دنيا

تشجيع الطفل على احترام الطرف الآخر يخفف عنه تبعات الطلاق النفسية والاجتماعية

حماية الطفل من آثار الانفصال واجب على الوالدين المطلقين (إي بي أيه)

حماية الطفل من آثار الانفصال واجب على الوالدين المطلقين (إي بي أيه)

صحيح ألا أحد من الوالدين يتشاور مع الأبناء عند الرغبة في الطلاق، لكن لسان حال الواقع يقول، إن الأطفال هم أكثر أفراد الأسرة تضرراً منه. ولذلك تميل مختلف القوانين والتشريعات إلى التشدد في الطلاق وجعله آخر علاج يمكن لزوجين اللجوء إليه. وإذا لم يجد الزوجان بدا من حل غير كي بعضهما وأبنائهما بالطلاق، فإن المفترض منهما، حسب خبراء أسريين من عيادات “مايوكلينيك” الأميركية، أن يبذلا ما في وسعهما لجعل وقْع هذا الكي أهون وأخف على من لا ناقة لهم ولا جمل في قرار الطلاق.

الطلاق حل مرير وصفقة بين زوجين يدفع ثمنها غالياً الأبناء والأسرة ومن ثم المجتمع. وهو إن كان قراراً يتخذه الزوجان عن وعي وإدراك، فإن الأبناء يضطرون إلى تجرع هذا القرار بمراراته، والتعايش مع وضع جديد يجعل الدنيا تبدو لهم وكأنها انقلبت رأساً على عقب. لكن علماء النفس والاجتماع ينصحون الآباء الذين لا يجدون بُداً من الطلاق بأن يبذلوا قصارى جهدهم من أجل جعل فراقهما أخف على الأبناء، وذلك عبر الاتفاق المتبادل بنضج ومسؤولية، ودون أن يتسبب خلاف كل والدين مقبلين على الطلاق إلى الإجهاز على علاقة الأبناء بالأم والأب معاً.
نقل الخبر
يفضل علماء الاجتماع أن يبلغ الأبوان الابن أو الأبناء بخبر قرارهما الانفصال معاً، مع الحرص على التحلي بالصدق والبساطة، والقفز على كافة التفاصيل القبيحة والأشياء التي يصعب على الطفل فهمها. ويعترف علماء الاجتماع بصعوبة الأمر، لكنهم ينصحون مع ذلك بالتحلي بالشجاعة لتعريف الأبناء به، وذلك بأن يقول الأب أو الأم بحضور بعضهما “لقد حصلت بيننا مشاكل صعب علينا حلها رغم ما بذلناه من جهود، ولذلك فكرنا أنه يفضل لكل واحد منا أن يعيش منفصلاً عن الآخر”.
وينبغي للوالدين التأكد من أن يفهم الطفل أن اتخاذ قرار الطلاق هو مسألة تخص الراشدين فقط، دون الأطفال والقصر. كما يجب على الأب أو الأم إبلاغ الطفل مراراً وتكراراً في البداية أنه ليس له أي دخل في الانفصال لا من قريب ولا من بعيد، وأن حبهما له لم ولن ينقص منه شيء. ويُنصح الأبوان كذلك بإخبار المدرس أو المدرسة بالخبر، بالإضافة إلى المرشد التربوي أو الاجتماعي بالمدرسة، وذلك حتى يتسنى لهم متابعة مدى تغير سلوكات الطفل بعد الطلاق، والتعهد بإبلاغ الوالدين أولاً بأول عن كل ما قد يضر بصحته النفسية ونمو شخصيته وتحصيله الأكاديمي، خصوصاً في المرحلة الأولى بعد الطلاق.
ردود متضاربة
قد يُبدي الطفل مبدئياً اهتماماً أكبر بالأشياء الملموسة. فيسأل أسئلة من قبيل “مع من سأسكن؟ هل سأحتاج إلى تغيير المدرسة التي أرتادها؟ من سيرافقني للتدريب على السباحة؟” ولذلك ينصح استشاريو الأسرة الوالدين بأن يحرصا خلال مباشرة إجراءات الطلاق على الحفاظ على مكتسبات الطفل قدر الإمكان، أو التفكير في وضع برنامج بديل له شرط أن يتم ذلك بسرعة وبما يضمن سهولة تكيف الطفل معه. ويجب العلم طبعاً أن قدرة الأبوين على تصور سيناريو حياة الابن بعد الانفصال على نحو أوضح من شأنه مساعدتهما على جعل الطفل يشعر بأمان أكثر.
ويجمع استشاريو الأسرة على كون إخفاء أمر الطلاق عن الأبناء هو خطأ فادح لا يجدُر ارتكابه مهما كانت الظروف. كما ينبهون إلى أن الادعاء بأن إخفاء الأمر عن الطفل تم بدعوى أنه لن يستوعب الأمر هو مبرر باطل وحجة واهية. فواقع الطلاق سرعان ما يفرض نفسه على الأبناء، وقد يبدأ الطفل الصغير في الاستجابة للتوتر الذي يستشعره نتيجة الوضع الجديد بإصدار سلوكات انتكاسية، كأن يعود إلى مص اللهاية أو أصبعه، أو نتف أظافر يده، أو حتى التبول اللاإرادي في الفراش. كما قد تظهر عليه أعراض الإصابة بالقلق أو تأتيه نوبات غضب مباغتة، وأحياناً غير مبررة. ولذلك ينصح التربويون الوالدين بمساعدة الطفل على التعبير عن مشاعره والإفصاح عنها بالكلام، وتعويده منذ نعومة أظافره على عدم كتمانها مهما كانت الظروف.
وفيما يخص الطفل الأكبر سناً أو اليافع، فقد تصدر منه ردود فعل متضاربة نتيجة الوضع الجديد. وقد تكون مزيجاً من الغضب والقلق والأسى، أو حتى الشعور بالارتياح أو التحرر! وفي حال تحول غضب الطفل إلى ذاته واتجه إلى دواخله، فإنه قد يصاب بالاكتئاب، أو يميل إلى العزلة والانطواء. ويمكن أن تكون للغضب آثار عكسية أيضاً، فيدفع الطفل إلى الإفراط في التعبير عن سخطه واستيائه، وربما يُصدر سلوكات سلبية تعبيراً عن نقمته عن الوضع الجديد. ولذلك فإنه كلما تربى الطفل على مشاطرة أحد أبويه، أو كليهما أو أي أشخاص آخرين مشاعره، أقدر على تجاوز المراحل الحرجة التي تلي انفصال الوالدين عن بعضهما.
خارج العراك
إن أسوأ شيء يمكن للوالدين القيام به هو التشاجر والعراك على مرأى من طفلهما أو أطفالهما. فمن حقوق الابن على أبويه احترام حقه في الحفاظ على علاقته بأبيه وبأمه. ويصبح هذا الحق أكثر إلحاحاً وحساسية بالنسبة للأبوين المقبلين على الطلاق، أو المطلقين حديثاً. فإذا رغب الوالدان في أن يواصل الطفل نموه الشخصي والنفسي بعد طلاقهما، فعليهما الحرص على ما يلي:
? عدم تحدث كل من الأب والأم عن بعضهما بشكل سيئ بحضور الطفل
? عدم تبادل الاتهامات واللوم أمام الطفل
? عدم إجبار الطفل على الانحياز لأحد الطرفين، الأب أو الأم، وعدم ابتزازه عاطفياً من أجل إكراهه على التحيز
? عدم استخدام الوالدين الطفل رسولاً أو ساعي بريد بينهما
? عدم مناقشة مواضيع ذات صلة بدعم الطفل وتلبية حاجاته أمامه
? عدم شحن الطفل ضد أبيه أو أمه بأفكار سلبية أو هدامة
? تجنب استغلال الطفل رهينة أو سلاحاً لتعذيب الطرف الآخر، أو أداة للانتقام منه.
الحفاظ على القواعد
قد يميل أحد الوالدين إلى التخلي المؤقت عن واجباتهما التربوية حيال الطفل بسبب الانشغال بهموم ترتيب الطلاق أو مواجهة صدمته. لكن هذا الأمر له آثار سلبية على الطفل، وقد يجعله يشعر بانعدام الأمان أو فقدان البوصلة. فالأطفال يميلون بطبعهم إلى العادة والروتين والانتظام والنظم الثابتة، حتى وإن أبدوا عكس ذلك، وحتى مع إصرارهم على جس نبض الآباء باستمرار لاختبار مدى تقلبهم لكسرهم الحدود والقيود. وإذا كان الطفل يقضي وقته موزعاً بين بيتين، بيت الأب المطلق، وبيت الأم المطلقة، فمن الأهمية بمكان الاتفاق على الحفاظ على قواعد تربوية مماثلة حتى تنمو شخصية الطفل على نحو سليم، وحتى لا يتحول إلى حقل تجارب يحاول كل طرف تنفيذ مقاربته التربوية التي يعتقد أنها الأصوب في كائن بريء، هو الابن أو البنت.
قد يشعر الوالدان، وخصوصاً الأم، بعد الطلاق بالانكسار وعمق جرح الفراق، فتبحث الأم عن المواساة في الطفل، أو تحاول استعادة بوصلتها من خلاله. لكن هذا لا يؤدي إلى نتائج إيجابية في معظم الحالات، فهذا ليس دور الأبناء في نهاية المطاف. وتُنصح الأم التي تشعر بصعوبة بالغة في مواصلة حياتها بشكل طبيعي ومتابعة أداء دورها كأم بأن تستعين باستشارية أسرية من أجل مساعدتها على تجاوز هذه الفترة الحرجة، وحتى تساعد ابنها أو ابنتها على تجاوزها أيضاً والتعايش مع الوضع الجديد. ويمكن للأم أيضاً أن تستشير صديقاتها ممن ممرن بتجارب مماثلة من أجل استلهام السبل الأفضل لتجاوز أزمة الفراق. وفي حال اختلف الأب والأم بشأن التعامل مع الطفل وتوزيع الأدوار التربوية فيما بينهما بعد الطلاق، فيُستحسن لهما الاستعانة باستشاري أسري، أو بوسيط محايد ممن يعرف الأب والأم، سواءً كان من عائلة الأب أو من عائلة الأم، أو من خارجهما، فالمهم هو أن يكون ثقة وشخصاً يُعتد برأيه وسداد حكمه. ويُنصح الوالدان المطلقان بتمكين الطفل من تلقي استشارة مهنية في حال ظهرت لديه مشاكل سلوكية أو أصيب بالكآبة، أو اضطرابات ما خلال السنة الأولى التالية للطلاق.
أولوية الأولويات
خلال فترة الطلاق، يكون التواصل أو تبادل الآراء آخر شيء قد يفكر فيه المطلق أو المطلقة، لكنه يبقى مهماً للطرفين، ليس من أجلهما، وإنما من أجل فلذة كبدهما. فالطفل يبقى محتاجاً إلى أبويه كليهما حتى بعد الطلاق. ولذلك يُفترض في كل واحد من الوالدين وضع حاجات الطفل ورغباته قبل الحاجات الشخصية الذاتية. ومن يرفض منهما ذلك يعد في الواقع أنانياً ولا يستحق لقب الأب أو الأم عن جدارة. وينصح خبراء أسريون من عيادات “مايوكلينيك” الأميركية بألا يتعامل الوالدان مع الطفل وكأنهما يؤديان الواجب لا أكثر، بل يبادلانه كل الحب والعطاء اللازمين لجعل شخصيته أقوى وأكثر مناعة. كما ينصحون بأن يُشجع الأب الطفل على حب أمه أكثر، وأن تشجع الأم الطفل على حب أبيه أكثر. فحصول الطفل على دعم الوالدين كليهما وعلى احترام كليهما هو أكثر شيء قد يخفف على الطفل وطأة التبعات النفسية والاجتماعية للطلاق.

هشام أحناش
عن موقع “mayoclinic.com”