الملحق الثقافي

لغة دبي.. السابعة

134 فيلماً من ستين بلداً هي حصيلة عروض مهرجان دبي السينمائي في دورته الـ 12، ولم يخل هذا المؤشر العددي الوافر من تميز أيضاً على مستوى الانتقاء الفني لنوعية وطبيعة الأفلام التي قدمها المهرجان لجمهوره، الذي عبّر هو الآخر عن تنوع ملحوظ في ذوقه ومرجعيته وسط مدينة حيّة ونابضة وديناميكية على الدوام مثل
مدينة دبي.

لعل اختيار إدارة المهرجان لعنوان شاسع في مدلوله البصري، وهو: «مشاهد بلا حدود» كـ ثيمة وهوية لدورته الأخيرة التي انطلقت في التاسع من شهر ديسمبر الجاري واستمرت ثمانية أيام، هو اختيار يستند على جملة معطيات أهمها تحوّل المهرجان نفسه إلى عنصر جذب سياحي وثقافي وفني، وجدنا أثره في التوافد الكبير على فعاليات المهرجان من قبل صناع الأفلام والمنتجين والإعلاميين والموزعين والتقنيين والمشتغلين بالملتيميديا. إضافة إلى وجود فضاء تنافسي مشوّق بين الأفلام الإماراتية والخليجية والعربية في مسابقات «المهر»، ورغبة مخرجي هذه الأفلام في حصد جوائز اعتبارية تضعهم على العتبة الصلبة للشهرة والتحدي والاستمرار في هذه المغامرة الإبداعية المحفوفة بالصعوبات والمتعة وتحقيق الذات أيضاً، وعلينا أن نسجل هنا نقطة تستحق الذكر، وهي اتساع حجم سوق دبي السينمائي هذا العام، وازدياد مبادراته التشجيعية لصناع الأفلام، لتكتمل صورة المهرجان كأهم وأضخم حدث سينمائي في المنطقة العربية، وفي الشرق الأوسط عموماً.
إن تحقيق التوازن في المعادلة الصعبة للعروض المخصصة في أي مهرجان والرغبة في تشجيع المواهب الواعدة في ظل التطورات التي تشهدها صناعة السينما، يلخصه تصريح رئيس مهرجان دبي السينمائي عبدالحميد جمعة في ختام الحدث عندما قال: «لقد نجحنا على مر الأيام الثمانية للمهرجان في توفير منصة سينمائية جمعت بين الأفراد من مختلف التوجهات والثقافات واستقطبت المهتمين بصناعة السينما من كل أرجاء العالم، لقد جاء مهرجان هذا العام ليروي لنا قصصاً عن الحب والعائلة والحرب والحزن والعزلة والموسيقى والسعادة التي تمتد من أميركا الجنوبية إلى أقاصي الشرق، ومن منطقة الشرق الأوسط إلى آخر دولة اسكندنافية».
ويركّز جمعة على أهمية التجارب المحلية والعربية عندما يشير إلى مواكبة أفلام المهرجان لمسيرة التطور المستمرة التي يحققها قطاع السينما في المنطقة، مؤكداً تحول مهرجان دبي إلى واحد من أبرز المهرجانات السينمائية المرموقة في العالم، قائلاً: «سنواصل مسيرة دعمنا لتنمية المواهب الناشئة محلياً وعربياً، وكلنا أمل أن تشهد صناعة الأفلام في هذه المنطقة نجاحاً لافتاً في المستقبل».

سيرة الماء وصورة الجنة
سجّلت السينما الإماراتية في المهرجان حضوراً لافتاً عززه الكم الجيد من الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة والأخرى القصيرة، وظهور أسماء جديدة قدمت مفاجآت غير متوقعة على مستوى التوليف البصري والجهد الإخراجي والوعي الفني بجانبيه التقني والموضوعي، ويمكن الإشارة هنا وبقوة إلى أسماء أكدت على تميزها مثل: ناصر الظاهري، وماجد الأنصاري، وحميد السويدي، ونهلة الفهد، وآمنة النويس،إضافة إلى سعيد سالمين المري الذي سبق له المشاركة في المهرجان من خلال أفلامه القصيرة، إلا أن عودته هذه المرة بفيلم روائي طويل يستعيد مفردات الطفولة وينتمي لأفلام الطريق، وهو فيلم (ساير الجنة) وضعته في منطقة أكثر وضوحاً وانتماء للمناخ الاحترافي والجدي المرتبط بصناعة السينما الناهضة في المكان.
في فيلمه التسجيلي الطويل، والأول له في هذا الحقل الإبداعي والتوثيقي الخاص، قدم الكاتب والروائي والمصوّر ناصر الظاهري في شريط بصري يمتد ثلاث ساعات بعنوان: «في سيرة الماء والنخل والأهل» مشهديات متوارية في الذاكرة الشعبية، ومسكونة أيضا بوجع الشوق ورحلة التوق إلى الأيام البائدة زمنياً، والحية والنابضة وجدانيا، يمزج الظاهري في ثلاثيته المتناغمة والمتخمة بالنوستالجيا العذبة: سيرته الذاتية مع سيرة الأمكنة في البيئات الإماراتية المختلفة وخصوصاً لدى أهل البحر وأهل الجبل، عندما كان إنسان هذه الأرض يستنبط الأسماء ويكتشفها ويمنحها دفقاً من الروح والمعرفة والحياة، لأن ما يستهلكه كان من صنع يديه ومن رحيق تعبه وكده ومهنته اللصيقة بعطايا الطبيعة من حوله، يرتحل فيلم الظاهري في أقاليم الماء والنخل والذات، ويأتينا ببضاعة لامعة من ذهب الحكاية وكنز الرواية، تلك الرواية المورقة في أرشيفات الحنين لدى كبار السن في مدينته الأثيرة وفردوس طفولته: «العين»، والحال ذاته يتكرر مع مرويات الشحوح وأهازيجهم المدويّة في كهوف الليل والوحشة والغياب، مروراً بالمزارعين والبحارة والصيادين، وباسقات النخل، وشامخات الإبل، وطقوس الزار، واحتفالات المولد النبوي، واجتماع المتصوفة على إيقاع النشوة وأجراس السماء، يقدم الظاهري كل هذه الأصداء التراثية واللقى البصرية والتباريح الذهنية كحصاد مبهج لجهد بحثي شاق، وتوليف بصري مرهف، يتقاطع شعرياً مع كاميرا موغلة في المعنى وقادرة على أنسنة التفاصيل، ومونتاج ذكي يوظف طاقة الذاكرة وثراءها، وموسيقى تبعث الشجن من مرقده السحيق، فيلم: «في سيرة الماء والنخل والأهل» حاز جائزة أفضل مخرج في مسابقة المهر الإماراتي، وهي جائزة لن تكون بنت مصادفة أو اكتشاف لحظي لموهبة سينمائية جديدة في الساحة المحلية، بل هي نتاج لتراكم معرفي وثقافي هائل ومتنوع أسس له ناصر الظاهري منذ سنوات بعيدة، وكانت جزءاً أصيلاً وممتداً في تجربته الإبداعية والإنسانية عموماً.
وفي مجال الفيلم الروائي الطويل برز اسم المخرجين الإماراتيين ماجد الأنصاري وحميد السويدي، الأول قدم فيلمه «زنزانة» في إطار يجمع بين التشويق والإثارة والرعب، وسط لعبة بصرية ونفسية ضارية، وإيقاعات متوترة تترجم النقلات العنيفة والمفاجئة في مشاهد الفيلم، التي تدور أحداثها حصراً وسط زنزانة تلخص ميراث الفساد والديكتاتورية والاستلاب، في مكان ما من هذا الوطن العربي المبتلى بالفوضى والعبث والطغيان.
أما حميد السويدي فقدم في عمله الطويل الأول بعنوان: «عبدالله» حكاية مصاغة بأسلوب واقعي، يتناول محطات ذاتية واجتماعية يتجاوزها الشاب عبدالله العاشق للموسيقى والباحث عن خلاصه وحريته وسط محيط خانق وضاغط، يضطره إلى كسر العديد من التابوهات الملموسة والافتراضية، كي يشعر باستقلاليته وانفراده بقراره الشخصي بعيدا عن الإملاءات والوصايا والشروط الملزمة.
في العمل الفائز بجائزة أفضل فيلم بمسابقة المهر الإماراتي وهو فيلم (ساير الجنة) يعيد المخرج سعيد سالمين المري اكتشاف قدراته الإبداعية التي لم تظهر بشكل جليّ وملموس في فيلمه الطويل الأول (ثوب الشمس) والذي عانى من مشاكل عدة على مستوى البناء السردي والأداء التمثيلي والمعالجة الإخراجية، في فيلم سالمين الجديد غاب الكثير من هذه المشاكل، وبدا السيناريو أكثر تماسكاً وانتباهاً للتفصيلات الجمالية حول حكاية طفل يبحث عن تعويض عاطفي من خلال جدته البعيدة عنه، يقرر الطفل سلطان مع صديقه الدخول في مغامرة حسية ونفسية تشهد انتكاسات ظاهرة ونجاحات خفية طوال رحلتهم الشاقة من أبوظبي حيث يقيمان، وصولاً إلى الفجيرة حيث تسكن جدة سلطان، أما نهاية الفيلم المفتوحة على احتمالات وتأويلات عدة، فأضفت على المشهد الختامي لمسة إنسانية تتقاطع مع تأثيرات الأزمة العائلية والاجتماعية في كل زمان ومكان.
لم تخل هذه الأفلام الإماراتية التي قدمها مهرجان دبي لجمهوره من تحدٍ تقني وشغل احترافي وبصمة إخراجية خاصة بكل مخرج على حدة، كما قدمت هذه الأفلام مؤشرات مبهجة لولادة جيل سينمائي واعٍ ومتمكن، يضمن للسينما المحلية رصيداً قادماً من التجارب المتميزة في طرحها وأسلوبها وخطابها الفني.
رهان السينما العربية
يقول مسعود أمر الله آل علي المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي: «صحيح أننا مهرجان سينمائي دولي، ولكن قلوبنا عربية».
هذا الهوى العربي الذي يشير إليه أمر لله بوضوح، كان لصيقاً بهاجس ومطلب المهرجان منذ انطلاقته في العام 2004 من خلال توفير مظلة دعم مادي ولوجيستي لمشاريع المخرجين العرب سواء كانوا في بلدانهم أو في المهجر، وعاماً تلو الآخر من عمر هذا المهرجان الطموح، يتكشف لنا حجم الإنجازات التي ساهمت في انتشار الفيلم العربي دولياً، ووصول بعضها إلى قوائم الترشيحات والمنافسة في مهرجانات عريقة، ومناسبات سينمائية كبرى مثل حفل توزيع جوائز الأوسكار، ولا ننسى هنا فيلمي المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد «الجنة الآن» 2005 وفيلم «عمر» 2013 اللذين حظيا بصيت دولي وإشادات نقدية وترشيحات لجوائز عالمية.
كان مهرجان دبي هو أساس ومنطلق هذه الأفلام العربية النوعية، وذات الحس الفني العالي لتخترق حواجز وصعوبات مادية وإنتاجية عديدة، وتصل إلى شاشات عريقة في كان وبرلين وفينسيا وتورنتو من خلال صندوق «إنجاز» في سوق دبي السينمائي، الذي قدم الدعم لأكثر من 100 فيلم محلي وعربي منذ تأسيسه في العام 2009 ونذكر من هذه الأفلام التي عرضها المهرجان في دورته الحالية: «يا طير الطاير» لهاني أبو أسعد، وفيلم «على حلّة عيني» للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، الذي حصد جائزة أفضل فيلم في مسابقة المهر العربي هذا العام، وأخيرا فيلم «3000 ليلة» للمخرجة الفلسطينية مي مصري.
يتناول فيلم يا طير الطاير قصة صعود المطرب محمد عساف الفائز بلقب «آراب آيدول» أو محبوب العرب في البرنامج الترفيهي الشهير، انطلاقاً من معاناته الشخصية في مدينة غزة الموبوءة بالحصار والخوف والقلق، وصولا إلى القاهرة حيث تقام تجارب الأداء في البرنامج، لتتغير حياته بعد هذه التجربة الصعبة والنقلة الهائلة، ويمنح الناس الذين لا صوت لهم ــ كما يشير الفيلم ــ أعظم شعور على الإطلاق: الحب والتواصل وامتلاك الحرية.
أما فيلم «على حلّة عيني» فيتطرق إلى حكاية الفتاة التونسية فرح التي تنضم إلى فرقة موسيقية ذات خط سياسي معارض، وذلك في صيف العام 2010 وقبل اندلاع الثورة ببضعة أشهر، تعيش فرح أجواء الغناء والنشوة الذاتية والكلمات الحالمة بالتغيير، وتقاوم هي وفرقتها كل الضغوطات والإجراءات التعسفية للسلطة الحاكمة قبل الثورة.
ويناقش فيلم «3000 ليلة» لمي المصري حكاية المدرسة الفلسطينية ليال التي تعتقلها السلطات الإسرائيلية وتحكم عليها بالسجن ثمانية أعوام، تضع ليال مولودها في السجن، وتتفتح بعدها مسارات جديدة في الفيلم عندما تبدأ بطلة الفيلم باستعادة حسها المتمرد على الظلم، وتقرر مع سجينات فلسطينيات أخريات الإضراب عن الطعام احتجاجاً على تدهور أوضاعهن في سجون الاحتلال.
ومن الأفلام العربية التي يمكن الإشارة إليها في برنامجي «مسابقة المهر العربي الطويل» و«ليال عربية» ضمن فعاليات المهرجان المهتمة بتسليط الضوء على التجارب الفيلمية العربية الرصينة، يبرز فيلم «حكاية الليالي السود» للمخرج الفرنسي من أصول جزائرية سالم الإبراهيمي الذي يقتبس من رواية بذات العنوان للكاتب أرزقي ملّال ملابسات قصة مروعة لعائلة جزائرية عاشت أحداثاً شائكة في مكان يسيطر عليه العنف وتتناهشه السلوكيات الهمجية والبشعة للجماعات المتطرفة، من خلال سرد عذابات ياسمينة ونور الدين المحكومان بسلطة عائلية مغلقة، وسلطة خارجية لا تملك سوى أدوات الرعب والإرهاب الممنهج.
ومن المغرب قدم المخرج هشام العسري فيلمه «جوّع كلبك» ليكمل به ثلاثية الكلاب التي بدأها بفيلم: «هم الكلاب» 2011 ثم «البحر من ورائكم» 2014 ليختتمها بمتواليات بصرية تتساقط في فيلمه الجديد مثل أحجار الدومينو لتكشف ضمن اعترافات ذاتية ومونولوج استعادي لرجل أمن سابق، عن كمية العنف والجنون والفساد التي عصفت ببلده خلال حقبة داكنة ومريرة، يعرضها العسري هنا بكامل قبحها، ومن خلال كاميرا تخترق المناطق المحظورة بالمناورة في منطقة الهذيان ومرة، وباقتحام الواقع الشرس مرات أخرى، وهو واقع سيعرضه الفيلم في إطار يتجاوز المساحة الملغومة بالهلوسات والكوابيس، وبمراحل متقدمة.
ومن التجارب المهمة التي عرضها المهرجان ضمن عروضه الافتتاحية في برنامج سينما العالم، فيلم التحريك: «بلال» في عمل إخراجي مشترك بين السعودي أيمن جمال والباكستاني خورام علافي، لينسجا حكاية طفولة وإسلام الصحابي بلال بن رباح، ضمن سرد بصري معتنى به جيدا يتتبع سيرة بلال الذي يختطف من مرابع الصبا، ويتم جلبه إلى الجزيرة العربية زمن الجاهلية والعبودية، ليتمرد بعدها على هذا الواقع الإقصائي ويعبر عن شجاعته وشخصيته الحرة في مناخ جديد ومشرق بتعاليمه السماوية والإنسانية القائمة على العدل والمساواة والأخوة البشرية.

يعيد سعيد سالمين في فيلم «ساير الجنة» اكتشاف قدراته الإبداعية حيث السيناريو أكثر تماسكاً وانتباهاً للتفصيلات الجمالية

نجحنا في توفير منصَّة سينمائية جمعت مختلف التوجهات والثقافات واستقطبت المهتمين بصناعة السينما من كافة أرجاء العالم
عبد الحميد جمعة

نوستالجيا
في فيلمه التسجيلي الطويل والأول له في هذا الحقل الإبداعي والتوثيقي الخاص، قدم الكاتب والروائي والمصوّر ناصر الظاهري في شريط بصري يمتد لثلاث ساعات بعنوان: «في سيرة الماء والنخل والأهل» مشهديات متوارية في الذاكرة الشعبية، ومسكونة أيضا بوجع الشوق ورحلة التوق إلى الأيام البائدة زمنياً، والحية والنابضة وجدانيا، يمزج الظاهري في ثلاثيته المتناغمة والمتخمة بالنوستالجيا العذبة: سيرته الذاتية مع سيرة الأمكنة في البيئات الإماراتية المختلفة وخصوصا لدى أهل البحر وأهل الجبل.

صحيح أننا مهرجان سينمائي دولي، ولكن قلوبنا عربية
مسعود أمر الله آل علي

الأفلام الإماراتية قدمت مؤشرات مبهجة لولادة جيل سينمائي واع ومتمكن يضمن للسينما المحلية رصيداً قادماً من التجارب المتميزة في طرحها وأسلوبها وخطابها الفني