الاقتصادي

قطاع النفط الأميركي يمارس نشاطه بصعوبة

حقل نفط في ولاية كاليفورنيا  (رويترز)

حقل نفط في ولاية كاليفورنيا (رويترز)

ترجمة: حسونة الطيب

لم يكن الإزعاج الصادر من عمليات التفتيت الصخري، الدليل الوحيد الذي بشر بطفرة النفط الصخري في أميركا، بل أيضاً الهدير القوي الذي تحدثه شاحنات النفط الضخمة على الطرقات. وبعد اكتشاف النفط الصخري في إيجل فورد بولاية تكساس في 2009، تضاعف عدد الشاحنات إلى 40 ألفا سنوياً، أما الآن، فيصعب رؤية حتى واحدة بعد التدني الكبير الذي طال أسعار النفط.
وكغيرها من مدن إيجل فورد، تضررت سيرو بشدة جراء هذا التراجع الذي امتد أثره حتى مدينة هيوستن عاصمة النفط الأميركي. وفي مجمع محلي للبيوت الجاهزة، كانت معظم هذه البيوت حتى وقت قريب تعج بالسكان من العاملين في مجال الحفر وخطوط الأنابيب، لكنها تكاد أن تكون شبه خالية في الوقت الحالي.
وفي غضون ذلك، من المرجح أن تخضع مئات المؤسسات الكبيرة منها والصغيرة لمراجعات دقيقة خلال هذه الفترة وتحديد أسقف الدين من قبل البنوك. ومنذ أخر مراجعة في أبريل، طالب المنظمون البنوك بتوخي الحذر عند تقديم القروض لمثل هذه المؤسسات.
ويبدو أن انخفاض الأسعار لم يعطل نشاط قطاع التفتيت، حيث لا يزال لدى مؤسساته الكبيرة مقدرة الحصول على الأموال، بصرف النظر عن التكلفة العالية التي تفوق ما قبل مرحلة تدني الأسعار، لكن وفي قطاع لا تقل تطلعاته للحصول على المال عن تلك للنفط والغاز، تواجه المؤسسات الصغيرة مصاعب جمة. وتشير بعض التقديرات، لبلوغ ديون المصارف خلال السنة الماضية، نحو 250 مليار دولار، ذهبت معظمها للمؤسسات الصغيرة، لكن ليس من المتوقع أن تكون هذه المصارف بذات الكرم في الوقت الحالي.
وكانت معظم الديون في الفترة الأخيرة، من نصيب الآبار التي تستنفد أموالاً أكثر من تلك التي تجنيها. وعادة ما يتم ضمان القروض المقدمة لهذا المؤسسات، مقابل ما لديها من احتياطات، رغم تقلص قيمتها، تبعاً لانخفاض أسعار النفط، ما يجعل عمليات المراجعة التي تجريها البنوك مجرد عمل روتيني.
وفي مسح أجرته مؤسسة هينز آند بوون القانونية في تكساس، بات من الضروري خفض حد الاقتراض بنسبة لا تقل عن 39% خلال شهر أكتوبر وحده، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة من ضمنها الإفلاس. وفي هيوستن، تؤكد الشركات العاملة في مجال النفط، أن الاقتراض لم يكن ومنذ العديد من العقود، سبباً في وقوع الأزمات.
وبالنسبة للشركات الحكومية، ساعدت أسواق المال في تقليل الاعتماد على القروض المصرفية، لكن في حالة بقاء الأسعار على انخفاضها، فليس من الوارد استمرار ذلك. ورغم زيادة الآمال بداية العام الحالي، إلا أن أسعار النفط تراجعت لدون 40 دولاراً للبرميل في الصيف، كما انخفضت أسعار أسهم الشركات الصغيرة بنسبة قاربت 50% عند بداية 2014. والأسوأ من ذلك، عدم مقدرة المؤسسات على رهن أصولها كضمان، ما جعل جمع الأموال أمراً بالغ الصعوبة، بجانب عدم مقدرتها على إصدار الأسهم والدين وبيع الأصول.
ومع أنها لا تمانع في بيع نفسها، لكن شحت عمليات الدمج والاستحواذ في قطاع النفط. وتركزت معظم رغبات الاستثمار في حوض بيرميان الغني بالنفط في غرب تكساس، بدلاً من الحقول المطورة في إيجل فورد. وحصلت أكسون موبيل أكبر شركة نفط في العالم في سبتمبر الماضي، على مساحات جديدة في بيرميان عبر شريكتها أكستو إنيرجي. وعبر جون وولكر، مدير شركة إنر فيست للنفط في هيوستن، عن رغبته في شراء مؤسسات النفط، التي تجد صعوبة في مواصلة نشاطاتها، بصرف النظر عن تدني أسعار النفط.
وقلصت بايونير ناتشورال ريسورسيز، إحدى الشركات الراسخة العاملة في بيرميان، من نشاطاتها نظراً لعدم توقعها لتعاف قريب قبل حلول 2016 أو 2017. ولم تقتصر موجة الديون على الشركات الصغيرة، حيث طالت حتى الشركات الكبيرة مثل، شيسابيك إنيرجي الرائدة في الغاز الصخري والتي قايضت دينها المضمون بغير المضمون لدعم ميزانيتها.
وحتى الآن تغطي عمليات التحوط التي أبرمت عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، على هذه الضوائق المالية. أما في الوقت الحالي، فلا تشمل هذه العمليات إلا ربع الناتج في العام المقبل. وربما يفرض المنظمون رقابة أكثر على احتياطات الشركات نهاية العام، ما يعني أن تقييمات البنوك ستكون أكثر صرامة بالمقارنة مع السنة الماضية.
وتعتبر الشركات الخالية من الدين، أفضل حالاً، حيث خفضت بايونير على سبيل المثال، تكاليفها بنحو 30% من خلال الحفر في الآبار الأكثر جدوى اقتصادية، بالإضافة للاحتفاظ بالعاملين الأكفاء وذوي الخبرات الكبيرة. ويعتقد سكوت شيفلد، مدير بايونير ناتشورال ريسورسيز، أن المستثمرين لا يزالون يدعمون المؤسسات التي تقل فيها تكاليف أصول النفط. ونجحت كونكو ريسورسيز، شركة النفط العاملة في بيرميان، في جمع نحو 712 مليون دولار في عملية طرح للأسهم نهاية سبتمبر الماضي، بهدف تسديد ما عليها من دين. وما يثير الاستغراب، أن نحو 100 مليار دولار من أموال المؤسسات الخاصة، تبحث عن فرص استثمارية.
ومن خلال الأرقام القياسية التي حققها قطاع النفط الصخري في أميركا، تحول إلى واحد من اللاعبين المهمين في سوق الطاقة العالمية. وبعد تراجع عدد المنصات بأكثر من ألف وحدة منذ السنة الماضية، لم تبدأ وتيرة الإنتاج في التقلص إلا منذ وقت قريب. ومع أن حقبة التراجع ربما تكون فرصة لبعض الشركات لمراجعة حساباتها، إلا أن بعضها الآخر تلفظ أنفاسها الأخيرة.

نقلاً عن: ذا إيكونوميست