الملحق الثقافي

ابنُ أبي آدم

فوقَ جدارِ الخوفِ يسيرُ القطُّ بلا صوتٍ

والنوقُ المخنوقةُ بالشوقِ على جمرِ الصحراءِ،
تسيرُ بلا حادي.

والقولُ الفصلُ
بما يقترفُ النملُ
من الأحلامِ،
بمقبرةِ الحيِّ،
لأصحابِ الحلّ وأصحابِ العَقْدِ
من المقبورينَ بها.

«قُلْ شعراً أو فاصْمُتْ» قالوا،

فَصَمَتُّ ..

لعلّيَ بالصمتِ، كما يصلُ القِطُّ إلى مأربِهِ
فوق جدارِ الخوفِ بلا صوتٍ، أصِلُ.

أو علّي كالنوقِ المخنوقةِ بالشوقِ
أُحرّضُ رملَ الصحراءِ على الصحراءْ.

ما جدوى الوردِ بروضٍ طوّقهُ البصَلُ؟

ما جدوى أنْ تَهرِقَ من عينيكَ
على هذا الجَدْبِ الماءْ؟

كم كنتَ سوِيّاً يا هذا،
وغبِيّاً،
لمّا أسرَرْتَ بأعلى صوتِكَ
في سمْعِ الدّهماءْ!

كم كُنتَ شقيّاً
يومَ جَرَيْتَ بهذا القلبِ الأبيضِ
في الطُّرُقِ السّوداءِ
لترفَعَ عنها الحُزنَ،
وما ابْيَضّتْ،
لكنكَ عُدتَ حزيناً ..

كم كُنتَ
وكم كُنتَ
وكم كُنتَ
وما جدوى ما كُنتْ؟

ها إنكَ تعتزِلُ العالمَ
أو يعزِلُكَ العالمُ ..
تسمعُ أخبارَ المنذورينَ ليومِ النحرِ الأكبرِ
ثم تنامُ بلا عينينْ.

علَقْتَ الروحَ هناكَ
على جذعٍ تقصُدُهُ الأرواحُ
إذا ضاقَ بها جسدُ الأرضِ

وألقيتَ بحِمْلِكَ بين الجُدرانِ الرّطبةِ
تقرأُ قصّةَ أهلِ الكهفِ وحيداً ..

يا أهلَ الكهفِ ..
ويرتَدُّ صداكَ،
فأهلُ الكهفِ نيامٌ حينَ ينامونَ
نيامٌ حينَ يموتونَ
نيامٌ حينَ يفيقونَ من النومِ ويقتتلونْ.

يا أهلَ الكهفِ ..
وما عاد الكهفُ لأربعةٍ خامسُهُم كلبٌ
هذا العالمُ كهفٌ،

يسكنهُ العالِمُ
والجاهلُ
والعاقِلُ
والمجنونْ.

هذا العالمُ عافِيَةٌ تتمارضُ حتى تمرضَ
من فرْطِ التّرَفِ الفِكرِيِّ،

وتوجِدُ في كُلّ صحيحٍ فاجِعَةً
ولِكُلِّ دواءٍ طاعونْ.

ما أوسعَ أرضُ اللهِ
ففيمَ الزحمةُ؟!

كيف تداعى الناسُ على الناسِ،
وأوغَلَ كُلٌّ في لَحمِ أخيهِ؟

يا ابنَ أبي آدمَ
حينَ بسطتَ يدَ الموتِ إلَيّ
بسطتُ يدَ الصّفحِ إليكَ
فقُلتَ «لقد جُنّ أخي»
وظَنَنْتَ بأني أتظاهَرُ بالفضلِ عليكَ
فبالَغتَ بقتلي ..

يا ابنَ أبي
ما كانَ لِأُمّكَ غيري،
يفرِشُ دربَ الحِلْمِ بأزهارِ الحبّ
لرجليكَ الحافيتين إذا عُدتَ إليها ..

كيفَ ستلقاها،
ودمي ما زالَ يُخضّبُ كفّيكَ؟

وماذا ستقولُ لها إنْ سأَلَتْ عنّي؟

أتُراكَ ستُصدِقُها القولَ؟
أمْ أنّكَ سوف تقولُ :
«هو الذئبُ الغادِرُ يا أمّاهُ»

أنا لا أخشى الموتَ
ولكنّي،
أخشى أنْ تصغُرَ في عينيها ..

يا ابنَ أبي
أخرِجْ من أرضِكَ حياتِ النارِ
ومن قلبِكَ ما يُشبِهُها ..

النارُ إذا اشتَعَلَتْ،
لن تترُكَ حبلاً للعودةِ
والنارُ تجُرّ النارْ.

يا ابنَ أبي آدمَ
قِفْ حيثُ أنا الآنَ
بعيداً
كي تُبصِرَ ما أُبصِرُ
تسمعَ ما أسمعُ

واصْمُتْ
حتى يتّضِحَ المشهدُ
والرملُ المتطايرُ يسكنُ في الأرضِ
وكلُّ مُسيلمةٍ يأخُذُ موقعهُ ..

أتُراكَ رأيتَ الآنَ؟
عَرَفْتَ الآنَ؟

علِمتَ، لماذا (فوقَ جدارِ الخوفِ يسيرُ القِطُّ بلا صوتٍ)
والنوقُ المخنوقةُ بالشوقِ على جمرِ الصحراءِ،
تسيرُ بلا حادي؟

ها إني الآنَ أرى البسمةَ في عينيكَ
تدُبُّ إلى قلبي
وكأنّي أعرُفُكَ اليومَ
كأنكَ يا ابنَ أبي ما جِئتَ لقتلي ..

14/‏12/‏2015م