ألوان

محمد الرحمة المهداة

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، «سورة الأنبياء: الآية 107». جاء في مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير الآية السابقة: قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) يخبر تعالى أن الله جعل محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، أي أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سَعِدَ في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها خسر الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، «مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 2/‏525».
أشرقت الدنيا بمولد سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم-، وامتلأ الكون نوراً ورحمة وهداية وعدلاً، وفي هذه الأيام تمرّ بنا ذكرى ميلاد رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أنقذ الله على يديه الإنسانية الضالة، وجعله سبباً في استرداد خصائصها الصحيحة ومزاياها السليمة، وأنار للإنسانية بشريعته الخالدة سُبُلَ السلام، وأوضح لهم منهاج الخير.
فلم يعرف التاريخ قديمه أو حديثه شخصية أبعد أثراً في النفوس وأعمق تأثيرا في القلوب من محمد - صلى الله عليه وسلم-، الذي نال منزلة دونها كل منزلة، واستأثر بحب يتضاءل أمامه كل حب سوى حب الله سبحانه وتعالى، لذلك فإن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا حقوقاً كثيرة منها: وجوب الإيمان به، واتباعه، ومحبته، والانتصار له، ونشر دعوته، وتوقيره حياً وميتاً، والصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم- كلما ذُكِر، فقدْ أمرَ الله المؤمنين بالصلاة عليه كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، «سورة الأحزاب: الآية 56».
وحين نتأمل سيرته - صلى الله عليه وسلم - نجد الرحمة بارزة في مواقفه كلها وفي تعامله مع الناس جميعاً، فلم تكن الرحمة سِمةً محدودة أو هامشية من سِمَاتِ رسولنا - صلى الله عليه وسلم-، بل لقد بلغت قدراً من الأهمية لدرجة أنه سُمِّي بذلك، كما جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسَمِّي لنا نفسه أسماءً، فقال: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ»، (أخرجه مسلم).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر أمته بالرحمة أمراً عامًّا، ويبين أن أولئك الذين يَتَخلّقون بالرحمة يستحقون رحمة الله تبارك وتعالى، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، (أخرجه الترمذي)، وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ»، (أخرجه البخاري).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فيَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ: تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا»، (أخرجه البخاري).
هكذا بَشَّر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، بعد أن اشتدَّ عليهم الأمر، ووقعت منهم الكآبة، كما بَشَّر أمته برحمة الله بهم، حيث جعل نصيبهم في الجنة أكثر من غيرهم من الأمم، وهذا فضل من الله ونعمة.
ومن المعلوم أن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى الطائف لعله يجد الأنيس والنصير، فسبوه وشتموه ورجموه، فجاءه الملك يعرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، فقال - عليه الصلاة والسلام - «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يُوحد الله»، لم يشتمهم ولم يلعنهم، بل دعا الله أن يهديهم، وفعلاً استجاب الله دعاءه.
هذا هو منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو منهج محبيه وتابعيه والمُحْتفين بمبادئه وسننه الشريفة العادلة التي تُحب الخير للبشرية جمعاء، فما أحوج العالم اليوم إلى رسالة الإسلام السامية، رسالة الرحمة والمحبة والخير والسلام للبشرية جمعاء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.