دنيا

عبدالرحمن مخلوف: التخطيط العمراني مشاعر قبل أن يكون علماً

رحلة عمر

رحلة عمر

خطط لحياته ونظمها قبل أن يخطط للمدن والأماكن المشهورة، ستظل المدن، بل والبلدان تتحدث باسمه، كان حلمه أن يصمم مكة المكرمة وكان له ذلك، أنجز مشروعات التخطيط العمراني لكل من جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وفي سنة 1968 عين مديرا لتخطيط المدن في أبوظبي، وفي سنة 1972 أسس المكتب العربي للتخطيط والعمارة، وانتدب أستاذا محاضرا لمادة التخطيط العمراني في كلية الهندسة بجامعة الإمارات من 1983 إلى 1985، ومسيرته وعطاؤه كبيران في الإمارات وبعض مدن العالم التي ستظل شاهدة على إنجازاته.

إنه الدكتور عبد الرحمن حسنين مخلوف خبير التخطيط العمراني، والذي كرم مؤخرا بـ «جائزة أبوظبي»، إلى جانب ثمانية آخرين كل في مجاله، علم بفوزه بجائزة أبوظبي قبل أيام من إعلان النتائج، كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له لم يستوعبها إلى اليوم على حد قوله، وحين اعتلى منصة التتويج ليكرمه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لم تسعفه العبارات، وكان الموقف أكبر من مشاعره، وكانت الجائزة في دورتها الخامسة في احتفال كبير بفندق الإمارات.
يقول عن فوزه: إنه شرف كبير أن أفوز بهذه الجائزة القيمة جداً، وأنا لغاية اليوم لم أستوعب أنني حصلت عليها، وأقول شكراً لمن كرمني وشكراً لمن رشحني، وهذه الجائزة جاءت تتويجاً لكل أعمالي وجهودي، ولازلت على استعداد لإعطاء المزيد.

رحلة المعرفة

عند زيارة عبد الرحمن مخلوف، الفائز بجائزة أبوظبي لهذه السنة في مكتبه، يفاجأ المرء بتنظيمه الشديد، ودقته المتناهية في أرشفة مواد عمله وخرائطه التي كان يعمل عليها التي يرجع تاريخها لأكثر من نصف قرن، تحمل خطوطه وتوقيعاته، في نسخها الأصلية، لازال يحتفظ بتفاصيل عمله وجزئياته في ذاكرته كما على لوحات كرتونية رصّ عليها كل ما يراه، مراحل مهمة في حياته، جزئيات تسقط تفاصيلها من أناس عاديين، لكنه هو إنسان غير عادي، لايزال يحتفظ بكل شيء في أدراجه الكثيرة المنظمة، وخارج مكتبه وعلى مساحة ممتدة عدة أمتار على دخوله يتضح للداخل أنه أمام خبرة كبيرة في مجال التخطيط، وتبرز تلك الصور والخرائط المتراصة على كل الجوانب والاتجاهات.
يقول مخلوف عن دراسته وأعماله في مجال التخطيط: تخرجت من جامعة القاهرة كلية الهندسة، قسم العمارة عام 1950، عينت معيداً ثم مدرساً بعد حصولي على الدكتوراه من جامعة ميونيخ عام 1957، ثم انتدبت خبيراً للأمم المتحدة لتخطيط المدن في المملكة العربية السعودية من عام 1959 إلى سنة 1963 قمت أثناء هذه المدة بإنشاء جهاز تخطيط المدن، وأنجزت مشروعات التخطيط العمراني لكل من جدة ومكة المكرمة والمدينة وينبع، وفي سنة 1964 عدت إلى القاهرة وعينت أستاذاً لتخطيط المدن عام 1965، وكنت أول من قام ببحث علمي عن أوضاع ومستقبل مدينة القاهرة والجيزة كإقليم عمراني متكامل، ووضعت مخططاً مستقبليا لهما اقترحت فيه المدن الصحراوية الواقعة على طريق السويس والفيوم وانتدبت سنة 1966 مديرا عاما لإدارة التخطيط العمراني للقاهرة الكبرى، وفي عام 1968، عينت مديراً لتخطيط المدن في أبوظبي حيث توليت مهام تخطيط المدن بها وإنشاء دائرة تخطيط المدن بكل من مدينتي أبوظبي والعين، وكان ذلك لمدة 7 سنوات ونصف السنة إلى مايو 1972 وفي نفس السنة أسست المكتب العربي للتخطيط والعمارة.

مرجعية ثقافية

قال مخلوف عن المكونات الثقافية والمؤثرات التي أثرت في بناء شخصيته: يتطلب مني الجواب على المكونات الثقافية رحلة فكرية عبر حقبة زمنية طولها ما يزيد على 80 سنة، كما أن الحديث عن الحالة الثقافية لتلك الحقبة له أبعاد وأعماق يطول شرحها، ومن ثم فإنني أكتفي ببيان المنابع التي كانت منهلا وغذاء علميا وثقافيا للعقل والوجدان طوال رحلة العمر، دون الاستطراد في التفصيلات، حيث نشأت في بيت يضم ثلاثة أجيال الجد والوالد والإخوة، فهما من أعلام الأزهر، الجد الشيخ محمد حسنين مخلوف عضو هيئة كبار العلماء، والوالد الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية، بالإضافة لإخوتي الذين تخرجوا من أعرق الجامعات، وبحق يعتبر العيش في هذا البيت بحق جامعة موسوعية، وفي مراحل التعليم من بدايته في المدارس الأولية والثانوية كان أساتذتي من جيل الرواد الذين حملوا مشاعل العلم والتعليم والثقافة في مصر منذ مطلع القرن العشرين، ولهم ذخيرة وفيرة في شتى العلوم المدرسية. وفي مرحلة من عمري درست الدراسات العليا في ألمانيا حيث كانت إطلالة شاملة على العمران نظريا وتطبيقيا في أوروبا وأمريكا واليابان، وآسيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. اطلعت في المجالات التخصصية والمهنية على علوم التخطيط العمراني، حيث تتميز بشمولها العديد من العلوم والمعارف الاقتصادية الاجتماعية السياسية الجغرافية الهندسية، من ثم فإن مهمة تعليم التخطيط العمراني وفروعه تتطلب الاطلاع الشامل عليها والمتابعة لتطور النظريات والتطبيقات على مستوى العام في الإصدارات الجديدة من كتب ومجلات علمية، كما كان الاطلاع على موضوعات أخرى كالسيرة النبوية سير الصحابة وأعلام الإسلام عبر العصور والتاريخ الإسلامي والعلوم الإسلامية والأدب العربي والسياسة والتاريخ الأثر الكبير على نشأتي وتكوين شخصيتي.


«شارع السعادة» انعكاس لتصور المدينة الفاضلة

ويذكر مخلوف: البعد الأول في مجال تكوين المدن يتلخص في توفير الحياة الكريمة للإنسان والتشكيل الجميل للمكان وهذه الأهداف اكتسبت أوصافا في مراحل زمنية متتابعة في البداية كانت أحلاما ثم آمالا وكان التصور إزاء بعضها يتراوح بين اعتباره بعيد المنال أو مستحيلا، كانت هذه الأحلام في فكر قائد المسيرة آمالا وأهدافا يسعى إلى تحقيقها بثقة وعزيمة وبمشاعر إيمانية عميقة وإخلاص، وسرعان ما شهد المكان في عقدين من الزمن ثمرات الرحلة الناجحة لأحلام قائد ورؤاه، من تصور في الخيال إلى واقع ملموس، والأمثلة على ذلك كثيرة منها تحويل الأراضي الجرداء إلى حدائق غناء في المدن والقرى وتشجير جوانب الطرق الممتدة على امتداد جغرافية أبوظبي، ونجح في إنشاء المزارع ذات الثمار من فاكهة ونخيل وخضراوات في جميع أنحاء البلاد، ومن أحب ما أذكره لقاء لي مع المغفور له بإذن الله في قصر البحر عام 1974 وكان موضوع اللقاء تسمية الطرق الرئيسية شوارع أبوظبي واختار المغفور له الأسماء المعروفة الآن في أبوظبي التي تحمل في مجملها دلالات حكيمة، ومن المعاني الدالة على أهدافه نحو أبنائه ووطنه اختياره اسما فريدا لأهم شوارع أبوظبي شارع «السعادة» وهذا ما قاله الفيلسوف أرسطو عن المدينة الفاضلة كما تصورها أن تكون بجانب تأدية وظيفتها الأساسية (توفير المأوى والحماية لسكانها) وهو مصدر لسعادة الإنسان.


رحلة العمر

يقول عبد الرحمن مخلوف: «إنني أتمثل دائماً بأنَّه لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم، فإذا ضمن أنه قد علم فقد جهل، لذلك فإنني أحاول الالتزام بالقراءة ما استطعت، ومن خلال تجاربي الكثيرة فإنني أرى أنه باستطاعتي جمع ذاكرتي وعصارة معرفتي وتجاربي في كتاب واحد، ولي كتابات كثيرة من أعمالي في المجال العمراني أكاديميا وعمليا وكلها تتضمن الكثير من ثمرات خبرة ممتدة على فترة زمنية تزيد على نصف قرن في أوطاننا مصر والسعودية والإمارات وسأصدرها بمشيئة الله في كتب تكون علما ينتفع به وقد جمعتها في كتاب تحت عنوان «رحلة العمر مع العمران»
ويتحدث مخلوف عن رحلته إلى الإمارات ويقول: كانت رحلتي إلى الإمارات من أهم رحلات عمري، كانت إلى أبوظبي منذ عام 1968 ومن حينها إلى اليوم أستقر في الإمارات العربية المتحدة، والحديث عنها هو حديث عن جزء مهم من حياتي، ليس من السهل تلخيصها في سطور أو صفحات، ولي فيها ذكريات غالية جدا مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، كل من عاصر هذه المرحلة شاهد منظومة عمرانية شيدها المغفور له وتسامى بها إلى بناء حضارة إنسانية متكاملة، وحديثي عن المدن في إمارة أبوظبي تحت عنواني المختصر إنها علامات مضيئة على طريق النهضة الشاملة التي قاد مسيرتها الموفقة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حيث بدأت على يديه مع بداية تأسيسه النموذج الرائد لدولة عربية تواكب التقدم العالمي وتستند على مرتكزات حضارية تاريخية وعصرية وتحققت بهذا التوجه إنجازات مشهودة في جميع المجالات منها المجال العمراني متمثلا في مدن إمارة أبوظبي التي أنشأها ورعاها فازدهرت، فهي مدينة عصرية تتيح لسكانها حياة منتظمة آمنة بأعلى المستويات وأرقى المعدلات وحققت إشعاعا ومكانة دولية على كافة الأصعدة العربية والعالمية بإسهاماتها الفعالة سياسيا واقتصاديا وحضاريا.
وعلى الجانب التفصيلي لتكوين مدينة أبوظبي وعمارتها تم الجمع بين مواكبة العصر في الكثير من الوسائل والتكنولوجيا من مصادرها العالمية ذلك مع الالتزام بمرتكزات حضارية إسلامية عربية تاريخية وعصرية تعبر عن شخصية البلاد المستمدة من تاريخها وحضارتها وبيئتها الإنسانية والطبيعة خاصة في المناطق السكنية وفي المباني العامة.


بعيداً عن الكمال

يتحدث مخلوف عن التخطيط ويقول: إن التخطيط مبني على التاريخ والموروث الثقافي والحضاري، والتاريخ جزء مهم جدا لمعرفة التخطيط على مستوى معين، والتخطيط هو رسالة نحقق بها سعادة الإنسان، وبالإضافة لكونه علما فهو مشاعر وأحاسيس، لا يمكن أن نفصل شعورنا عن هذا العلم، كما أن الإنسان عليه أن يتعامل مع كل المتغيرات والتطورات التي تفرض نفسها لما يلائمها على الأرض في مجال التخطيط، إن أفكاري بشأن التخطيط العمراني بشكل عام هو وسيلة لتنظيم العمل لمدينة ما في كافة نواحيها في علاج مشاكلها وتوفير احتياجاتها، وتوجيه تطورها وجهة سليمة ورفع مستواها وفتح الطريق إلى استيعاب وتطبيق حصيلة تقدم البشرية في كافة النواحي دون الإخلال بأفضل ما لدينا من تراث وقيم لتصبح المدينة بذلك كيانا متفاعلا مع نبضات العصر مستجيبا لطموحه منتفعا بإمكانياته محققا للأهداف، وإن القيمة العلمية والفنية لمثل هذا التخطيط يقاس بالمستوى الذي يرقى إليه مضمون التخطيط العمراني للمدينة في كافة موضوعاته وعناصره، أما القيمة العملية له فتقاس بمدى النجاح في وضع خطة عملية سليمة لتنفيذ ما يتضمنه إطاره المرسوم في مدى زمنه المحدد، وسأقدم عصارة ما تعلمت وما خبرت في مجال التخطيط العمراني في كتاب تحت عنوان «رحلة العمر مع العمران» لتكون هذه التجربة علما ينتفع به، ولا أعتبر نفسي وصلت إلى الكمال، أكتب استنادا إلى الأحداث والأماكن والمشاعر، وتخطيط المدن يتعامل مع الطبيعة، مع المجتمع، مع الاقتصاد، تخطيط المدن يقابل الحاضر واحتياجاته وينظر إلى المستقبل ومتطلباته وفي نفس الوقت يحمل على عاتقه تركة من الماضي أحياناً هي تراث يحافظ عليه أو مشاكل يتحتم علاجها.

إصلاح قريتي سبب توجهي للعمران

يتحدث عبدالرحمن مخلوف عن دراسته ويقول: في مرحلة الدراسة الثانوية كنت أمضي الإجازة الصيفية في بلدتنا «بني عدي» أشهر بلدان الصعيد الأوسط بمصر - وهي بلدة قديمة عربية اكتسبت اسمها من انتساب أهلها إلى (عدي بن كعب) - أي قبيلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - وهي قرية قاومت بنجاح الاعتداء الفرنسي في حملة نابليون وكانت بلدتنا كغيرها من قرى مصر في الأربعينيات من القرن العشرين ينقصها الكثير، وكان التطلع نحو الإصلاح وفي مقدمته إصلاح الريف يشغلنا، وهنا تكونت لديّ رؤية واضحة.. إن تطور قريتنا وإصلاحها لابد وأن يكون في إطار إصلاح وتطوير يشمل دوائر جغرافية تتخطى حدود قريتنا ليشمل الريف كله والمدن جميعها في الوطن بأكمله، وكان ذلك بداية تطلعي إلى دراسة التخطيط العمراني وفي المرحلة الجامعية عاودني ذلك الأمل حين التحقت بقسم العمارة - كلية الهندسة - جامعة القاهرة وبعد التخرج تطلعت إلى التخصص الأكاديمي في علم تخطيط المدن. وكان لي ذلك حينما توجهت إلى دراسة الدكتوراه في ميونيخ بألمانيا عام 1953. وبعد التخرج عام 1950 وتعييني معيداً بقسم العمارة، كانت مرحلة اطلاع ودراسة لمشاريع وجهود إصلاح الريف، ومساهمة في إعداد مشاريع تحسين وتجميل مدينة القاهرة كان ذلك في بداية الخمسينيات بإشراف أستاذي د. سيد كريم.

في ميونيخ

وعن مرحلة الدراسات العليا والدكتوراه - 1953 – 1957، في جامعة ميونيخ يقول عبد الرحمن مخلوف: خلال تلك الفترة زرت العديد من المدن الأوروبية زيارة طالب علم ينشد التعرف إلى أبعاد وجذور نهضة أوروبا منذ القرن الرابع عشر إلى يومنا وتحققت لي خلال هذه الفترة إطلالة شاملة على العمران نظرياً وتطبيقياً في أوروبا وأميركا واليابان وآسيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتزامن تواجدي في ألمانيا مع فترة دمرت فيها بعض المدن تدميراً كاملاً وسحقت تماماً، واستطاعت أن تنهض من جديد وذلك بفضل رؤية المخططين فيها حيث يعتبرون التاريخ جزءاً مهماً من خلفية الإنسان، وبالتالي استطاعوا بناء نفس المدن بنفس العمارة، وكان وجه الشبه مطابقا تماما، وهذا أثر في نفسي كثيراً، حيث تقديرهم للموروث الثقافي والحضاري مبجل عندهم، حيث كانت ألمانيا في تلك الفترة ورشة إعمار ضخمة اشتغل الشعب الألماني فيها ليلاً ونهاراً لإعادة بناء مدنها التي دمرتها قنابل الغارات الجوية في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

رسالة التدريس

يتحدث مخلوف عن رسالته في مجال التدريس ويقول: في عام 1957 حصلت على درجة الدكتوراه في تخطيط المدن عدت إلى عملي بقسم العمارة كلية الهندسة - جامعة القاهرة - وعينت مدرساً محاضراً. وباعتبار تجربتي الشخصية كطالب - وكان تدريس تلك المادة لنا باللغة الإنجليزية - رأيت أهمية تدريس تلك المادة باللغة العربية - ليس في حدود تعريب المصطلحات - ولكن بالغوص في أعماق فلسفة العلم والعلوم المرتبطة به وهي متعددة متنوعة، وبالتحليق في آفاقه المتعددة وهي واسعة شاملة لكافة أبعاد الحياة الإنسانية وإيصال ذلك إلى الطالب بلغة عربية ليست ترجمة يتعين لفهمها الرجوع إلى الأصل باللغات الأجنبية ولكن تصل بوضوح مباشرة إلى وجدان الطالب.
وقمت بذلك - بتوفيق من الله - طوال سنوات تدريسي لتلك المادة في كليات الهندسة في جامعة القاهرة وأسيوط والأزهر والإمارات، التي تخللها انتدابي لمهام تنفيذية عدت بحصيلة الخبرة فيها إلى التدريس وإثراء مادته مع التطوير الدائم لمحاضراتي بما أعتبره مساهمة إيجابية في تحقيق التطوير المطلوب في التعليم الجامعي.