ألوان

التجسس بين الزوجين يضيع المودة

حسام محمد (القاهرة)

انتشرت في الفترة الأخيرة المشكلات الزوجية بسبب مواقع التواصل الاجتماعي فنجد زوجا تجسس على صفحة زوجته على الفيسبوك ووجد أنها ذمته مع صديقاتها، وهو ما أشعل النار في قلبه ليتحول الأمر إلى خلاف كبير يؤدي إلى الطلاق، وأصبح من المعتاد أن تشك الزوجة في زوجها وتعمل على التجسس على محموله وعلى صفحته على الفيسبوك وغيرها من وسائل الاتصال وكثيرا ما يتسبب ذلك في مشكلات تهدد الاستقرار الأسري.

فعل مرفوض
يقول الشيخ محمد زكي أمين اللجنة العالمية للدعوة الإسلامية بالأزهر: أسهب القرآن الكريم في الحديث عن أهمية أن تشوب العلاقة الزوجية السكينة والهدوء حيث قال الله تعالى في سورة الروم: «وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يتفكرون»، واليوم كلنا نعاني من وتيرة الحياة العملية السريعة وانشغال كل طرف من أطراف الأسرة بظروف عمله أو متطلبات حياته الأسرية فإن طموح كل طرف أن يعود للمنزل فيجد السكينة والهدوء، والإنسان قد يعاني في الحياة مشاق كثيرة لكن الذي يسليه وينسيه متاعبه أنه إذا أتى بيته يجد السكينة والود والرحمة والتعاون والمشاركة الوجدانية لهذا فلابد أن يتميز كل طرف بالذكاء والحنكة كي يتحول بيت الزوجية إلى عش سعيد حتى لو كان بيتاً متواضعاً أو صغيراً، فهذه هي المودة والرحمة التي وصفها الله عزّ وجل بين الزوجين وهي سر السعادة الزوجية.
ويضيف: تستمر المودة والرحمة في التحليق بربوع المنزل طالما استمرت الثقة المتبادلة والإيمان بأهمية ثقة كل طرف في الآخر، أما أن يصل الأمر بأحد الزوجين أو كليهما بالتجسس على الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي أو الموبايل فهذا أمر يفتح باب دخول الشيطان، فعلى سبيل المثال قد تفضفض الزوجة يوما مع صديقة لها بجملة على سبيل المزاح ولو وجدها الزوج الشكاك على هاتف زوجته ستنقلب الحياة جحيما، ونفس الحال بالنسبة للزوجة الشكاكة التي تتجسس على زوجها، ولعل هذا أحد أسباب تحريم الشريعة الإسلامية للتجسس حيث يعتبر انتهاكا لحرمة المسلم وكشف ستره وآفة قد تسبب الحقد والبغضاء بين أفراد المجتمع، لهذا يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً، فما بالنا بالزوجين اللذين يجب أن تكون العلاقة بينهما قائمة على الثقة والاحترام المتبادلين، وإذا وجد أحد الزوجين في الآخر ما لا يرضيه ويثير الشك أو الريبة لديه، فلا بد من المصارحة لأنها أساس الحياة الزوجية المستقرة، ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» فلا شك أن التجسس بين الأزواج يفتح باب الخلافات الزوجية، وهو ما يزيد من احتمالات انتهاء الحياة الزوجية، وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع عورته يفضحه ولو في جوف رحله» ويقول صلى الله عليه وسلم: «إذا ظننت فلا تحقق» والهدف السامي من ذلك الحديث هو أن تظل حريات الناس محفوظة ومصانة ولو طبقنا هذا الحديث على الزوج وزوجته وجدنا أن الهدف أن تظل العلاقة الزوجية قائمة على التفاهم والود.

الإصلاح أفضل
يلفت الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق النظر إلى أن الحل في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدرجة التي يقتضيها الحال، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده» فإن ضاقت الأمور عن حلول شرعية يبقى مع الزوج عقد النكاح وبقي مع الزوجة حق اللجوء إلى القاضي، فقد جعل الله من أسباب الفرقة الشرعية ما تبقى معه صيانة الحرمات والتخلص من الآثام علما أن هذا هو آخر الحلول من طرف كلٍّ من الزوجين بطلاق أو خلع أو فسخ، لأن استمرار الشك وفتح باب التجسس يؤجج الصراع داخل الأسرة ويؤدي إلى عدم الثقة وبالتالي يهتز كيان الأسرة وتغيب المودة والرحمة، وقد يتطور الأمر إلى العنف داخل الأسرة سواء النفسي أو الجسدي، وهنا من الصعب الوصول إلى استقرار وقد يصل الأمر إلى أبغض الحلال أو العيش في نكد.
يضيف: لابد أن يعي كل طرف أن الحياة الزوجية مبنية أساسا على الثقة المتبادلة، ومن ثم حرص الإسلام أشد الحرص على أن يدوم هذا الوفاق والوئام والمودة، وإن كان الإسلام قد نهى عن التجسس بشكل عام فهو منهي عنه بين الزوجين من باب أولى، لذا فلا يصح للزوج أن يتجسس على زوجته ولا الزوجة أن تتجسس على زوجها حتى لا يسود الشك وتفسد العلاقة.

لا للظنون والوساوس
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر إن النصوص من الكتاب والسنة وغيرها مما جاء في النهي عن تتبع العورات صريحة في النهي عن تجسس المؤمنين على بعضهم، ومن ذلك الأزواج، فلا ينبغي للزوج أن يسمح للظنون والوساوس الشيطانية أن تفسد عليه بيته وأن تهدم أسرته وتعكر حياته وعلاجه تقوى الله وإحسان الظن بأهله، وأما بالنسبة للزوجة فلا يجوز لها التجسس على زوجها فإن فعل الزوج ما يدعو زوجته إلى سوء الظن به، وغلب على ظنها ذلك من دون قصد التجسس فإن المطلوب منها حينها العمل على محاولة إنقاذه مما وقع فيه إحسانا إليه، وإبقاء على كيان الأسرة، وحماية لها من التفكك والانهيار فإن استجاب فخير، وإن لم يقبل النصيحة فإن من أهل العلم من أجاز طلب الطلاق لفساد دين الزوج إذا ثبت عليه ذلك، ولكن لا ينبغي التعجل بذلك والصبر ومعالجة المشكلة بالحسنى وعلى الزوجين دفع الشك بينهما بالوضوح في التعامل والبعد عن مواطن الشبه والبعد عن الظنون والحذر من الأفلام التي تنشر الرذيلة والخيانة الزوجية.