ألوان

الاستماع والإنصات لقراءة القرآن.. أمر إلهي

أحمد محمد (القاهرة)

كان الصحابة يرفعون أصواتهم وهم خلف الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ويتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، يجيء الرجل فيقول لصاحبه كم صليتم؟ فيقول كذا وكذا، وكان فتى من الأنصار كلما قرأ رسول الله شيئاً من القرآن، قرأ معه، فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)، «سورة الأعراف: الآيات 204 - 206).
قال ابن عباس إن رسول الله قرأ في الصلاة المكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فخلطوا عليه، فنزلت الآية، وقال ابن جبير ومجاهد، نزلت في الإنصات للإمام في الخطبة يوم الجمعة.
قال الإمام النسفي في تفسيره، إن الآية تدل على وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وقيل معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، وجمهور الصحابة رضي الله عنهم على أنه في استماع المؤتم، وقيل في استماع الخطبة.
وقال محمد أبو زهرة في «زهرة التفاسير»، بيّن الله سبحانه أن الآية التي تحدى بها العرب أن يأتوا بمثلها هي بصائر مبينة للناس الحقائق الدينية، ومثبتة لصدقها، وهي هدى ورحمة، وهي القرآن، ولا يمكن أن ينتفع بها بعد إعجازها بأن ينتفع بهدايتها ورحمتها إلا إذا قاموا بحقها عند قراءتها بالاستماع إليها، والإنصات لها، وتدبر ما جاء فيها من تكليف هو رحمة للعالمين ومواعظ وعبر، وقصص في ذكر الأولين، ولذا قال تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فقراءة القرآن عبادة من القارئ، لأنه يتلو كلام الله، وأي منزلة في القربى إلى الله أعلى من أن يكون متحدثاً بحديث الله، فهو يتكلم بكلام خالق الوجود، وتجري على لسانه عباراته جل وعلا، ويرطب لسانه بأطيب كلام.
والاستماع إلى القراءة عبادة إذا استشعر بأن الله تعالى يخاطبه بالقرآن من أعلى الملكوت، وإن الاستماع هو تدبر المعاني، والاستبصار بها، وإدراك مراميها ومغازيها، فليس المراد مجرد السماع، بل السمع في تدبر وتفهم وتذكر واعتبار.
والإنصات معناه السكوت للاستماع والمراعاة والإصغاء، فمعنى أنصتوا أي هيئوا أنفسكم للاستماع وأعدوها وراعوا ما تسمعون، وكأن الإصغاء تقدمة للاستماع، بأن يفرغ النفس له، ويقدم عليه، كأنه مقدم على صاحب الكلام، وهو رب العالمين، ألم تر الناس وهم يقدمون على استماع كلام عظيم من عظماء الأرض في سلطانه يستعدون وينصتون، فكيف بكلام مالك الملك ذي الجلال والإكرام والإنعام، القرآن قراءته عبادة، والاستماع إليه مع التدبر والتأمل وتعرف أسراره عبادة، وهو جزء من أكبر عبادة وهي الصلاة.
ولقد قال تعالى في ختام الآية الكريمة، لعلكم ترحمون أي رجاء أن ترحموا بطلبكم للقرآن، وتدبر آياته والإنصات إليه، والأخذ بتكليفاته ومواعظه، فهو رحمة، ومنه الرحمة، وهو نور وبرهان.
وإذا كان تدبر القرآن والاستماع إليه وتلاوته رحمة فذكر الله هو أصل الرحمة، والقرآن هو الذكر الحكيم، والذكر الأكبر، وهو خير أوراد المؤمنين، ولذلك بعد الأمر بالقراءة والاستماع إليه مع الإنصات رجاء الرحمة أمر سبحانه بدوام الذكر لله، بأن يكون الله حاضراً في نفسه أطراف الليل وآناء النهار، وحاضراً في قلبه في كل وقت، يعمر قلبه، ويملأ نفسه.
فالذكر يبتدئ بامتلاء النفس بالله يعمر قلبه دائماً، وأن تكون في حال تضرع وتذلل، فالذلة لله تعالى هي عين العزة، لأن من ذل لله استعلى على الناس بأمر الله، ومن تعالى على جانب الله استعان بأحط الناس قدراً فكان ذليلاً.