ألوان

العلماء: «تحمل المسؤولية».. إنقاذ للأمة

أحمد مراد (القاهرة)

شدد علماء الدين على ضرورة أن يتحمل كل مسلم المسؤولية المنوطة به، كل حسب قدراته ووظيفته في الحياة، وأن يؤديها على الوجه الأكمل، مؤكدين أن المسؤولية ليست بالأمر الهين، أو أنها من فروض الكفاية، بل هي فرض عين على الجميع لا تسقط إلا عن فاقد الأهلية.
وأوضح العلماء أن تحمل المسؤولية هو السبيل إلى الخروج من الأزمة التي تعانيها الأمة على الصعد كافة، وأحد أهم عوامل النصر والتمكين، مشيرين إلى أن من ثمرات إدراك المرء لمسؤولياته تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة للمحافظة على هيبة الوطن.
يوضح د. شوقي علام، مفتي مصر، أن الإسلام يحث المسلمين كافة على ضرورة تحمل المسؤولية في كل شؤونهم، ولم يفرق بين أحد، بل وضع الجميع أمام المسؤولية المنوطة به، كل حسب قدراته ووظيفته في الحياة، فكل فرد مسلم يعتبر راعياً ومرعياً في وقت واحد، عليه واجبات يجب أن يؤديها لأهلها، وله حقوق يجب أن تؤدى إليه، وهذا هو ما عبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته».

أمانة المسؤولية
ويقول مفتي مصر: من الملاحظ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء بصيغة التعميم «كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته»، وجاء هذا التعميم مرتين، مرة في أول الحديث، ومرة في آخر الحديث، وهذا التكرار جاء تأكيداً على تلك المسؤولية، وتأكيداً على ضرورة أدائها على الوجه الأكمل، وشمل هذا الحديث أعلى أصناف الناس وأدناهم وأوساطهم فيما بين ذلك، وقد أرسل الله تعالى رسله للناس كافة ليعلموهم ويرشدوهم إلى معاني المسؤولية وكيفية تحملها، ولكي يستعد كل إنسان لتحملها، كل حسب دوره وموقعه وتأثيره وعمله، حتى لا يبقى إنسان بدون مسؤولية أو لا يشعر بها، فقال تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، «سورة الأحزاب: الآية 72»، فهذه الأمانة بجانب أنها تعبر عن التكاليف الشرعية فهي تعبر أيضاً عن مسؤولية المسلم التي تقع عليه من أوامر ونواه، وعن أمانة العقل الذي يدل الإنسان على طريق الخير والشر.
ويضيف د. علام: والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يكون القدوة للمسلمين في تحمل أمانة المسؤولية، وظهر هذا الأمر جلياً في يوم أحد، حيث كان مثالاً رائعاً على تحمل النبي صلى الله عليه وسلم المسؤولية قائداً للمسلمين، فقد استشار أصحابه لاختيار مكان المعركة، وكان يفضل أن تكون المعركة داخل المدينة، وشاركه رأيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، لأن القتال داخل المدينة به مميزات، لخصها صلى الله عليه وسلم في قوله: «امكثوا في المدينة، فإن دخل القوم قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان، فهي كالحصن»، وحتى بعد أن نزل على رأي من قال بالخروج من الأغلبية، لم يتراجع عن القيام بالمسؤولية كقائد للمسلمين، بل إن شعوره بالمسؤولية جعله يواصل الحرب، فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين أعدائه»، وهذا النموذج لا بد أن يكون عليه القائد والإمام، والقائد هنا ليس مقصوراً على فئة من دون غيرها، فرب الأسرة قائد وراع على أسرته، والمدير في عمله، والطبيب في مهنته وكذا المهندس والمعلم حتى السائق في مهنته وغيره في بقية المهن، على الكل أن يراعي دوره ويقوم به كما ينبغي، فالمسؤولية تحتم عليه أن يؤديه على أكمل وجه، لأن في تقصيره في هذا الدور تعريض الآخرين للأخطار».

فرض عين
وشدد مفتي مصر على ضرورة أن تكون المسؤولية سلوكاً وعقيدة عند المسلمين قبل أن تكون فرضاً عليهم في كل أمور حياتهم، لأنها إذا غابت تحول المجتمع إلى العشوائية والتخبط والذي بدوره يوصلنا إلى فوضى الإهمال، والذي بدوره لا يقل خطراً عن إرهاب الناس بالقتل، فكلاهما خطر على أي أمة، وكلاهما قادر على أن يكون سبباً في انهيار أي حضارة، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول».
وقال: المسؤولية درجات تبدأ بمسؤولية الإنسان تجاه نفسه، فكل إنسان مسؤول بالدرجة الأولى عن نفسه في مسألة تربيتها وتزكيتها وإصلاحها، وسيحاسب يوم القيامة عن عمله وعمره وماله وشبابه وعلى كل نعمة سخرها الله له ليقوم بدوره وبمسؤوليته، وهناك المسؤولية الأسرية، لأن أسرتنا وأولادنا أمانة، يجب أن نقيهم سبل الهلاك، وهناك أيضاً المسؤولية الاجتماعية التي تقع على عاتق المجتمع ككل، ويجب أن يعي الجميع أن المسؤولية ليست بالأمر الهين، أو أنها من فروض الكفاية، بل هي فرض عين على الجميع لا تسقط إلا عن فاقد الأهلية، وفي هذه الحالة تنتقل مسؤوليته إلى غيره، لئلا يتعدى خطره إلى الجميع، الكل يجب أن يراقب الله في عمله، وأن يعلم أنه إن اجتهد في تحمل المسؤولية فهو مجازى عن قيامه بعمله على أكمل وجه، وإن قصر فيها فهو آثم، وإثمه أكبر عند الله تعالى يوم القيامة.

التزام أخلاقي
وأشار د. الشحات الجندي، الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن المسؤولية شعور الإنسان بالتزامه أخلاقياً بنتائج أعماله الإرادية فيحاسب عليها إن خيراً أو شراً، والمسؤولية في الإسلام تعني أن المسلم المكلف مسؤول عن كل شيء جعل الشرع له سلطاناً عليه أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه، سواء كانت مسؤولية شخصية فردية أم مسؤولية متعددة جماعية.
ويقول: المسؤولية الفردية تعني أن الفرد مسؤول عن نفسه، وعما يصدر منها من أقوال وأفعال، فهي مسؤولية كل فرد عن نفسه وجوارحه وبدنه، وهي أصل المسؤولية في الإسلام «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، وتنقسم إلى مسؤولية دينية، وتستغرق هذه المسؤولية كل ما يحاسب عليه الإنسان أمام ربه جل وعلا، وكل ما يثاب عليه من أفعال وأقوال، مسؤولية أُسرية وتتناول الفرد حسب موقعه من الأسرة، فهناك مسؤولية الزوج، والزوجة، ومسؤولية الأبناء، ومسؤولية اجتماعية كصلة الرحم، والإحسان إلى الجار، أما المسؤولية الجماعية، فتنبع من حس جماعي بالالتزام تجاه قضية ما، وتتمثل في الحفاظ على روابط الأخوة، والالتزام نحو قضايا الإسلام والمسلمين في كل مكان، والتكافل الاجتماعي عن طريق التزام دفع الزكاة والصدقات، وإنشاء المراكز المختصة للعناية بالضعفاء والمحتاجين والمساكين.

مفهوم المسؤولية
أوضح د. محمد رأفت عثمان، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن ديننا الإسلامي الحنيف كان من أسبق الشرائع والمناهج التي دعت إلى تأصيل مفهوم المسؤولية، وقد تضمنت تعاليمه القرآنية والنبوية توجيهات عدة التي من شأنها أن تغرس هذا المفهوم في النفوس، مؤكداً أن تحمل المسؤولية هو السبيل إلى الخروج من الأزمة التي تعانيها الأمة على الصعد كافة، وأحد أهم عوامل النصر والتمكين. وأكد أن المسؤولية الوطنية تأتي كواحدة من أهم المسؤوليات التي يجب على الإنسان أن يراعيها، وأن يؤديها على الوجه الأمثل، مع العلم أن محبة الأوطان والانتماء لها أمر فطري وطبيعة بشرية طبِع عليها الإنسان، فوطن الإنسان هو المكان الذي ينتمي إليه، نشأ فيه وترعرع، تنفس هواءه، وشرب ماءه، وتعفر من ترابه، وقد أقر هذا الحب ديننا الإسلامي الحنيف، داعياً إلى ضرورة أن يدرك الشباب أهميتهم في مجتمعاتهم، وأن يمكنوا من القيام بدورهم ومسؤولياتهم، ولكن على الجميع أن يعلم أن من ثمرات إدراك المرء لمسؤولياته تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة للمحافظة على هيبة الوطن.