دنيا

اسألـــــــوا أمي

في محاضرته عن تجربته الذاتية مع التوحد، قال البروفيسور ستيفن شور، الأستاذ المساعد في التعليم الخاص بجامعة ادلفي في الولايات المتحدة «أتمنى من الجميع أن ينظروا إلى المتوحد على أساس كونه مختلفاً وحسب، بحيث ننظر إلى طبيعته كصفات مميزة وليس مجرد عيوب واضطرابات. وتلك الصفات المميزة تجعل المصاب بالتوحد يعاني صعوبات اجتماعية وصعوبات في التواصل، ومحدودية في الاهتمامات، وحساسيات حسية. وهذه الصعوبات مجتمعة تجعل الشخص المتوحد لا يحصل إلا على 20% كحد أقصى مما يمكن أن يحصل عليه الشخص العادي من البيئة المحيطة».
وأضاف «إذا قمنا بتمثيل مجموعة المهارات التي يتمتع بها شخص طبيعي تمثيلا بيانيا، فإننا سنرى شكلا يشبه الموجة. بحيث تكون لدى الشخص الطبيعي بعض المهارة الجيدة في أمر ما، والقليل من المهارة في أمر آخر، ومهارة ضعيفة أو منعدمة في أمر ثالث وهكذا. أما الشخص المتوحد فإن التمثيل البياني لمهاراته سيبدو مختلفا تماما، حيث نرى أن مهارة ما تكون عالية بشكل لافت جدا، ومهارات أخرى منعدمة تماما».
وتابع «عندما يأتي الأمر إلى تعليم ذوي التوحد، فإننا سننجح جيدا في العملية التعليمية إذا أخذنا النقاط السابقة بعين الاعتبار، أي كون التوحد صفات مميزة وليس عيوبا واضطرابات. وبسبب تخصصي في تعليم ذوي التوحد، حاولت المقارنة بين المناهج المتوافرة في هذا المجال بهدف تحديد أيها الطريقة الأمثل. لم أجد أية دراسات تقارن بين كل تلك الطرق. لكن بحكم عملي تمكنت من مقابلة ثلاثة أشخاص من مبتكري مناهج تعليم ذوي التوحد، وما لاحظته هو أنه لا يوجد تعريف واحد للتوحد بين جميع من يعمل في مجال تعليم ذوي التوحد. وهذا يشكل عائقا للعملية التعليمية».
ويمضي: «ولدت طفلا طبيعيا، وكنت قوي البنية حتى إنني فاجأت أمي - كما قالت لي - بالانقلاب على بطني وعمري ثمانية أيام فقط، واستمر النمو طبيعيا حتى عمر 18 شهرا، ثم بدأ معدل النمو بالتراجع ليتم تشخيصي بالتوحد في عمر سنتين ونصف. حيث بدأت منذ عمر السنة والنصف بالانسحاب من الحياة الطبيعية، وأصبحت غير مبالٍ بما حولي. كما أنه كانت تصيبني نوبات غضب شديدة».
ويوضح «كان لأمي الفضل الأكبر في تطور حالتي، بعكس والدي الذي كان مشغولا بالعمل، كما كان معهودا في ذلك الوقت من الزمن. عندما شخصني الأطباء بالتوحد عرضوا على أهلي فكرة تركي في مركز متخصص لذوي الإعاقات المشابهة، إلا أن أهلي رفضوا الفكرة رفضا قاطعا. وأمي لم تكن تعرف بداية ماذا تفعل معي، فكانت تتحدث معي كثيرا دون أن تعرف إن كنت أهتم بذلك أصلا، ثم بدأت بتقليد حركاتي، وقتها فقط بدأت أهتم بوجودها. كما أنها كانت مولعة بالموسيقى، ولاحظت أن الموسيقى كانت من ضمن الأمور القليلة جدا التي كانت أهتم لها نوعا ما. فقد لاحظت أمي مرارا أنني كنت أحرك جسمي حركات إيقاعية متناسبة مع الموسيقى التي أسمعها. إن الأطفال من ذوي التوحد لا يتجاهلون وجود الناس من حولهم، هم لا يعرفون بوجود هؤلاء الناس أصلا. ولهذا يجب أن نجد الطريقة التي تناسب كل طفل للفت انتباهه لوجود شخص ما معه».
ويقول: «ظلت والدتي تحاول بشتى الوسائل إخراجي مما أنا فيه، خاصة بعد أن رفضت المدارس العادية قبولي. وفي عمر 4 سنوات تم قبولي في مركز خاص لذوي الاحتياجات الخاصة. وقد أبدى الاختصاصيون انبهارهم بتحسن حالتي بعد المجهود الكبير الذي بذلته أمه معي في محاولاتها الحثيثة للدخول إلى عالمي عندما كان في المنزل فقط منتظرا دوره في مركز التدخل».
ويتابع: «في عمر 4 سنوات بدأت اللغة بالعودة إلى، بداية على شكل صدى فقط. أي ترديد أي كلمات دون أن أوظفها بشكل صحيح عندما كنت في مرحلة الروضة. كنت أكره صوت حرف B كثيرا. وكنت أعبر عن هذا الكره بترديد صوت B باستمرار. ولا أعرف لماذا كنت أردده كثيرا مع أنني كنت أكرهه! كما أنني أذكر جيدا أنني كنت آكل طعاما مهروسا في عمر 4 سنوات على الأقل. كما أن في ذلك العمر بدأت ولعي بعالم المتحركات، أي مراقبة حركات الأشياء، خاصة الحركات الدورانية. في عمر 6 سنوات تم قبولي في مرحلة الروضة، حيث عانيت من صعوبات اجتماعية وصعوبات في التعليم، خاصة في مادة الرياضيات واللغة. واستمرت معي صعوبات التعلم لاحقا في المرحلة الابتدائية».
وقال «خلال سنوات حياتي مع أهلي، عمل أهلي، خاصة والدتي على توفير احتياجاتي كافة، خاصة من خلال اهتمامها بما أهتم. فهم كانوا يوظفون ما أهتم به في سبيل تعزيز ثقتي بنفسي. مثال ذلك هوسي بالساعات. فقد كنت أفتح كل ساعة تقع يدي عليها.
بداية كانت أتلفها، ثم بدأت أعرف كيف أعيدها تماما كما كانت. انتقل هذا الهوس إلى أجهزة أخرى، وفي كل مرة كان أهلي يتبعون ما أحب وما أهتم. كما أن اهتمامي بالموسيقى، والذي بدأ منذ نعومة أظافري، كان مهما جدا في تطوري. وعندما كبرت زاد اهتمامي بالموسيقى وحاليا اعتبرها جزءا مهما في تعليم ذوي التوحد».
ويزيد: «كنت أهتم بالآلات والأشياء أكثر من البشر. وكنت أنظر للدراجات الهوائية كثيرا بدلا من النظر لمن يركب الدراجة. إلا أنه في عمر 13 سنة بدأت أهتم بعض الشيء بالنظر لمن يركب الدراجة عوضا عن الدراجة نفسها فقط! كما أنني في سنوات المراهقة قمت بالاشتراك في فريق موسيقي بسبب حبي للموسيقى، وهذه الفرقة أعطتني فرصا جيدة لتحسين التواصل الاجتماعي مع أعضاء الفرقة من خلال الحديث عن أمور واهتمامات مشتركة»، مضيفا «في عمر 19 سنة، أي في سن الجامعة، أصبحت لدى القدرة على تكوين صداقات لا بأس بها.
وكان الطلبة مستعدين لتقبل الأشخاص المختلفين عنهم بشكل أكبر. كما أنه وجد الكثير من الطلبة الذين لديهم هوايات غريبة، فقد كنت أجد دائما من يرافقني في ركوب الدراجة حتى لو كان ذلك بعد منتصف الليل.
كما أنني التقيت بزوجتي الصينية أثناء دراستي الجامعية، ونشأت بيننا مشاعر جميلة، وتزوجنا منذ ما يقرب 22 عاما. وإنني سعيد في زواجي، لكن لا أعرف ماذا تقول هي؟ فمن الأفضل أن نسألها عن الأمر».