ألوان

في ذكرى يوم المعلِّم العربي

بقلم الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك

بقلم الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. توافق غداً السبت ذكرى يوم المعلم العربي، هذه المناسبة التي تأتي في الخامس والعشرين من شهر فبراير من كل عام، ونحن في كل مناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون القارئ على بينة من أمره، وبهذه المناسبة فإننا نحيي معلمينا الأكارم الذين رفع الله شأنهم بالعلم ومنحهم هذه المكانة الرفيعة ، سائلين الله عزّ وجل أن يحفظهم من كل سوء وأن يجزيهم خير الجزاء.

فضل العلماء والمعلِّمين
رفع ديننا الإسلامي شأن المعلِّمين والعلماء وأعلى قدرهم ووضعهم في المكانة اللائقة بهم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}، وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد ذلك، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)، وقوله- عليه الصلاة والسلام- : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)، وقوله– عليه الصلاة والسلام- : (.... وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى ?الْعَابِدِ ?كَفَضْلِ ?الْقَمَرِ ?عَلَى ?سَائِرِ ?الْكَوَاكِبِ، ?إِنَّ ?الْعُلَمَاءَ ?وَرَثَةُ ?الأَنْبِيَاءِ، ?إِنَّ ?الأَنْبِيَاءَ ?لَمْ ?يُوَرِّثُوا ?دِينَارًا ?وَلا ?دِرْهَمًا، ?إِنَّمَا ?وَرَّثُوا ?الْعِلْمَ، ?فَمَنْ ?أَخَذَ ?بِهِ ?أَخَذَ ?بِحَظٍّ ?وَافِرٍ)?، كما ?بين- ?صلى ?الله ?عليه ?وسلم- ?أن ?ثواب ?علمهم ?لا ?ينقطع ?بوفاتهم، ?كما ?قال- ?صلى ?الله ?عليه ?وسلم- ?: (?إِذَا ?مَاتَ ?ابْنُ ?آدَمَ ?انْقَطَعَ ?عَمَلُهُ ?إِلا ?مِنْ ?ثَلاثٍ ?: ?صَدَقَةٍ ?جَارِيَةٍ، ?أَوْ ?عِلْمٍ ?يُنْتَفَعُ ?بِهِ?، ?أَوْ ?وَلَدٍ ?صَالِحٍ ?يَدْعُو ?لَهُ)?.

مكانة المعَلِّم
من المعلوم أن المعلِّم يحظى باحترام وتقدير في مجتمعنا، فالمعلِّم المخلص يؤدي واجبه على خير وجه، لأنه يعلم أن عمله عبادة وأن الجزاء الأوفى عند الله يوم القيامة، كما أن للمعلِّم دوراً كبيراً في تعليم الأبناء وتربيتهم التربية السليمة وتهذيب خُلُقِهِم، والأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير، وإرشادهم إلى ما يُلائمهم من دراسة وعمل، ورحم الله شاعر فلسطين إبراهيم طوقان عندما تحدث عن معاناة المعلم، فقال:
يقولُ شوقي  
وما دَرَى  بمصيبتي    
قـُمْ للمُعَلّـمِ وفِّـهِ التّبِجـيـلاَ
اقْعُدْ فديتُكَ هـل يكـونُ  مُبَجَّـــلاً    
مَنْ كانَ للنشءِ الصغارِ  خَلِيـــلاَ
ويكـادُ يفلقنـي الأميـرُ  بقولـِــــــــهِ   
كادَ المعلـمُ أن يكـونَ   رَسُـــولاَ
لو جَرّبَ التعليمَ شَوْقِـي ساعــةً    
لَقَضَى الحياةَ شقـاوةً  وخُمُــــولاَ
حَسْـبُ المعلـِّمِ غمَّـةً وكــــآبــــــةً
مَرْأى الدَّفَاتِـرِ بُكْــــرَةً وأَصِيـــــلاَ
مئَةٌ عَلَى مئَةٍ إذا هِـيَ صُلِّحـَــتْ    
وَجَدَ العَمَى نحوَ العيونِ سَبِيــلاَ
يَا مَنْ يريـدُ الانتحـارَ   وَجَدْتـُــــــه   
إنَّ المُعَلِّـمَ لاَ يَعِيـــــشُ طَـوِيــــلاَ
لذلك يجب علينا احترام المعلِّمين وتقديرهم ، فهم النبراس الذي يُضيء لنا الدرب نحو مستقبل مشرق بإذن الله، ولا ننسى معلِّمينا الأفاضل الذين كانوا لنَا مَثَلاً في الجدِّ والإخلاص، فقد ورد أن الإمام أبا حنيفة النعمان– رحمه الله – كرَّم معلِّمَ ولده بألف درهم لأنه علّمه سورة الفاتحة، فما بَالُكَ بأساتذتنا الفضلاء الذين يُخَرِّجون للمجتمع: الطبيب والمهندس والمحامي والعالم وأصحاب الكفاءات.

المعلِّــم القـــدوة
انطلاقاً من الحديث الذي يُخاطب فيه رسولنا – صلى الله عليه وسلم – المعلِّمين، كما رُوِيَ عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ: مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَاقْنُوهُمْ ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا اقْنُوهُمْ، قَالَ: عَلِّمُوهُمْ)، لذلك فإنه يقع على المعلِّم واجب كبير ومهمة جليلة ، فالمعلم قدوة حسنة لطلابه حيث إنه يقدم لهم الدروس بوجه مشرق وابتسامة عريضة وَبِطُرُقٍ جذَّابة تزيد من ارتباطهم به ، لذلك فإن الواجب عليه أن يغرس في أبنائه الطلاب حبَّ دينهم ووطنهم، وضرورة تمسكهم بالأخلاق العالية والآداب الحسنة ، وأن يعمل على تنمية مواهبهم وزيادة قدراتهم .
فمن بين يدي المعلِّم تتخرج جميع الشرائح الاجتماعية والكفاءات العلمية، لذلك يجب على الجميع كلٌّ في موقعه تقدير المعلِّم حقّ التقدير، حيث إنه يُسْهم إسهاماً كبيراً في تنشئة الأجيال وإعدادهم ليكونوا أمل الأمة في مستقبل مشرق بإذن الله.