دنيا

حائر بين امرأتين

نورا محمد (القاهرة) - رحم الله أخي الأكبر، فقد توفي بعد معاناة مع المرض، وترك في نفوس الجميع حزناً دفيناً، فنحن أسرة مترابطة متحابة، لها طقوس لم يكن لها وجود في هذا الزمن، فرغم انشغالاتنا وتزايد أعدادنا، فإننا لا بد أن نتناول كل الوجبات معا بشكل جماعي، ما زال الرجال عندنا قوامين على النساء، واحترام الكبار ورحمة الصغار، والالتزام بالعادات والتقاليد التي يرى الناس اليوم أنها بائدة.
ترك أخي أربعة أطفال أكبرهم عمره ستة أعوام وأصغرهم رضيع عمره بضعة أشهر، كلما نظرنا إليهم تجددت أحزاننا وتضاعفت، مع أننا نبذل قصارى جهدنا لرعايتهم والاهتمام بهم، لكن الجديد في الأمر أن وضع زوجة أخي لم يعد مقبولاً أن تظل تعيش بيننا ونحن نقيم في بيت واحد، لم يكن هناك اختيارات إلا واحداً من اثنين، الأول أن ترحل عائدة إلى بيت أبيها، ولكن لصغر سن أبنائها، فإنها ستصطحبهم معها، وهذا غير مقبول بالمرة لأننا نرفض أن يتربى أولادنا في بيوت عائلة أخرى، خاصة وأننا لا تربطنا صلة قربى، وقد لقيَّ هذا الاختيار رفضاً بالإجماع، أما الخيار الثاني، فكان ما طرحه أبي وقدم له بمقدمة طويلة استفاض في الشرح والتوضيح حتى يحاول تهيئة الجميع، وخاصة أنا لقبوله، كان الاقتراح الذي يرتدي ثوب القرار أن أتزوج أرملة أخي من أجل الصغار حتى يشبوا في بيتنا وأمام أعيننا وتظل المرأة بيننا بهذه العلاقة الزوجية المشروعة تفاديا للقيل والقال، وهذا الاختيار أيضاً لقي رفضاً من الجميع، خاصة أمي وأخواتي.
لم نصل إلى قرار بسبب المفاجأة التي شوشت التفكير ووضعت الجميع أمام حسابات كثيرة متشابكة ومتداخلة، لكن الأمر يخصني بشكل مباشر أكثر من غيري، فأنا لا أتصور ولا أتخيل أن أحل مكان أخي وأن أتزوج زوجته، خاصة وأنا أتعامل معها مثل أخواتي وأكن لها كل الاحترام، ولا يمكن أن أفكر فيها كزوجة أو امرأة، وفي نفس الوقت، فإن عمري الآن لم يتعد السادسة والعشرين، وبالفعل كنت قد بدأت افكر في الزواج، لكن من فتاة أحلامي وفي الحقيقة لم تكن فتاة معينة، ولكن المواصفات محددة في رأسي، غير أن الأمر هنا مختلف وهذه الزيجة المطروحة لم تكن طبيعية، وإنما تأتي في ظروف مغايرة تماماً، والهدف من ورائها بوضوح هو رعاية الصغار، وببساطة هي تضحية ولا وصف آخر يمكن أن ينطبق عليها، وإذا كان الأمر كذلك، فإنني مستعد للتضحية بأي شكل وإلى أقصى مدى، وبعد نقاش طويل مع نفسي وبعد أن قلبت الأمر على كل جوانبه وافقت على تلك الزيجة.
وبنفس المنطق تخلى الجميع عن تحفظاتهم وتقبلوا، بل رحبوا بالاقتراح بعد أن رأوا فيه وجاهة وليس من أجل الزواج، وهو يركز أساساً على رعاية الصغار والحرص على مستقبلهم، وبعد عام ونصف العام تقريباً تقرر عقد القران، يومها لم تكن أي فرحة أو سعادة وتجددت الأحزان على أخي، لا مظاهر للاحتفال إلا الإشهار، حتى الليلة الأولى قضيتها في غرفتي القديمة، كانت هناك بالطبع حواجز نفسية من جانبي ومن جانب زوجتي لم ترفع بسهولة، وبدأت علاقتنا بالحديث عن الرضا بالقضاء والقدر وأمر الله، والنظر إلى المستقبل وأن يكون الأطفال هم هدفنا الوحيد.
احتضنت الصغار وتفانيت في الاهتمام بهم أكثر من أبيهم، ورزقت من زوجتي بعد ذلك بأربعة أطفال آخرين تباعاً، وانصهر الأخوة الثمانية، فتلك أمهم وأنا أب للجميع، ولم يكن هناك تمييز بينهم لأنهم جميعاً يحملون لقب العائلة، من لم يعاصر ظروفنا لا يعرف أن هؤلاء أبناء أخي وأولئك أبنائي، فلم تكن هناك فروق من أي نوع، فالمأكل والمشرب والملبس لهم جميعاً بالتساوي، خاصة وأن أبي قرر تقسيم ممتلكاته في حياته طبقاً لتقسيم الميراث، وذلك على خلاف عادتنا، ولكنه لجأ إلى ذلك من أجل أن يحدد الأنصبة، وحتى لا تكون هناك خلافات بين الورثة فيما بعد، وأيضاً لأنه أراد أن يحدد نصيب أبناء أخي، وبالفعل تم ذلك، ولكن تم دمج نصيبي ونصيبهم ونعيش منه كله، بجانب وظيفتي، وإن كان الاعتماد أصلاً على دخلي من عملي لأن ما آل إلينا من التركة محدود ولا يكفي أسرتي المكونة من عشرة أفراد.
رغم هذا العدد من الأطفال بيني وبين زوجتي وعشرة امتدت إلى ما يقرب من ثماني سنوات، فإن علاقاتنا ما زالت جافة، نتعامل من خلال أقنعة على وجوهنا، لا مثل كل زوجين، فهي قبلت تلك الزيجة حتى لا تخسر أبناءها وكي لا تبتعد عنهم، وأنا من جانبي كان لنفس السبب، لكن العشرة لم تخلق أي نوع من المشاعر ولا حتى الألفة بيننا، فكانت حياة روتينية رتيبة لا تخلو من الملل، ولم يكن الهدف الذي ضحينا من أجله كافياً لأن نكون مثل أي زوجين، في الحقيقة أنني لم أتزوج وإنما أؤدي مهمة صعبة عنوانها التضحية فقط، ومع ذلك فإنني لست نادماً على ما قدمت، ولكن بطبيعتي البشرية من حقي أن أعيش مع زوجة ويكون بيننا تفاهم ومودة ورحمة، وإلى الآن لم أتخط الخامسة والثلاثين من عمري.
ما لا يصدقه أحد، أنني طوال هذه السنين، لم أجلس في جلسة حوار ودي مع زوجتي نتحدث خلالها عن أنفسنا، ولم نخرج يوماً في نزهة ولا قضاء المصيف مثلاً ولا تصاحبني حتى عند شراء احتياجات الأبناء وتترك لي كل ذلك ولا تتدخل برأي ولا تعقب على فعل، لا تسألني عن أحوالي، وكذلك لا تسأل عن الأموال التي تأتيني أحياناً من عملي مثل المكافآت والحوافز وغيرها، لا تشارك بشيء من الرأي في أي قضية تخص حياتنا، هي أقرب إلى الإنسان الآلي، هي بالفعل زوجة آلية، تتلقى الأوامر وتجيب عليها بما لديها من إمكانات من غير تصرف أو تدخل أو تعليق، ولكن للإنصاف والعدل، فإنها تجمع كثيراً من الخصال الحسنة مثل الاحترام وانعدام المطالب والهدوء الشديد، وإن كان ذلك مما يحبه الرجال وهي مميزات في حد ذاتها، لكن لم تعوضني عن النقص الذي أشعر به وافتقده في شريكة حياتي التي جاء اختيارها فجائياً.
من الطبيعي أن أنظر إلى من حولي من الأزواج والزوجات، وأعتقد أن من حقي أن أعيش مثلهم، فلم يكن في زوجتي شيء مما كنت أحلم وأتمنى، والعمر يجري ويتناقص ولا يعود، وراودتني نفسي في أن آخذ بحظي من الدنيا أو بالأحرى أحد أهم حقوقي، ولا مانع من أن أتزوج بأخرى، خاصة وان حساباتي تقول إن زوجتي بما أنها بلا أحاسيس، وهي كما قلت مثل الإنسان الآلي، فلن يكون لها أي رد فعل، ولن تناقش أو تعترض، فهي لا يعنيها أمري في شيء، وحياتنا روتينية رتيبة، ولا أعتقد أن لديها مانعاً أو سبباً واحداً يجعلها تناقش الموضوع أو تعترض، وفكرت ملياً بين رفض وقبول وشد وجذب مع نفسي من غير أن أعلن هذا على الملأ، وأفكر في مدى صحة ذلك، وهل يكون مناسباً وأنا أعول أسرة كبيرة؟ لم يكن سهلاً أن أصل إلى رأي سديد، فإن غلبّت العقل أجد أن ذلك سيؤثر على حياتنا بشكل أو بآخر، وإن غلبّت القلب أجده ضرورة ملحة قبل فوات الأوان.
في النهاية وجدت أن الزواج الثاني ليس مغامرة ولا عيباً ومن حقي أن ألحق بما تبقى من العمر، حتى وإن كنت سأواجه بعض المصاعب والمتاعب التي تكمن في رفض من حولي، لكن هذا شأني ويخص حياتي، ومن ناحية أخرى، فإن الزواج الثاني ليس منتشراً في منطقتنا، ويعتبرونه خروجاً على العادات، وليس من قبيل الحل والحرمة الشرعية، بل قد يصل بهم الأمر إلى تصنيفه على أنه عيب وفضيحة، ومع ذلك فهناك كثيرون تزوجوا أكثر من زوجة وبلا توابع.
عزمت وتوكلت على الله واخترت امرأة تقاربني في العمر، سيدة مطلقة تصغرني بعامين، نموذج في الخلق والالتزام، زميلتي في العمل وأعرفها منذ سنوات، وأعرف عنها كل شيء، أما السبب الأساسي الذي جعلني اختارها بعد حسن أخلاقها، فهو أنها تم طلاقها لأنها لا تنجب، أي لا ذنب لها في هذا، وأنا لديّ ثمانية أبناء ولا أرغب في المزيد من الأطفال، وعندما فاتحتها في رغبتي بالارتباط بها وافقت بعد نقاش قصير وعدة استفسارات وهي تعرف عني كل التفاصيل بحكم الزمالة.
أعلنت الخطبة رسمياً من دون أن أخبر زوجتي، وقد أكون مخطئاً في ذلك، لكن يشفع لي أنني أخرجتها من حساباتي بسبب ما بيننا من جفاف في كل شيء، ولم تكن هناك مظاهر للعرس وإن اختلف الأمر قليلاً، فقد أعددت للعروس غرفة خاصة بأثاث جديد في بيتنا الكبير، وكما تزوجت في المرة الأولى في صمت ها أنا أتزوج للمرة الثانية في صمت، إلا قليلاً من بعض الأهل والأصدقاء تجمعوا في جلسة عائلية وتناولوا الطعام وانصرفوا.
إلى هنا لم يكن لزوجتي أي اعتراض أو صوت، ولكن بعد أسبوع واحد من الزواج ظهر الوجه الآخر لها، بدت غيرتها واضحة رغم أنني لم أفرق بينهما في أي شيء، لكن مهما كان، فإن المرأة هي المرأة، تحرك لسانها من مكانه، ودخلت المشاكل بيتنا للمرة الأولى، ولم يكن لزوجتي الجديدة أي تدخل فيها وإن كانت هي السبب الخفي، وتريد الأولى الآن أن تشتت شمل الأسرة التي ضحيت بعمري وشبابي من أجلها، وتريد أن تقسمها إلى نصفين تذهب هي بأولادها من أخي وتترك أبناءنا لي، تطلب المستحيل الذي تعرف أنني لن أقبله، فقالتها صريحة إنه يجب أن أطلق زوجتي التي لا ذنب لها وشعرت معها بالحياة الزوجية والمودة والرحمة والمشاعر الإنسانية ومن المستحيل أن أفرط فيها، فهي التي أعادت إليَّ الروح وأعادتني إلى الحياة، ولا يمكن أن أعيش مرة أخرى مع الإنسان الآلي.