الملحق الثقافي

لماذا لا يضحك اليابانيون؟

من عروض مسرح «راكوجو» الكوميدي (من المصدر)

من عروض مسرح «راكوجو» الكوميدي (من المصدر)

الانطباع السائد لدى جُل – إن لم يكن كل – زائري اليابان من الأجانب، هو جدية اليابانيين وعدم ميلهم للضحك أو المزاح، وأن ابتسامتهم المرسومة على وجوههم هي ابتسامة مصطنعة مفتعلة. ويظن الأغلبية أن اليابان لا يوجد بها فن الكوميديا، وإن وجد فهو فن حديث تقليداً للغرب وليس به ما يضحك على الأغلب.
يسألني كل الزائرين العرب لماذا لا يضحك الياباني ولا يتمازح أثناء لقاءاتهم معاً؟
فأجيبهم بأن اليابانيين مثل كل الشعوب وكل البشر يميلون للضحك والمزاح وإذا شاهدتم قنوات التلفاز اليابانية ستجدون أنها في الغالب برامج كوميديا بأنواعها، ناهيك عن أن النسبة الكبرى من المشاهدة هي لبرامج الترفيه الخفيفة المضحكة، وأن فناني الكوميديا هم أشهر الفنانين وأكثرهم دخلا على مستوى اليابان.
لكن اليابانيين يختلفون في أنهم لا يخلطون الجد بالهزل، ولا يطعّمون العمل بالمزاح والنكتة. وتصيبهم الدهشة عندما يجدون أحداً يهزل في العمل أو يخلط به المزاح، لذا هم يعتبرون تجهمهم وتكشيرة وجوههم أمام عملائهم وشركائهم في العمل أبلغ دليل على جدية عملهم وإخلاصهم في تقديم أفضل ما لديهم. من هنا، لا يلاحظ الزائرون الحس الكوميدي لليابانيين ولا حبهم للضحك والفكاهة. لأنهم يُظهرون ذلك بعيدا عن العمل وفي أوقات فراغهم التي ليس من بينها لقاءات العمل حتى لو كانت عشاء أو حفلا خاصا بالعمل مع أجانب.
والسبب الآخر هو اختلاف الحس الكوميدي بين اليابانيين وغيرهم. فمن النادر في اليابان وجود «النكتة» اللاذعة السريعة التي تفجر الضحك بين مستمعيها. ولذلك لا يتفاعل اليابانيون مع «النكتة» التي يقولها لهم الأجانب (وخاصة العرب) لوجود اختلاف كامل بين ثقافتهم وثقافة الآخرين. حتى كلمة «نكتة» أو مزحة غير موجودة بهذا المعنى في اللغة اليابانية بل تُستخدم كلمة «جوك» (joke) الإنجليزية في التعبير عن «النكتة»، أما الكلمة اليابانية «جودان» (joudan) فهي لا تستخدم في العادة إلا بمعنى سلبي. كما في قول «الأمر ليس مزحة»، أو «أرجوك لا تمزح» ... وهكذا.
واكا وهايكو وكابوكي
توجد في اليابان أنماط خاصة باليابانيين في الأدب والشعر مثل: الواكا (waka) والهايكو (haiku)، وفي المسرح في مثل الكابوكي (kabuki) والنو (noh)، كذلك توجد أنواع من الكوميديا خاصة باليابان ولا توجد إلا بها، وربما لا يتذوقها ويستمتع بها إلا اليابانيون. وسأتكلم هنا عن نوعين من أنواع الكوميديا اليابانية هما «المانزاي» (manzai)، ثم «الراكوجو» (rakugo).
المانزايفن المانزاي تاريخه أقدم من الراكوجو إذ يقال إن هذا النوع من الفنون بدأ منذ قديم الزمان، والأرجح أنه يعود إلى عصر هييان (794 م - 1192 م) وكان عبارة عن اثنين من الفنانين الذين يدورون على بيوت الناس للتهنئة بالعام الجديد، فيقوم أحدهما بقرع طبلة يابانية ويرقص الآخر على نغماتها. وتطور هذا الفن بعد ذلك خاصة في عصر إيْدو (1603 - 1868) ليحتوي العرض على حديث متبادل بين الاثنين.
وفي ثلاثينيات القرن الماضي اتخذ فن المانزاي الشكل الذي هو عليه الآن حيث يقف اثنان أمام الجمهور بملابس عصرية حديثة وبينهما ميكروفون ويتبادلان حديثاً مضحكاً، لكن تبقى لكل منهما وظيفة يختص بها كما كان الحال عليه في الماضي؛ أحدهما يقرع الطبل والآخر يرقص على النغمات. وفي الحوار الذي يدور بينهما يقوم كل منهما بدور مختلف عن الثاني. فأحدها ويسمى «بوكِه» (boke)، دوره أن يقول كل ما هو غريب وشاذ وغير متوقع ولا متخيل رداً على أسئلة زميله أو تعليقاً على ما يقول، بهدف انتزاع الضحكات من الجمهور. أما الآخر ويسمى «تسوكّومي» فيكون دوره إعادة زميله إلى جادة الصواب وتصحيح ما يقوله أو تنبيهه إلى الخطأ الذي يقوله بطريقة فكاهية لاذعة، بغية إظهار ما في قول زميله الـ «بوكه» من غرابة ولا معقولية ليزيد من جرعة الضحك عند الجمهور، ومن المفارقات والتباين بين الاثنين يأتي الضحك. ومن المعتاد أن يرفع الـ «تسوكّومي» يده على الـ «بوكه» ضارباً إياه على رأسه أو كتفه أو رأسه عندما يتخطى الـ «بوكه» الحد المعقول في قوله الغريب والشاذ، كأن يخرج عن النص أو يلفظ قولا قبيحاً أو يقول ما لا يصح قوله على الملأ، فيزيد ذلك من جرعة الضحك لدى المشاهدين.
راكوجونأتي الآن إلى فن «راكوجو» وراكوجو هي كلمة ترجمتها الحرفية هو «سقط الحديث»، وتشير إلى قص حكاية فكاهية تثير ضحك المستمعين ولكنها في النهاية لها مغزى أو حكمة. ويقال إن هذا النوع من الفنون بدأ في عصر إدو (1603 ~ 1868م) ويستمر حتى الآن في الشكل العام بدون تغيير تقريبا. وهو عبارة عن فنان واحد يمكن تسميته الحكواتي يجلس فوق وسادة مربعة تسمى باليابانية «زابوتون» مرتديا الزِّي الياباني التقليدي، ويكون المسرح في غاية البساطة فليس به إلا طاولة صغيرة يضعها أمامه، ويمسك بمروحة ورقية يستخدمها في الدق على الطاولة لاستثارة انتباه الجمهور أو لأحداث مؤثرات صوتية تتناسب مع المشهد الذي يحكيه من الحكاية. ويستخدمها كذلك كأداة تناول الطعام «الهاشي»، لو استدعى الأمر تمثيل مشهد به تناول الطعام. وغالباً ما تكون الحكاية المضحكة التي يحكيها متشعبة وبها شخصيات عديدة ولكن الحكواتي هو الذي يقول كل الحوارات بين الشخصيات المختلفة مستخدماً مهارته في تغيير نبرة صوته ليتقمص دور شخصيات الحكاية جميعاً، وفي نهاية الحكاية لا بد من وجود ما يسمى «أوتشي» باللغة اليابانية وهي معناها الحرفي سقط، ولكن لها معنى آخر وهو مغزى أو حكمة ففي النهاية تنتهي الحكاية بذلك المغزى أو تلك الحكمة التي يريد الحكواتي إيصالها للناس.


حكاية يابانية مضحكة
توجد ثلاثة مطاعم متراصة بجانب. بعضها بعضا وتقدم نفس الطعام والمنافسة بينهم شديدة، فكر صاحب المطعم الذي على أحد الجانبين في كيفية الاستحواذ على عدد أكبر من الزبائن فهداه تفكيره إلى أن يضع لافتة ضخمة على المحل مكتوب عليها «أفضل مطعم في اليابان». وبالفعل أتت الفكرة بثمارها وحاز ذلك المطعم على عدد أكبر من الزبائن. وعندها فكر المطعم الذي على الجانب الأكبر فوضع على محله لافتة بنفس الحجم وكتب عليها «أفضل مطعم في العالم» وبهذا جاءه عدد أكبر من الزبائن. ففكر صاحب المحل الثالث الذي يقع بين المحلين في كيفية التغلب على منافسيه وجلب عدد أكبر لمطعمه. أخيرا هداه تفكيره إلى تعليق لافتة أضخم على محله وكتب عليها:
«باب الدخول من هنا».


«تو بيت»
المخرج الياباني العالمي « »، الذي فاز بجوائز عالمية كبرى مثل جائزة مهرجان كان وجائزة مهرجان فينيسيا، هو في الأصل كوميديان من فناني المانزاي وكان يكوّن مع زميل له ثنائي مانزاي باسم «تو بيت» حيث اسمه الفني بيت تاكيشي واسم زميله بيت كيوشي.