صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: كتمان السر فضيلة وإفشاؤه غدر وخسة

أحمد مراد (القاهرة)

شدّد علماء دين، على أهمية كتمان الأسرار وحفظها وعدم إفشائها، مؤكدين أن كل سر يؤدي إفشاؤه إلى ضرر أو مفسدة، يجب كتمانه من باب حرمة الإضرار بالنفس أو الآخرين أو إيذائهم، موضحين أنه إذا كان الحفاظ على السر واجباً، فإن إفشاء السر حرام لأنه يؤدي إلى ضرر، والضرر ممنوع شرعاً بنص القرآن الكريم والأحاديث النبوية. وأشار العلماء إلى أن إفشاء السر المضر منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، وهو من قبيل اللؤم إن لم يكن فيه إضرار، مؤكدين أن إفشاء السر خيانة للأمانة، ونقض للعهد، وإفساد للصداقة، فضلاً عن أنه دليل على لؤم الطبع وفساد المروءة وقلة الصبر وضيق الصدر، ويعقبه الندم والحسرة في نفس صاحبه.

أنواع كثيرة
أوضحت الدكتورة إلهام شاهين، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن السر هو ما يكتم في النفس، وإن إفشاء السر يكون بالكتابة والإشارة والكلام، ويحرم على كل مكلف إفشاء السر المضر، وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق الآخرين، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، وهو من قبيل اللؤم إن لم يكن فيه إضرار. وأشارت شاهين إلى أن للأسرار أنواعاً كثيرة، فمنها أسرار الأحياء ممن نعاشرهم ونطلع على أسرارهم أو يأتمنوننا عليها، ومنها أسرار العمل، وأسرار الدولة، وإذا كان للإنسان سر ثم مات، فإن السر يحرم إفشاؤه بعد موت صاحبه إذا كان فيه غضاضة على صاحبه، ويستحب ذكره إذا كان فيه تزكية أو منقبة أو فضيلة وعمل خير عن الميت لا يعرفه الناس، وخاصة إذا كان الناس يظنون فيه السوء.
وبينت شاهين، أنه قد يجوز إفشاء السر إذا كان في ذلك مصلحة، أو دفع ضرر، والدليل على ذلك ما ذكره القرآن الكريم من إفشاء يوسف عليه السلام بسر التي راودته عن نفسه، وسر النسوة اللاتي قطعن أيديهن. وإذا كان من أسرار العمل فيحرم إفشاؤه حتى وإن كان فيه مصلحة للمفشي لأنه خيانة للأمانة، وكذلك يحرم إفشاء أسرار الدولة حتى وإن تعرض المرء للأذى، ومن الأحاديث النبوية الواردة في ذم إفشاء السر ما رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا حدث الرجل بالحديث، ثم التفت فهي أمانة»، وقال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك، وقال سفيان الثوري: إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه، ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك، فإن قال خيراً وكتم سرك فاصحبه.
وشددت شاهين بأن من مضار إفشاء السر، خيانة للأمانة، ونقضاً للعهد، وإفساداً للصداقة، وفيه من التعرض للخطر، وهو من فضول الكلام الذي يعاب عليه صاحبه، كما أنه دليل على لؤم الطبع وفساد المروءة وقلة الصبر وضيق الصدر، ويعقبه الندم والحسرة في نفس صاحبه، أما عن عقوبة إفشاء السر فإنه يدخل صاحبه النار في الآخرة.

منع الضرر
أما الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً، فقال: «كل سر يؤدي إفشاؤه إلى ضرر، يجب كتمانه من باب حرمة الإضرار بالنفس أو الآخرين أو إيذائهم». وشدد الأطرش على أنه إذا كان الحفاظ على السر واجباً، فإن إفشاء السر حرام لأنه يؤدي إلى ضرر، والضرر ممنوع شرعاً، كما أن إفشاء السر يكون خيانة، حيث إن السر أمانة، وبالتالي يكون إفشاء السر غدراً بالعهد وعدم وفاء بالوعد، والله سبحانه وتعالى حرم الخيانة وحرم الغدر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، «سورة الأنفال: الآية 27»، وعن أنس رضي الله عنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». وأضاف الأطرش: «من يتأمل في الأضرار التي تقع بسبب إفشاء الأسرار والإِعلان عنها، يعلم حرمة هذا الأمر، فكم من زوجة طلقت، وكم من حبيب أصبح عدواً، وكم من خسائر وقعت بسبب إفشاء الأسرار وعدم المحافظة عليها».
وأشار الأطرش إلى أنه إذا كان إفشاء أسرار الأفراد مذموماً، فإفشاء أسرار الدولة أشد ذماً، وأعظم جرماً، ويترتب عليه العديد من المفاسد والأضرار التي تزعزع أمن البلد واستقرارها، وتمكن أعداءها منها، مشيراً في الوقت نفسه إلى نوع آخر من إفشاء الأسرار، وفيه يقوم الفرد بإفشاء وإعلان الذنوب التي يرتكبها، وهو أمر مذموم وخطير ومحرم شرع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه».

أمانة واجبة الحفظ
تقول الباحثة الإسلامية، الدكتورة خديجة النبراوي، إن الأسرار من الأمانة التي يجب حفظها وعدم إفشائها، فالأصل أن من استودعك سراً أو اطلعت عليه وجب عليك حفظه، وقد ذكر الله تعالى من يحفظ الأمانة في سياق المدح والإشادة، فقال جل شأنه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 8»، مشيرة إلى أن إفشاء الأسرار من صفات المنافقين الذين يخونون الأمانة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وأضافت: «كما علينا حفظ سر الحي ويحرم البوح به، يجب ذلك على الميت أيضاً، فالمسلم حرمته ميتاً كحرمته حياً، فمن حين خروج الروح تحفظ أسرار الميت التي تسوء، سواء عند الاحتضار أو عند التغسيل أو الدفن أو الرؤيا السيئة التي ترى له بعد وفاته، وكذلك ما كان يسوؤه ذكره في حياته».