيرة لم تستعمل لم يتمكن احد من التوصل إلى غرضها.
كل هذا لا يقدم ولا يؤخر، لا بد من الرجوع إلى المعلومات الشخصية والجنائية لحل لغز شخصية «الدكتور» القتيل، وجاءت المعلومات غزيرة بزوجاته وأبنائه ومحل إقامته القديم وسجنه والقضايا الأخرى المطلوب فيها والأحكام الصادرة ضده ولم ينفذها لهروبه بعيداً عن محل إقامته الأصلي، كما تم التأكد من أن الرجل لم يتلق إلا القليل من التعليم ولم يحصل على أي شهادة وإن هذا اللقب مجرد غطاء لعمليات نصب واحتيال وقد يكون هذا وراء مقتله.
ألف صورة يحتفظ بها «زين» في مسكنه لأشخاص غير معروفين، كيف يمكن فحص ألف شخص معظمهم من النساء للتوصل إلى القاتل؟ وقد يؤدي مجرد كشف علاقة من تلك إلى خراب البيوت وكشف المستور، بدأ البحث عن الأشخاص الذين كانوا آخر من تعامل مع القتيل، كان منهم عامل بسيط رقم هاتفه مسجل لدى «الدكتور» هو المتصل الأخير به، جاؤوا به ليسألوه عن علاقته به فاعترف بلا سؤال أو تحقيق بأنه وراء الجريمة، قال إنه التقى بالدكتور صدفة وهو يعاني حالة اكتئاب واضحة على وجهه، فبادره «زين» بالحديث وأخبره أن لديه علاجاً لحالته، فمشكلته أنه كلما تقدم لخطبة فتاة، فإنها بعد فترة قصيرة تقوم بفسخ الخطبة من جانبها بلا سبب مما أصابه بحالة نفسية سيئة.
كان ذلك قبل ثلاثة أشهر ولم يحدث أي تقدم ولا علاج، لكن الملاحظ أن الرجل الوقور يتردد على بيت الشاب في غيبته، ومنذ يومين حاول أن يغازل أمه التي أبدت عدم رغبتها في حضور هذا الرجل مرة أخرى، وعندما علم الابن بالتفاصيل قرر الانتقام منه واستدرجه وانهال عليه طعناً، ولم يكن أبداً نادماً على ما فعل، فهذه ليست جريمة من وجهة نظره.
رفضت الزوجات الثلاث تسلم الجثة، ولم يقبل أحد أيضاً التقدم لدفنها، وبعد أسبوع من الوفاة وتم دفنه في مقابر الغرباء من دون أن يشيعه أحد.