الملحق الثقافي

عِمَّة السودانيين..سليلة التاريخ وبنت الجغرافيا

تحيك عمامة السودانيين، أقمشة حكاياهم. تخيط شخوصها بعضها ببعض، وتلتف بهم قبل أن يلتفوا بها. ترسمهم بلون واحد ناصع كقلوبهم الملأى بعاطفة شحنها النيل على امتداد رقعة الجغرافيا. وتجعل منهم علامة مميزة، تفرد دلالاتها كمن يفرد أشرعته، فلا يخشون شيئاً ويسيرون مفعمين بروح الأرض ومناجاة السماء، يمطرون حباً وشغفاً أبديين.


لن تأخذ وقتاً طويلاً عند النظر إلى ذلك الرجل الذي لا زال يحتفظ بعمامته البيضاء متكدسة وشاهقة فوق رأسه ويمشي متنقلاً بجلبابه الطويل، لتكتشف أنه سوداني الجنسية والانتماء والحب. حيث يرفض معظم الرجال هناك، أن ينزعوا عنهم هذا الزي الذي يرتدونه كما لو كان بطاقاتهم التي تعرّف بهم، متمسكين بخيوطه ونسيجه منهجاً وطريقة في الحياة ونحو الموت..

مشهد تشكيلي
يبدو منظر العمامة على رؤوس رجال السودان، مشهداً تشكيلياً يشير بكتلته إلى بعد فني يظهر جمالية الثقافة السودانية وخاصيتها المرتبطة بحال البيئة وروح أهلها ونمط عيشهم. فالصورة من الناحية الشكلية تشغل المستوى العلوي من الجسد الإنساني، وتحاكي في مضمونها مفهوماً تاريخياً وفكرياً واجتماعياً وجغرافياً. دون أن تنأى بأصولها القديمة واستمراريتها الحاضرة والمستقبلية، عن حكايا الناس المجسّدة لطبائعهم الثقافية، وانعكاساتها السياسية.
كذلك يتسلل البعد الفني إلى منطق التكيّف مع «العمامة» وسط معطيات تقوم على الغرابة والدهشة. فكيف للرأس وهو العضو المترنح في كافة الاتجاهات، يميناً ويساراً، إلى الأسفل وإلى فوق، أن يحمل ثقل خمسة أمتار من القماش ملتفة على هيئة قبعة متداخلة الأطراف والأجزاء؟ إذ ليس من السهل أبداً أن يعيش الرجل حياته ذهاباً وإياباً، في الطريق، في العمل وفي غيرها من الأماكن، وهو يحمل فوق رأسه ما يعيق حركته وقدرته على مواجهة ديناميكية العيش يومياً. لكن السوداني يفعلها وتراه يواجه غمار الأيام وتلونها بعمامة بيضاء تتوّج رأسه وتستقر فوقه.

دلالات
وبالعودة إلى «قاموس المعاني»، نجد أن لمفردة العمامة دلالاتها اللغوية التي تصبّ في ذات المعنى، فالعِمَامَة: ما يُلف على الرأس، والجمع منها: عمائم، عِمامات، عِمام. ويقال: أرخى عِمامته: أمِن واطمأن وترفّه. لكن في لغة السودان وناسها، يقال «العِمَّة» بكسر العين وفتح الميم وتشديدها. فتراها تأخذ في طريقة نطقها من لهجتهم ومن طيبة أرواحهم.
وجودها بحد ذاته طقس احتفالي مرة وجنائزي مرات أخرى. فكثيرون يحيلون العمامة السودانية، إلى طقوس الموت. ولا بد أنكم سمعتم من يؤكد أن «السوداني يشيل كفنه على رأسه». فيقول البعض إنها تلخّص العبرة من الرحيل الأخير للبشرية بأمتارها الملتوية إلى طبقات وطبقات. لذا يحفظها السوداني فوق الرأس ليظلّ مفتكراً أن النهاية يمكن أن تفاجئه بأية لحظة وعليه أن يكون قماشه القطني الأبيض جاهزاً.. لكن هذا الأمر لا يزال قيد التسليم والتصديق. فالأقوال كثيرة ومتضاربة، وهي دوماً تحتمل التأويلات والإيحاءات. خاصة إذا كان الموضوع يجمع في نسيجه بين ثنائية الموت والحياة، مثل ما تثيره «عمامة» أبناء السودان من إشكاليات وثيقة بعلاقتها مع النتاجات الحضارية للمنطقة تلك.
وترتبط العمة بالفرح، بالأعراس، وبالأحداث السعيدة وبالمناسبات المرتبطة بالشعائر الدينية وطرق أدائها. ما يعني أنها موجودة وراسخة داخل الفكر اليومي. وما يجعلك ترى السوداني في كل الأمكنة والأزمنة، يتعبّد، يمارس طقوسه، يفرح ويحزن وعمته لا تفارق رأسه المندمج مع رؤوس من بيئات وبلدان وأعراق مختلفة.
ولعلنا هنا نستحضر ما كتبه يوسف الشريف في كتابه «السودان وأهل السودان – أسرار السياسة وخفايا المجتمع»، مبيناً انغماس العمامة في حياة السودانيين، إذ قال: «أكثر ما أثار دهشتي أنني رأيت جموعاً من المصريين من الطبقة الوسطى ومعظمهم من الفلاحين وأولاد البلد كانوا قد وفدوا إلى السودان خصيصاً لمشاركة الطرق الصوفية في السودان احتفالها بالمولد النبوي الشريف في ميدان عبد المنعم يقابلهم وجوه سودانية متناثرة بجلاليبها وعمائمها البيضاء في حلقات الذكر وقراءة الأوراد في سرادقات الطرق الصوفية خلال احتفالياتها بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام وأولياء الله الصالحين في مصر».

وقاية
من الضروري أيضاً، عند خوضنا في موضوع عِمة السوداني، أن نلمّ بطبيعة الجغرافيا التي تحتضنه. فقد فرضت قسوة المناخ على السودانيين، وخاصة على أولئك الذين يعملون في الأرض من الفلاحين، أخذ الاحتياطات اللازمة كوسائل تساعدهم على تحمّل درجات الحرارة العالية. متخذين من العمة في هذه الحالة، ساتراً يقيهم من خطر الإصابة بضربة شمس. بالإضافة إلى فوائد أخرى اختبرها السوداني بنفسه، لذا كان مصراً على الاحتفاظ بها كجزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية والتراثية والدينية والسياسية.
لكن وكما كل المفاهيم المتعلقة بالزمن الماضي. بدأت العمة تتقلّص وتنحسر، فاختفت عن الكثير من الرؤوس - الشابة منها على وجه الخصوص - متأثرة بزحمة الواقع ورهبة عصر يدّعي السير باتجاه «الحداثة». حتى أنها وعلى الرغم من كونها تصرّ على الحضور، صارت رديفة للتقليد كمصطلح يفيض حنيناً وحباً، ويستقي وجوده من الذكرى بوصفها معنى يشير إلى الغياب.

رمز الهويّة
يرى الدكتور إسماعيل الفحيل الباحث في شؤون التراث، أن العمة تعتبر من أهم الرموز التي تتصف بها هوية الإنسان السوداني في منطقة وسط السودان وشمال السودان. فلأهل الجنوب أزياؤهم الخاصة، بينما لا يميل أهل الشرق لارتدائها. موضحاً أن لون العمامة وطريقة وضعها تميز السوداني عن غيره من الجنسيات من هنا أو هناك. وأن ثمة شعوب أخرى يرتدون العمامة، مثل «الصعايدة» في مصر وبعض رجال الدين الأزهريين. لكن حجم السودانية منها يختلف ويجعلها أقرب إلى العمامة المكية والأفغانية، إلى جانب شبهها لعمامة محمد علي باشا المشهورة عبر التاريخ.
ويشير إلى أن أقرب إشارة إلى دخول العمائم على أزياء السودان، ربما تكون هي تلك الصور التي التقطها الرحالة والمؤرخ السويسري جون لويس بركهارت (1784 - 1817) عند زيارته السودان العام 1928، حيث أظهرت عدسته السودانيين مرتدين العمائم على رؤوسهم في كثير من الأمكنة وبحالات عديدة. كذلك فإن ظهور محمد أحمد المهدي (1844 – 1885) في الرسومات والعمامة تعلو رأسه، هو دليل على وجود هذا الزي رسمياً، إلا أن بعض الدراسات تقول إن الرسام الإنكليزي هو من أقحم العمامة أثناء تصويره للمهدي.
ويبيّن أن العِمّة تصنّع من القطن النقي، والنوع الأجمل منها، يسمى بـ «التوتال» ويتم استيراده من سويسرا ليشتريه ميسورو الحال. في حين يذهب أصحاب الدخل المحدود لشراء «الكِرَب» المستورد من الهند وباكستان، نظراً لرخص ثمنه. أما الطول الصحيح للعِمة فهو 4 ياردة أي ما يعادل 12 قدماً. وهو الطول الأساسي لعِمة الرسول الكريم. وهنا لا بد من الإضاءة على أن العمة عند شعب السودان، مرتبطة بالدين الإسلامي كنقطة أساسية. مؤمنين بأن الرسول الكريم كان يرتديها، لذا هم في ارتدائها، يتبعون سنته وطريقه..

تيجان العرب
يقول الدكتور يحيى وهيب الجبوري في بحثه «العمامة في الجاهلية والإسلام»: «للعمامة مكانة كبيرة عند العرب، فهي رمز الشرف والرفعة، فإذا أهينت لحق الذل بصاحبها، وإذا هضم الرجل وأهين ألقى بعمامته على الأرض وطالب بإنصافه. ولهذه المكانة الرفيعة التي تحتلها العمامة في نفوسهم، اتخذوها لواء عند الحرب، فينزع سيد القوم عمامته ويعقدها لواء، لما في ذلك من معاني التبجيل والاحترام لأنها عمامة سيد القوم، ولكرامة العمامة لدى العرب اتخذوها شعاراً لهم ورمزاً لعروبتهم.
وسأل غيلان بن خرشة الأحنف بن قيس:«يا أبا بحر، ما بقاء ما فيه العرب، قال: إذا تقلّدوا السيوف، وشدوا العمائم، واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد». وفي الخبر:«أن العمائم تيجان العرب فإذا وضعوها وضع الله عزهم».

كرسي العمامة
بقيت العمامة موضع عناية واهتمام وإجلال المسلمين حتى العصور المتأخرة، ففي القرن التاسع عشر الميلادي، يعتني المصريون بالعمامة بأن يخصصوا لها كرسياً يعرف بـ (كرسي العمامة) توضع عليه ليلاً، ولا يستعمل إلا لهذا الغرض، وكثيراً ما يعدّ هذا الكرسي في جهاز العروس، كما كان من المعتاد أيضاً أن يكون للمرأة كرسي آخر لغطاء رأسها.