الملحق الثقافي

مَغْصُ الروايات

لا شكّ في أنّ الكتابةَ حَدَثٌ بشريٌّ نبيلٌ ومَنْقوصٌ معاً، تتجلّى صورةُ نُبْلِها في كونها مثّلت، منذ ظهورها، آلةَ الإنسان لمَحْوِ المَحْوِ والنِّسيان، وبها استوى عمودُ تاريخه، وأخبَرَ عن أحوال ماضيه، وأصَّلَ حِكمتَه، وفتح بابَ الرمزِ على العالَم. ونحن واجدون في كتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» تأكيدَ القلقشندي قيمةَ الكتابة وقداستَها في قوله إن السّلف قد أطنب في مدح الكتابة والحثّ عليها «فلم يتركوا شأواً لمادح حتّى قال سعيد بن العاص: مَن لم يكتب فيمينُه يُسرى. وقال معن بن زائدة: إذا لم تَكتُب اليَدُ فهي رِجْلٌ. وبالَغَ مكحول فقال: لا دِيَّة ليَدٍ لا تكتُب». ونُلفي صورةَ نقصان الكتابةِ في كونها ظلّت طولَ تاريخها فعلاً محتاجاً إلى فِعلٍ ثانٍ يُكمِّلُ معناه، هو فعل القراءة. ومن ثمّة نزعم أنّ مَن يكتُبُ دون تنبُّهٍ لحركة ما يمور بأُفُق انتظار قارئه من حاجات نفسية وجمالية واجتماعية وأخلاقية يكون كمَن يكتُبُ في الهواءِ، ذلك أنّ أيَّ نصٍّ يظلّ محتاجاً إلى قارئٍ ما ليَمْنحَه ببذخٍ أرستقراطيٍّ قيمتَه الفنيةَ، ألم يقل رولان بارت: «علينا أن نكون قرّاءً أرستقراطيّين»؟

فعل عموميّ
البيِّنُ أن ظروف الاجتماع البشريّ الراهنة ساهمت في جعلِ الكتابةِ فعلاً عُموميّاً، حيث صارت ممارستُها مُشاعَةً بين الناس لا تخضع لإكراه الضريبة على الدخل ولا تُفرَض عليها قوانينُ الخَراج، ولا يستوجِبُ القيامُ بها شهادةً علميةً أو تزكيةً من أصحاب الجاهِ. ولعلّ في هذا اليُسرِ ما دفع كثرةً كثيرةً من المواطنين العرب إلى الانغماس في ممارستها شغفاً بها حينا، ولهواً بكيانها أحياناً أخرى. فظهرت لنا نصوصٌ إبداعيةٌّ راقيةٌ، وأخرى قابلة للقراءة، وظهرت لنا أيضاً نصوصٌ ثالثة لا ترغبُ في أن يقرأها أحدٌ من الآدميين.
ونظراً إلى تربّع الرواية على عرش الشأن الكتابي في هذه الأيام العربية، وظهور روايات مائزة كثيرة تلقّفها القُرّاءُ وسارت بها الرُّكبانُ، سارعت «الأيادي» تهرِشُ جسدَ السردِ هرشاً، بل وتُدْميه إدماءً طمعاً من أصحابها في «دِيّةٍ» نضالية، أو رغبةً منهم في تحصيل فَيْءٍ رمزيٍّ، أو توقاً لديهم إلى ربحٍ جوائزيٍّ. فتزايد بذلك عديدُ الروايات المنشورة وأُقيمت لأغلبها الولائمُ الإعلاميةُ، وصار كُتّابُها نجوماً في قيلولة نهارات «آب اللَهَّاب طبّاخ التّين والعُنَّاب» على حدّ ما يقول أهلُنا بالشّام. والرأي عندنا أنّ حقَّ النجومية في دولة الكتابة حقٌّ مشروعٌ لكلّ مُواطنيها، بل وعلينا أن نُنافَحَ عن ضرورة احترام هذا الحقِّ تاركين للتاريخ ممارسةَ حقِّه في فرز ما يُكتَبُ فرزاً ينهض على دعامة جودة النصوص فنّاً ومضموناً بعيداً عن شبكات علائق أصحابها الشخصية.
ومن صُوَرِ احترامِ الحقّ في النجومية الروائية واجبُ أن نقرأ َرواياتِ كُتّابنا الشبابِ لنُكمِلَ معانيها ونُعرِّفَ بها الإعلامَ الثقافيَ ونَحُضَّ الناسَ على قراءتها متى وجدنا فيها مَلْمَحاً من ملامح الأدبيّة. لأن وجود ذاك الملمَحِ حافزٌ على التخمين أنّ لدى كاتبها بذرةَ إبداعٍ تحتاج إلى منْ يُقوّي عودَها ويساعدها على تطوير نَمائها عبر سبيلِ كشفِ مَوَاطن قوّة الرواية ومواطن ضعفها، علينا أن نفعل ذلك حتى تنهضَ في الكاتب الشابِّ همّتُه، ويُداومَ على فعلِ الكتابة والاطلاعِ على فنونها. وقد يُقبَلُ «الاحتفاءُ» بالروايات الغضّةِ إذا كان ذلك مُحرِّضاً لأصحابها على مزيد تجريب الكتابة الروائية والبحث عن سِرِّها، لأنّ تتبُّعَ عيوب أعمالهم قد يكون بالنسبة إليهم توهيناً لعزائمهم، وقد يُخفي ما فيه من المُحاكمةِ لنواياهم والإدانةِ لاجتهاداتهم.
غير أنّ ما ذكرنا من أمر الحضِّ على قراءة رواياتنا - وإنْ كان فعلاً محموداً وواجبَ الوجود عربياً، وذلك من جهة أن الكتابة الروائية تُمثّل سبيلاً من سُبل ثقافتِنا إلى تفعيل حَراكِها الإبداعي والمساهمة في بناء حضارة الإنسان- لا يجب أن يُلهينا عن حقيقةِ أنّ تزايُدَ الإقبال عليها جعل عَدَداً كبيراً من كِبارِ كُتّاب الرواية العربية مِمَّن ظهرت لهم أعمالٌ عديدة يُسيئون هضمَ خِطابِ التجريب الروائي الذي يتغيَّا أصحابُه الغربيّون تحريرَ الكتابة الروائية من نواميسها الفنية البائدة شرطَ أن يكون الكاتب واعياً بحُدود ذاك التحريرِ، بل ويتقصَّدُه، لا بل ويلوذ به سبيلاً إلى تحقيق الإضافة الإبداعية. وبسببٍ من هذا الهضم السيِّئ لشروط الرواية الجديدة، ازداد المَغْصُ الروائيّ العربيّ، وازدادت معه استِهانةُ رَهْطٍ من الروائيّين بالكتابة واستصغارِ شأنِ ذائقةِ قُرّائهم الجماليةِ، فراحوا يكتبون الروايةَ تلوَ الروايةِ كتابةَ اللَّهْوِ بأوقاتهم الفارغة لا كتابةَ الوعيِ بطبيعة انتظارِ المتلقّي الذي هاجمتْه جحافِلُ القَدامةِ بكلّ عنفها الرمزيّ وباتت تُهدِّدُ وحدةَ كيانِه المُجْتَمعيَّ، فاحتمى منها بالتَّوْقِ إلى التَّجْديدِ في كلّ جَديدِه. وهو تَوْقٌ لم يُدرك هؤلاء الروائيّون حقيقتَه، وظلّوا يُبالغون في تكرار معانيهم وأبْنِيَتِها تكراراً رتيباً ومرذولاً ليس هو من «مَجازات الكلام» التي تحدّث عنها ابن قتيبة وإنما هو «العاملُ الذي يُمزّق الأسلوبَ الجيّدَ ويُحطِّمه» وفق رأي أرسطو، فكان حضورُه في السردِ هَذَراً ممزوجاً بمَذَرٍ يؤكِّدان معاً أنَّ هؤلاء الروائيّين قد كتبوا أعمالَهم بأطراف أرجُلهم وإنْ زعموا أنهم كتبوها بجميع أيديهم.

تكرار
ومن صُورِ ذلك التكرارِ أنّ الروائيَّ يطمئنّ إلى خُطاطةٍ سرديةٍ واحدةٍ، كان قد جرّبها بالصُّدفة فنجحت، ويعتمدها في بناء جُلِّ رواياته، كأنّما هو يتحدّى نباهةَ ذاكرةِ قُرّائه، ويُراهِنُ على نِعمةِ النسيانِ عندهم، حتى صار بالمُستطاعِ تَعَرُّفُ أجواءِ كلّ رواية يكتبها قبل قراءتها، بل قُلْ قبل أن يفكِّرَ في كتابتها، والأمثلةُ في هذا الشأن كثيرة، وسنكتفي منها بتَعْيين مظهر من مظاهر التكرار التي تحكم تجربةَ الروائي النجم واسيني الأعرج الكتابيةَ، إذْ تكشف جلّ رواياته ومنها رواياتُ «أُنثى السراب» و«أصابع لوليتا» و«مصرع أحلام مريم الوديعة» عن كونها مبنيةً جميعَها على منوال حكائي ثابتٍ تحضر فيه شخصيّةُ امرأة مُغرَمة بالفنِّ ومُتحرِّرة من إكراهات بيئتها الاجتماعية والأخلاقية (ليلى- نوّة- مريم)، ثم هي تُحبُّ رجُلاً مثقَّفاً له شَبَه بجَدّه الأندلسيّ، ويعيش في المنفى بسبب تهديده بالقتل من قبل المتطرّفين في بلاده (وهو ما يُحيل على سيرة الكاتب ذاته)، وتدور أغلب أحداث غرامهما في عواصم أجنبية، وتنعقد ثيماتُ الرواية على تسريد ثالوث العنف والحب والمنفى بلغةٍ إنشائيةٍ كثيرةِ الشحمِ.
والجليُّ في مثل هذا التكرار أنه ينبئُ بكون الروائيّين الذين يتكئون عليه للإكثار من عددِ رواياتهم إنّما هم يُخفون به نضوبَ طاقة التخييل لديهم. فلا يُنهي الواحدُ منّا قراءةَ الصفحاتِ الأولى من كلّ رواية حتى يُدركَ أن صاحبَها يَخْبِط الكتابةَ خَبْطَ أعْشَى، حيث يكونُ بالمستطاع ترحيلُ فقرة من صفحة ما إلى صفحة أخرى بعيدةٍ عنها دون أن يحدث خللٌ في سياق السرد سوى الإحساسِ بأنّ مكتوبَ الروائيّ لا يَعني قارئَه، ولا يرغبُ فيه، بل هو لا يزيد عن كونه فساداً تخييليّاً وإفساداً لغويّاً مَحْمولَيْن في هذيانات لفظيّةٍ مُسْتَشْريةٍ في مئات الصفحات كما لو أنها أضغاثُ أوهامٍ لا خير للقُرّاءِ فيها.
وتبقى سلامةُ اللغة معضلةَ الروائيّين إلاّ قلّة مِمَّن رَحِمَ ربُّك. فإذا كان يصعب علينا الإيفاءُ في ما نكتب بكل شروط لغتنا العربية، فمن واجب الروائيّ، بوصفه كائناً يشتغل في حقل اللغة، أن يُخفِّفَ نصَّه من أخطاءِ لغتِه حتى لا يُفسدَ لغةَ قرّائه، لأنّ الملاحظةَ تُفيد أنّ كثرةً من رواياتنا مليئةٌ بأخطاء اللغة إلى الحدِّ الذي يجوز فيه القول إنّ أصحابَها يُمْعِنون في تَخْطِئة اللّغةِ وتهشيمِ منطِقِها بكلّ ما عندهم من رغبةٍ جامحةٍ في إفسادِها.

الحق في النجومية
من صُوَرِ احترامِ الحقّ في النجومية الروائية واجبُ أن نقرأ َرواياتِ كُتّابنا الشبابِ لنُكمِلَ معانيها ونُعرِّفَ بها الإعلامَ الثقافيَ ونَحُضَّ الناسَ على قراءتها متى وجدنا فيها مَلْمَحًا من ملامح الأدبيّة. لأن وجود ذاك الملمَحِ حافزٌ على التخمين أنّ لدى كاتبها بذرةَ إبداعٍ تحتاج إلى منْ يُقوّي عودَها ويساعدها على تطوير نَمائها عبر سبيلِ كشفِ مَوَاطن قوّة الرواية ومواطن ضعفها، علينا أن نفعل ذلك حتى تنهضَ في الكاتب الشابِّ همّتُه، ويُداومَ على فعلِ الكتابة والاطلاعِ على فنونها.

فَيْء رمزي
نظرا إلى تربّع الرواية على عرش الشأن الكتابي في هذه الأيام العربية، وظهور روايات مائزة كثيرة تلقّفها القُرّاءُ، وسارت بها الرُّكبانُ، سارعت «الأيادي» تهرِشُ جسدَ السردِ هرشًا، بل وتُدْميه إدماءً طمعًا من أصحابها في «دِيّةٍ» نضالية، أو رغبةً منهم في تحصيل فَيْءٍ رمزيٍّ، أو توقًا لديهم إلى ربحٍ جوائزيٍّ.