دنيا

تناول الطعام.. متعة وليس معركة

خورشيد حرفوش (القاهرة)

يعد صراع القوى الناتج عن ردود فعل الأبوين المبالغ بها لطريقة أكل الطفل نمطاً شائعاً.
وقد يدرك الأطفال، أن الأكل مهم بالنسبة لأبويهم، وأنه غير مهم بالنسبة لهم، وبذا يصبح عدم تناول الطعام وسيلة للتعبير عن رفض سيطرة الكبار. وتفسر الدكتورة رجاء سليمة، أخصائية طب الأطفال، ظاهرة قلة أكل الصغار، موضحة أن «تعبير باستطاعتي أن أفعل ما أشاء قد يأخذ شكل أكل أقل كمية ممكنة من الطعام فقط، وهذا الشكل من التعبير عن الشخصية يزيد احتماله عندما يظهر الأبوان اهتماماً كبيراً بموضوع الأكل، وتزداد مشكلة الأكل تعقيداً في الحالات التي تصبح فيها قلة الأكل وسيلة للتعبير عن الاستقلالية والغضب».
وتؤكد أن الجدال حول قضية الأكل قد يسبب مشكلة مزمنة وأكثر حدة بسبب التوتر الناتج، وهكذا تتشكل حلقة مفرغة، إذ إن جو الأسرة المتوتر لا يساعد على الأكل، وتصبح رغبة الأطفال هي إنهاء الوجبة بأي شكل.
وتتابع أن الأمهات عادة ما يفرضن مفاهيمهن الخاصة عن الحاجات على الطفل ما يمنعه من تطوير وعي حقيقي للجوع، فلا يتعلم هؤلاء الأطفال أن يكونوا أشخاصاً مستقلين لديهم وعي تام لحاجاتهم الجسمية.
وكثيراً ما يشعرون وكأنهم لا يقومون بأي شيء بالشكل الصحيح أبداً، وقد يكونون شديدي الملاحظة للآخرين، ومع ذلك غير واعين لإدراكاتهم الجسدية، وقد يتطور لديهم وعي خاطئ يتعلق بالجوع والشبع.
وتؤكد سليمة أن الآباء الذين يمثلون نموذجاً لقلة الأكل، هم السبب المباشر لسلوك مشابه عند أطفالهم، فالأطفال يقلدون الكبار كأشقائهم، وهناك سبب أقل وضوحاً هو الافتقار إلى إلى التعزيز للأكل المناسب، والأطفال يتعلمون من التعبيرات اللفظية والإشارات غير اللفظية تمييز الجوع والشبع، كما أنهم يتعلمون الشعور ثم القول إنهم تناولوا من الطعام ما يكفي، ولا يدرك بعض الآباء أهمية تأثيرهم في تعليم أطفالهم، وفي تعزيزهم إيجابياً لقيامهم بتناول كميات كافية ومغذية من الطعام.
وحول آلية إكساب الطفل خبرة إيجابية مع الطعام، تقول سليمة «يمكن للأكل أن يكون منذ الولادة، خبرة إيجابية خالية من الصراع، لهذا يجب أن يكون مكان الأكل جذاباً، وهادئاً، ويعطي الطفل مجالاً للأكل بحرية، ومن الأفضل استخدام ملعقة قصيرة مستقيمة مسطحة اليد، يمكن للطفل استخدامها، وفيما بعد يمكنه استخدام شوكة غير حادة الرؤوس، وينبغي وضع الطعام في مستوى المعدة بحيث لا يكون على الطفل الصغير أن يحاول الوصول إليه، بل استخدام مقعد منخفض ذي ظهر مستقيم يريح الطفل».
وتتابع «ينبغي تقديم الأطعمة الصلبة في سن ستة أشهر، وتناول الطعام المتماسك ببعضه لأنه أسهل للأكل من الشوربات، مع مراعاة أن معظم الرضع يستجيبون بشكل أفضل للأطعمة غير الباهرة في البداية، أما الأطعمة ذات المذاقات والروائح والألوان المختلفة فينبغي تقديمها بكميات صغيرة جداً، وأكثر الطرق نجاحا هي أن يتم تقديمها مع الأطعمة التي اعتاد الرضيع أن يحبها، فإذا رفض الطفل الحليب مثلاً يمكن تقديمه له على شكل مهلبية، أو حليب مخفوق».
وتقول سليمة «الأكل ينبغي أن يكون متعة وليس معركة يجبر فيها الأطفال على الأكل، فلا تثر قضية حول الطعام الذي يرفضه الطفل، وإنما استبدل به أطعمة أخرى، إلى جانب
العمل على ألا يصبح الطفل محور الاهتمام بسبب الطعام، وإنما ينبغي تقديمه له بشكل عرضي، ومن دون إلحاح، مع مراعاة أن وقت الطعام غير المتوتر الذي يبعث على الاسترخاء يؤدي إلى عادات أكل جيدة ويمنع تطور المشكلات، فالتحقير والإغاظة أو انتقادات عادات الأكل ينبغي تجنبها».
وبالنسبة للأطفال حديثي الاعتماد على الطعام الجامد، تقول سليمة، إنه يسمح لهم بالتمهل في الأكل، وعلى الراشدين أن يحددوا وقتاً كافياً للأكل، إذ لا ضرورة للاستعجال، لأن إضاعة الوقت واللعب بالطعام يعد أمراً طبيعياً خاصة خلال مرحلة بداية مشي الطفل. ويمكن ترتيب عملية الإطعام بشكل منظم ومرن في الوقت نفسه. كما يمكن التوقف عن الأكل إذا لم يكن لدى الطفل رغبة فيه.
وتتابع أنه «ينبغي ألا يكون أكل جميع ما في الطبق إجبارياً، وألا نقوم بتعزيز الطفل لأنه أكل طعامه، لأن المكافأة تصبح أكثر قيمة، بينما يفقد الطعام نفسه قيمته».

مشاركة وخداع
بحسب الدكتورة رجاء سليمة، اختصاصية طب الأطفال، ينبغي إشراك الأطفال في انتقاء الطعام وإعداده في سن مبكرة. وأن يعطوا حرية الاختيار، وبإمكان الأطفال الصعب إرضاؤهم خلق أشكال متنوعة من الطعام لكي يصبحوا أقل مللاً. والطعام الجديد ينبغي أن يرفق بالأنواع القديمة المفضلة، ويمكن تقديم الخضراوات نيئة مع تغميسة يحبها الصغار. والأطعمة غير المرغوبة يمكن خلطها مع أطعمة مرغوبة فالخضراوات يمكن إعدادها بطرق أكثر تقبلاً من مثل وضعها في فطيرة الدجاج أو كيك الجزر.