الملحق الثقافي

الذئب بين أَدَبَيْنْ

في كتاب «بلاغة الغرب» باقة من الأدب الفرنسي من القرن التاسع عشر- باستثناء كورنيل وراسين- نقلها إلى العربية الأديب محمد كامل حجاج. وعندما يختار الناقل نصوصاً غربية فلا بد أن يتوخى فيها الجدة والطرافة، بحيث يرى القارئ العربي التطورات الجديدة التي طرأت على الأدب الغربي، الذي ورث التراث اليوناني/‏ الروماني، ولم يقف عنده، فبعد أن دمره في العصور الوسطى، عاد إليه في عصر النهضة وفي العصور الحديثة.

أشار الناقل إلى أهمية النصوص المنتقاة بقوله في المقدمة: «وبعد، فهذه نُخَب أقتطفها من معجز بلاغة الغرب، لنرى معشرَ العرب ما أحرزه الغربيون من قصبات السَّبق في مضمار التحرير والإنشاء، وما لهم من سلامة الذوق وحسن التعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة» [التأكيد منا].

غيرة عربية
لا نشك في نبل عاطفة الناقل، فمقدمته تبدي غيرة عربية حتى لا يتخلف قومه العرب عن الغرب في الشعر والنثر، ولكنه يقرّ سلفاً أنهم متخلفون في «سلامة الذوق وحسن التعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة». وهذا كلام صحيح في حال قارنا بين شاعر غربي مفلق وشاعر عربي مخفق، مع مراعاة معطيات البيئة والتراث. لكن الناقل يتخذ موقفاً مسبقاً وهو يحكم بالمجمل على المجمل: الغربي والعربي، وينتهي إلى أن في بلاغة الغرب شيئاً معجزاً يقتطف لنا منه، ليكون مثالاً لما أحرزه الغرب من تقدم على الأدب العربي. وهذا حكم صادم لمن يعتقد من باب آخر أن في الأدب العربي شيئاً معجزاً لا نعثر على أمثاله في غيره. والحكمان صادقان إذا أخِذ كل أدب على حدة، أما الناقل فإنه ينطلق على ما يبدو من قناعة أكثر مما ينطلق من مقارنة بين الأدبين. وهذه القناعة تنمو بهدوء وتتسلل إلى النفس مثل أفعى التبن، من دون ضجيج، إلى أن يصبح صاحب القناعة مؤمناً أن أدب قومه متخلف جداً عن الأدب الغربي الذي بهره. وهذا داء أصيب به الكثيرون من العرب المشتغلين بالأدب والنقد الأدبي، حيث يبدأ النفور من الأدب العربي بالدهشة التي يحدثها فيه الأدب الغربي، وكلما أوغل في الاطلاع على الأدب الغربي تغيّرت رؤيته للأدب العربي، واعتبره متخلفاً ليس له «سلامة ذوق وحسن تعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة». وينتهي الأمر به إلى التسليم بالمركزية الأوروبية في الأدب، كما سلّم غيره بالمركزية الأوروبية في الاقتصاد والسياسة والفكر والفن والفلسفة... وفي كل شيء تقريباً، ولا يبقى أمام الشرق سوى الكدّ للحاق بالنماذج الغربية، وهي نماذج تتغيّر باستمرار، فالمعركة التي دارت بين سلامة موسى ومصطفى صادق الرافعي حول القبعة والطربوش تبدو في هذه الأيام سخيفة، ولا نظن أحداً يمكن أن يشارك فيها أو يقتنع بما ساقه هذا الطرف أو الآخر من براهين. ويصرح الناقل الكريم بوضوح عما ينفره من الأدب العربي في وصفه الأدب الغربي فيقول: «يقع شعرهم ونثرهم على الآذان كنغمات الموسيقى بما يشجي السامع من: رقة الوصف، وسلاسة التركيب، وأوانس الألفاظ، وغرر البيان، وبعد الكلام عما تعقد من المعاني، وخلوه من الخياليات المتشعبة والتنقل فيها بما يذهب بالسامع كل مذهب، فيركب متن الشطط، ويصعب عليه الفهم، فلذلك يعقله الفكر لأول وهلة دون إمعان وإجهاد قريحة» [التأكيد منا]. فكأنه يقارن بين أدب الغرب في القرن التاسع عشر وأدب العرب في الجاهلية، وإلا فإن كلامه لا ينطبق على الشعر العربي اليوم، فلا أحمد شوقي ولا خليل مطران ولا إبراهيم طوقان ولا عمر أبو ريشة ولا نزار قباني... الخ، تنطبق عليهم هذه الأحكام.

أحكام عامة
أطلق أحكاماً عامة، على زمنين مختلفين: الأول القرن التاسع عشر الأوروبي، والثاني العصر الوسيط العربي. وفي هذه الحالة يكون اللجوء إلى النقاد العرب، من قدامى وجدد، غير مستحب. ولكن اللجوء إلى المستشرقين، شهادة وثيقة وحجة دامغة.
لا نجد مستشرقاً، من أي جنسية ينكر أن «الشعر العذري» ظاهرة لا مثيل لها في آداب العالم، والكتب التي خصصت دراساتها لهذا الشعر كثيرة جداً، لا نجد في أي منها أي مأخذ على روعة هذا الشعر وتفرده دون بقية الآداب. ولو أخذنا أي شاعر فيه شيء مما أخذه الناقل الكريم على الأدب العربي، كذي الرمة أو كثيّر عزة أو ابن الدمينة أو العباس بن الأحنف مثلاً، وهما موغلان في اختيار الألفاظ القديمة والأسلوب التقليدي، لما وجدنا المستشرقين يستثنون أياً منهم، بل بالعكس، فإن الإعجاب بهذا الشعر العذري يشمل الجميع بلا استثناء.
ولا نظن أن حماسة المستشرقين للشعر العذري تقلّ عن حماستهم للشعر الصوفي، ولكل التيار الصوفي في الأدب العربي، فهو تيار فريد من نوعه لم يعرفه أدب الغرب، ولا وصلوا إلى ما وصل إليه الصوفيون من خرق بين العالمين الأرضي والسماوي. وبلغ إعجاب المستشرقين درجة أن رسائل التخرج الجامعية في إحدى جامعات إسبانيا كانت عن ابن عربي أكثر من أي شاعر آخر، عربياً كان أو غير عربي. ولم يدع المستشرقون علماً من أعلام الصوفية إلا درسوه، إما مع غيره من المتصوفين، أو أفردوا له سفراً خاصاً.
أما الاستهلال الشعري في الجاهلية، أي الوقوف على الأطلال، فما يزال حتى اليوم الشغل الشاغل للمستشرقين، يجهدون للوصول إلى تفسير مقنع لهذا الوقوف على الدوارس، التي لم يبق منها إلا الشيء اليسير، فيثير على قلته مكمن عاطفة موروثة في سياق تراث فني عريق.
ظواهر كثيرة لا مجال للحديث عنها في هذه الفسحة الضيقة كخمريات الشعر العربي والفخر الفروسي الذي استمر حتى أيام صفي الدين الحلي، بل ظلت بقاياه تطل حتى أواسط القرن العشرين.

مقارنة
هناك أشياء لم يتريث عندها الشعر العربي كالغابة والأدغال والأنهار والبحار... إلى أن ظهر الشعر الأندلسي فعوّض ما فات. فالمقارنة تكون في المشترك بين الأدبين، أو في التوجه العام، حتى لو كانا من زمنين متباعدين كل التباعد، فالأدب كبقية الفنون خارق للزمن أكثر من صاروخ نسبية أينشتاين. وقد وجدنا موضوعاً مشتركاً بين الأدبين وهو الذئب، فقد عرض الناقل الكريم قصيدة الشاعر الفرنسي ألفريد ديفيني عن الذئب بترجمة نثرية دقيقة. وخلاصة قصتها أن كوكبة من الصيادين خرجوا مع كلابهم يقصدون مرتعة للصيد في أكناف غابة، فانسحبت الذئبة بجرائها إلى وكن تحميه، وانبرى زوجها الذئب للتصدي، ولقي مصرعه، من غير أن يهرب أو يتراجع أو يتحرك عن المدخل قيد شعرة، فنفق من غير أن يسمعوا منه عواء أو صرخة غضب أو تنهيدة ألم. ويعلق ديفيني على ذلك بأنه أنبل من الإنسان في هذا الموت الفريد من نوعه.
يبدو الموقف مفتعلاً، وهذا حق للشاعر أن يفتعل الموقف الذي يريد، للوصول إلى الخاتمة التي تُكبر الذئب وتدين الإنسان. ومهما قلنا في هذا الموقف فإنه مختلق، أو لنقل إنه مستغل، للوصول إلى الهدف الأدبي الذي يسعى إليه ديفيني. أما في الأدب العربي فالنظرة الواقعية المعتدلة هي السائدة والمسيطرة، كما في الأدب اليوناني، فالذئب يعيش في جوار هؤلاء الرعاة دائماً، فالعلاقة متواصلة، وفي كل يوم يصادف أحدهم ذئباً إذا نأى عن الديار قليلاً، فلا غرابة بين العربي والذئب، حتى أن تأبط شراً يفضل العيش معه على العيش مع البشر. والأسماء التي تطلق على الذئب بالعربية لا مثيل لها في أي لغة من لغات العالم، أمثال: الذئب والسلق والأوس والخمع والسرحان والعسلق والهملع والسملع والعملس- والأطلس والعسال والشيذمان والعسعس والهلابع والشنون والنهشل والأغبس والأمعط والخيتعور والمجلح والأعقد والخيلع والخليَع والطملال والأمرط... وكثير غيرها، بحيث لا يدعون شيئاً من الذئب إلا ابتكروا له اسماً، فهناك أسماء تخص لونه وهناك أسماء تخص مشيته، وهناك أسماء تخص انقضاضه، وهناك أسماء تخص موطنه، وهناك أسماء تدل على نوعية فرائسه.... الخ. ولو لم يكثر ذكر الذئب في الشعر لما كثرت أسماؤه في اللغة. وكثير من الشعراء حدثونا عن واقعة أو أخرى من الوقائع التي يكون الذئب فيها طرفاً. ولا توجد واقعة تشبه الأخرى، وكلها تنتهي بعظة كما انتهت قصيدة ديفيني، وبالطبع تختلف العظات من شاعر إلى آخر، كابن أبي حصينة والمعري وابن نباتة... وآخرين. ونكتفي بقصيدتي الفرزدق والبحتري من كل الشعراء «الذئبيين» لغرض في نفسنا وهو الرد على تهمة التنقل التي رمى بها الناقل الكريم الشعر العربي.
ينهي الفرزدق واقعته مع الذئب بالفخر:
تَعَشَّ فَإِن واثَقتَني لا تَخونَني
نَكُن مِثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطَحِبانِ
وَلَو غَيرَنا نَبَّهتَ تَلتَمِسُ القِرى
أَتاكَ بِسَهمٍ أَو شَباةَ سِنانِ
ثم يخلص إلى هذه النتيجة التي تدل على تلك الواقعية التي اشتهر بها أدبان في العالم: اليوناني والعربي:
وَكُلُّ رَفيقَي كُلِّ رَحلٍ- وَإِن هُما
تَعاطى القَنا قَوماهُما- أَخَوانِ
بعد ذلك لينظر القارئ إلى هذا التنقل الذي ذمه الناقل الكريم، وكيف يصوّر القارئ التمزق النفسي بين المكوث في مكان والشوق إلى مكان آخر، ليفرغ لنوار التي اشتهر بها:
فَهَل يَرجِعَنَّ اللَهُ نَفساً تَشَعَّبَت
عَلى أَثَرِ الغادينَ كُلَّ مَكانِ
فَأَصبَحتُ لا أَدري أَأَتبَعُ ظاعِناً
أَمِ الشَوقُ مِنّي لِلمُقيمِ دَعاني
أما قصيدة البحتري فهي أقرب إلى قصيدة ديفيني من حيث موت الذئب، ولكن العبرة لدى البحتري أعم وأشمل وأقرب إلى الواقعية من عبرة ذلك الرومانسي المبدع، والحالم الموغل في الخيال:
وَقُمتُ فَجَمَّعتُ الحَصى وَاِشتَوَيتُهُ
عَلَيهِ وَلِلرَمضاءِ مِن تَحتِهِ وَقدُ
وَنِلتُ خَسيساً مِنهُ ثُمَّ تَرَكتُهُ
وَأَقلَعتُ عَنهُ وَهوَ مُنعَفِرٌ فَردُ
لَقَد حَكَمَت فينا اللَيالي بِجورِها
وَحُكمُ بَناتِ الدَهرِ لَيسَ لَهُ قَصدُ
أَفي العَدلِ أَن يَشقى الكَريمُ بِجورِها
وَيَأخُذَ مِنها صَفوَها القُعدُدُ الوَغدُ!
كأن البحتري هنا يتحدث باسم أحد الفوضويين كغودوين وبرودون، أو يتكلم بلسان كارل ماركس أو لينين. ربما كان لأنصار النزعة الفنية مأخذ على تدخل الشعر في الموضوعات غير الفنية، لكن المدارس النقدية الأخرى ترى أن الأنماط الأولية واحدة في كل شعر، وأن علاقات الناس هي أهم بواعث الشعر. إن الشعر العربي قرن الواقع بالفن جامعاً بين التجربة الفردية والتجربة الاجتماعية متنقلاً بين مشهد ومشهد ليخلص إلى الخاتمة... ولهذا استنتج الناقل الكريم «جاءت الخياليات المتشعبة، والتنقل فيها».

غياب الاهتمام
بعدنا عن جذور الفن الشعري العربي، القائم على إيقاعات كثيرة جداً، لا مثيل لها في كل إيقاعات الشعر العالمي- حسب اطلاعنا- ونفورنا اليوم من رتابة القافية التي تتوالى أحياناً إلى عشرات الأبيات وفي بعض الأحيان إلى مئات الأبيات... مع أشياء أخرى في مقدمتها عدم الاهتمام به وبطريقة دراسته وتدريسه، جعلت بعضنا يبتعد عنه إلى الدرجة التي تضيع فيها الألفة، وربما هذا ما حصل مع الناقل الكريم حتى قال ما قال في حق شعرنا وأدبنا. أما ألفة الغرب مع التراث اليوناني، فقد جعلتهم يرون «الإلياذة» معاصرة، مع أنها بنت عصر السيف والرمح والحصان، عصر العبودية، ليس فيها كلمة واحدة معاصرة، فيعجبون بها مترجمة... إنها الألفة والمواظبة، وطريقة الدرس والتدريس.

مصرع الذئب
كان الذئب الكبير واقفاً، وعلى بعد منه أنثاه مضطجعة على جذع شجرة، كأنها تمثال المرمر الذي كان يعبده الرومان، ممثلاً ذئبة حاضنة «ريموس ورومولوس» اللذين وضعهما الرومان في مصاف الآلهة الصغيرة.
ثم اقبل الذئب وقعد باسطاً ذراعيه منشباً اظفاره في الرمل، ولما استيأس وخاب رجاؤه في النجاة، اذ سدت عليه طرائقه، امسك اقوى الكلاب من رقبته بفكين قويين كأنهما قُدا من حديد، وجالد قرنه جلاد المستميت، ولم يتركه رغماً عما اخترم جسمه من رصاصنا المتدفق من بنادقنا كالمطر وخناجرنا المغمدة في احشائه، ولم يزل ممسكاً خصمه غير مبالٍ بما أصابه، حتى دق عنقه وتركه جثة بلا روح، وكانت الخناجر الغائرة في جسمه أشبه بمسامير سمرته على الكلأ، وقد ارتوى العشب من دمه، وتحيط به بنادقنا كرزايا قامت على سوقها، وما فتئ ناظراً إلينا وهو يلعق ما سال من دمه حول فمه، وبدون أن يتأمل كيف هلك أطبق عينيه ومات، ولم ينبعث منه صراخ ولا أنين.
أطرقت إلى الأرض مسنداً برأسي إلى بندقيتي مفكراً بغير وصول لغاية، إذ حدثتني النفس أن اقتفي الذئبة وجرويها اللذين كانت في انتظارهما على ما أظن، ولولا ولداها لما تركت أرملتنا الجميلة الحزينة إلفها يحتسي وحده المصاب، ولكن واجبها حتم عليها أن تحرس صغارها وتكلأها بعين عنايتها ولتدربها على النفور من عهود المدن، التي ارتبط بها الإنسان مع الأنعام، التي استخدمها مهما أودى بها السغب، فتراها تطارد أمامه أول من امتلك الغاب والجبال لتحصل على ركن تأوي إليه.
أسفي حينما أفكر في الإنسان ولو طاولت عظمته السماء، فإني أخجل من ذكره لضعفه وخور عزيمته، وإنك وحدكِ أيتها العجماوات الفخمة العظيمة التي تعرف كيف تفارق الدنيا وآلامها، وإن تأمل الإنسان وجد أن أفضل أعماله السكوت، وما سواه ضعف وخور.

الكونت الفريد دوفيني
كتاب بلاغة العرب (ص 54 -55)