صحيفة الاتحاد

دنيا

الحياة في مقطع فيديــو

نسرين درزي (أبوظبي)

مع توافر الاطلاع على مقاطع الفيديو عبر الهواتف الذكية ووسائل الإنترنت من أي مكان، يمضي الشخص يومياً جزءاً غير قليل من وقته يشاهد سيناريوهات ناطقة، غالباً يكتب عنها تعليقاته وفي الحد الأدنى يسجل ضمنياً ردود أفعال إن تراكمت قد تغير مع الوقت سلوكاته بحسب علماء النفس. فعلى مدار الساعة تطالعنا أفلام فيديو قصيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تنخرط ضمن تسميات مختلفة، نشاهد منها ما يلفت النظر من عناوين أو صور ملونة تستدعي للوهلة الأولى اهتمامنا.
ومع الوقت تتحول هذه التجارب إلى عادات تلقائية إما نرفضها أو تصل بنا إلى حد الإدمان، ومع أن مثل هذه المقاطع التصويرية نتبادلها مع الأصدقاء وتخرج من دائرة صفحاتنا، غير أنها عندما تعجبنا مرة لا نملك إلا أن نعاود مشاهدتها في كل ظهور. والأمر نفسه ينطبق على التسجيلات التي لا تجذبنا في البداية، لكنها مع الوقت تتغلغل إلينا بشكل أو بآخر فتضطرنا لمشاهدتها ولو باستياء، وأحياناً تترك لدينا تساؤلات قد نرغب في معرفة إجابات لها.

الصوت والصورة
عن تأثير تسجيلات الفيديو القصيرة التي تظهر تباعاً على صفحات التواصل الاجتماعي تحدث الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد الخطابي، وقال إنها تمثل سلطة الصوت والصورة على العقل.
وأوضح أن المقاطع المصورة سواء التي يتم بثها من برامج التلفزيون أو عبر شبكة الإنترنت، لديها قدرة هائلة على إدارة الفكر بالاتجاه الذي يريده صناعها، إذ إن العقل يستوعب ما تأتي به الصورة المتحركة تماماً كما يستوعبه عن طريق الحواس والفكر. وكل هذه الأمور تنتهي عند جملة من القيم والأخلاقيات والفنون. وذكر الدكتور الخطابي أن المعضلة تكمن في المادة التي نشاهدها وما إذا كان لدينا وعي كافٍ للتمييز فيما إذا كانت تنسجم مع مبادئنا أم لا. وأشار إلى أن الشخص العاقل يختار ما يريده ويستمتع به ويرفض الصور التخريبية، والخوف يبقى على فئة صغار السن والمراهقين الذين لا يملكون أدوات التمييز. وهنا يأتي دور الضبط الأسري من داخل البيت ومتابعة ما يشاهده الأطفال دون سن الرشد لأنهم يحتاجون إلى وصاية وإشراف. فإذا كانت سلطة الضبط قوية في البيت، فهنا نضمن أن أبناءنا لن يطلعوا إلا على ما يناسب سنهم وذوقهم ويوسع مداركهم المعرفية والإنسانية. ولفت الدكتور أحمد الخطابي إلى إمكانية الاستفادة بشكل كبير من الإعلام المرئي الموجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي إذا ما أتقن الأهل الاختيار لهم ولأطفالهم، ولا يمكن إنكار حجم مقاطع الفيديو التي تبث قيماً إيجابية ومعظمها مصورة خصيصاً لمواقع الإنترنت بحيث تصل إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين حول العالم.

سلباً أو إيجاباً
وأكد الأخصائي النفسي الدكتور محمد رمضان أن كل ما نشاهده أو نعيشه ضمن يومياتنا يؤثر علينا سلباً أو إيجاباً.
ومقاطع الفيديو المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي جزء من المشاهد والمواقف التي تصادفنا يومياً ولا يمكن تحميلها وحدها كل المسؤولية حول تلون الشخصية.
وقال إن تأثير هذه المواد المصورة قد يكون كبيراً عند فئة معينة من الناس وليس على الجميع. وسواء كانت تدعو إلى الخير والعطاء والمحبة أو إلى الرذيلة والعنف، فهي قد تمر مرور الكرام عند البعض ممن لا يكترثون للأمور الحسية ولا يتعمقون في مضمونها أو يحللون الغاية منها.

ترسيخ المبادئ
أما الدكتورة دوللي حبال استشارية التشخيص ومعالجة الأمراض النفسية في مستشفى يونيفرسال فتحدثت بإيجابية عن تأثير مقاطع الفيديو على يومياتنا ومعتقداتنا.
وقالت إن ليس كل ما نشاهده على شبكة الإنترنت سيئاً، ولا بد من الإشارة إلى الفائدة المعنوية التي تتركها فينا بعض التسجيلات، ولا سيما تلك التي تذكرنا بعمل الخير وتقديم المساعدات للمحتاجين، وكذلك بر الوالدين وقضاء الوقت مع أفراد الأسرة والاهتمام بهم قبل فوات الأوان. وأوضحت أنه بغض النظر عن المواد البشعة التي تطالعنا من وقت إلى آخر عبر الإنترنت، فإن المطلوب التركيز على المواقع القيمة ذات المدلول التوجيهي نفسياً ووجدانياً وفلسفياً، وذلك لأهمية تأثيرها على تصحيح مفاهيم خاطئة أو التذكير بقيم قد نكون نسيناها وسط انشغالات العمل.
وأشارت إلى قدرة هذه المقاطع المصورة على ترسيخ مبادئ جيدة لدى النشء إذا رافقتها جلسات تفسير وإرشاد من قبل الأهل. وهنا تعمل فعل الدروس المدرسية، لكن الفرق أن الفيديوهات أكثر قدرة على التعبير وأكثر سهولة للفهم والتفكر، ومنها مقاطع تمثيلية تقدم عبراً في الحياة والنجاح والإرادة والعطاء والثقة بالنفس والتفكر بعظمة الخالق وتقديم العون للمحتاجين.

نوافذ ومواقف
وفي صفوف الناشطين عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تجتمع الآراء على أهمية مقاطع الفيديو مع تأكيد البعض لكونها تؤثر لا محالة في توجيه الفكر، وأقله أثناء المشاهدة بحيث تصطحب المتفرج إلى نوافذ إما مشرقة وإما قاتمة.
وقال هيثم أحمد الناشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي إنه مدمن على متابعة الأخبار والأحداث من خلال شبكة الإنترنت، ولا يترك مادة مصورة إلا ويشاهدها، وسواء أعجبته أو لم تعجبه يعلق عليها من باب تسجيل موقفه، وذكر أنه على الرغم من إعجابه بالمقاطع التي تبث روح الإيجابية المجتمعية، فإنه يميل أكثر إلى أنواع الفيديو التي تطرح قضايا آنية لها علاقة بالمشاكل المعيشية وهموم الناس في الوطن العربي. ولا ينكر أن بعضها يستفزه ويزيد من غضبه أحياناً كثيرة.
وتحدثت أمينة السعدي عن الأمر بحماس قائلة إن أجمل ما شاهدته من أفلام فيديو قصيرة كان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرت أن معظم المنشور من المواقع المحترمة يصب في خانة تطوير الذات واستثمار العلاقات الجيدة مع الأهل والأصدقاء. وما دون ذلك من مواد مسيئة للدين أو للفكر والأخلاقيات العامة، فهو شأن من يتابعها لأنه يعرف ضمناً أن تأثيرها السلبي سوف يطاله.
الرأي نفسه سجلته شيماء حسين التي تهوى تجميع مقاطع الفيديو الهادفة عبر صفحاتها الإلكترونية، وقالت إنه لا يمكن لشخص بالغ أو طفل صغير يواظب على مشاهدة المواد المؤثرة وجدانياً مما ينشر على «التواصل الاجتماعي» إلا ويطور من سلوكياته الاجتماعية، ولفتت إلى باقة من مقاطع الفيديو القيمة التي ما إن نشاهدها حتى نتذكر تقصيرنا وتدفعنا مع الوقت إلى التغيير الإيجابي.

عبرة في 3 دقائق
من أجمل مقاطع الفيديو التي تم تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عبرة في مفعول العطاء عن قصة حقيقية تروي في 3 دقائق كيف أن رجلاً ساعد طفلاً كان يسرق الدواء لأمه وأوكل إلى ابنته أن تجلب له الطعام. والرجل نفسه عندما شاخ دخل المستشفى ولم تتمكن ابنته من دفع فاتورة العلاج لتفاجأ فيما بعد بأن من سددها كان الطفل البائس، فهو أصبح طبيباً أشرف بالصدفة على علاج الرجل الذي أنقذ أمه يوماً.