ألوان

«البراجيل» و«ألعاب زمان أوّل».. لوحات تجسد حياة الأقدمين

البراجيل تستعيد ماضي الأجداد (تصوير جاك جبور)

البراجيل تستعيد ماضي الأجداد (تصوير جاك جبور)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

في ظل إقبال جماهيري غير مسبوق، تتواصل فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي، مقدماً لعشرات الآلاف من رواده التي تتوافد على ساحات المهرجان يوميا وجبة تراثية عريقة، يتعرف الزائرون خلالها إلى ملامح من حياة الآباء والأجداد الذين سكنوا الإمارات قبل أزمنة بعيدة، وعمروها بأشكال مختلفة من الحرف اليدوية وأنماط الحياة التي عكست قدرتهم على تطويع مفردات البيئة، واتخاذها قارباً لتمضي بهم مسيرة الحياة على أرض الإمارات عبر الزمن، ومن ملامح البيئة الإماراتية القديمة التي زينت كثير من المباني التراثية بالمهرجان وطالعها الجمهور بشغف ما يعرف بـ«البراجيل» أو مكيف أهل الصحراء في عصور ما قبل الكهرباء، حيث كانت مهمته الرئيسة إمداد المنازل بالهواء البارد في أيام وليالي الصيف الحارة، فيقلل من الإحساس بوطأة المناخ من خلال تصميم معماري فريد يجمع بين بساطة المظهر وكثرة الفائدة، وإلى جانب البراجيل واصلت ساحة «ألعاب زمان أوّل»، استقطاب شرائح واسعة من الجمهور من كل الفئات والأعمار لتعطي صورة حية عن وسائل التسلية والألعاب التي استخدمها أهل الإمارات الأقدمون، وكيف كانت هذه الألعاب تحمل المتعة والنفع لكل من مارسها، وهو ما جعل القائمين على إدارة المهرجان إبرازها بالشكل اللائق عبر الكرنفال التراثي الضخم الذي تشهده منطقة الوثبة بأبوظبي وينتظر أن تنتهي فعالياته في الثاني من يناير المقبل.

علامة ثراء
عن البراجيل وكيفية صناعتها يقول الوالد والخبير التراثي بخيت مبارك مصبح، إن البراجيل حملت فوائد عظيمة لأهل الإمارات على مدى مئات السنين، وكانت من العوامل التي تساعدهم على التغلب على حرارة الجو، لافتاً إلى أن البرجيل يبنى في زاوية المنزل، وهو أحد علامات الثراء في المجتمع الإماراتي القديم، ولم يكن لدى كل الناس القدرة على بناء البراجيل، وكلما ازداد عدد البراجيل في المنزل دل ذلك على ارتفاع المكانة الاجتماعية والمادية لصاحبه.
ويشرح، أن البراجيل غالبا كان تبنى بارتفاع أكثر من 40 مترا، حتى تستفيد من سرعة الرياح في الطبقات العليا للجو، وبالتالي تجذب كمية كافية من الهواء البارد حتى يسقط بشكل عمودي من البراجيل إلى أسفله حيث تكثر الجلسات في الصيف، كما يتم توزيع هوائها على بقية غرف المنزل، مع ملاحظة أن البراجيل تكون مغلقة من أعلاها بمجموعة من الأعواد الحديدية تشبه الشبكة حتى تحمي أهل البيت من وقوع أي أشياء ضارة.

البرجيل اليواني
ويبين مصبح، أن هناك نوعاً آخر من البرجيل يستخدمه العامة يسمى «البرجيل اليواني» وهو غير مكلف قياساً إلى النوع الأكبر من البراجيل، وهو يقام بشكل موسمي خلال أشهر الصيف فقط، بعكس البراجيل الكبرى التي تبقى سنوات طويلة، و«البرجيل اليواني» يصنع من أدوات بسيطة مثل الأقمشة والأكياس كبيرة الحجم ويصنع سقفه من سعف النخيل، بعكس البراجيل الكبير، التي تبنى بالخشب والطوب حتى تبقى فترات طويلة.
يذكر أن الشكل العام للبراجيل يجب أن يكون مربعا وقائما على أربع أعمدة، وأن تكون تلك الأعمدة مرتفعة بقدر الإمكان، فكلما ارتفعت كانت تيارات الهواء الساقطة منه أقوى وأكثر لطفا وبرودة، ويتم وضع مجموعة من الأكياس حول هذا النوع من البراجيل التي يتم تثبيتها بأوتاد حتى تثبت في الأرض ولا تسقط تحت تأثر الهواء الشديد.

ذكريات جميلة
ومن رواد المهرجان يقول علي أحمد الشحي، إن وجود أنماط البراجيل وجعلها من المعالم الرئيسة لكثير من المباني في المهرجان، يعتبر مبادرة تستحق الثناء عليها، لكونها تعرف الأجيال الجديدة بواحد من أهم أساليب التغلب على حرارة الطقس قبل ظهور المكيفات، مشيراً إلى أن رؤيته للبراجيل تثير لديه كثيرا من الذكريات الجميلة في زمن الطفولة، حيث كان الجميع يستظل بالمنزل خلال شهور الصيف ويستمتع بالجلوس والسمر بالقرب من مسقط البرجيل، الذي لم يكن يمتلك الأنواع العالية منه إلا الأثرياء بينما متوسطو الحال يقيمون براجيل مؤقتة، ولكنها كانت ذات فائدة عظيمة وتفي لهم بالغرض الذي بنيت من أجله، كما أوضح أنه لم يأت لزيارة المهرجان بمفرده، بل أتى بصحبة بعض أبنائه ليطالعوا وسائل حياة الأولين، ويتعلموا منهم الصبر والصلابة والقدرة على مواجهة ظروف الحياة الصعبة، ويتعاملوا مع المكونات المحيطة بهم بعبقرية وذكاء مكنهم من الحياة والاستقرار على أرض الإمارات أزمنة طويلة.

ألعاب زمان أوّل
وفي سياق العديد من الفعاليات التراثية الترفيهية، التي يزخر بها المهرجان، مثلت «ساحة ألعاب زمان أوّل» التي تقدمها قرية الألعاب التراثية واحدة من أكثر عناصر الجذب للجمهور لما اتسمت به من نواحٍ تثقيفية، وتعليمية خاصة بالأطفال وعائلاتهم والتي تعتبر ملأى بالمفاجآت، حيث توجد في المهرجان ساحة ألعاب زمان أوّل التي تقدمها قرية الألعاب التراثية، وتضم الألعاب التراثية التي اعتاد الأطفال أن يلعبوها في المجتمع الإماراتي.
ويقدم المهرجان للأطفال فرصة ثمينة حيث يسلط الضوء على الإرث الإماراتي والثقافة الإماراتية الأصيلة ومدى تنوعها، ما يضيف للمخزون المعرفي لدى الأطفال وتثريه.

جرعة معلوماتية
كما يمكن للأطفال الزائرين للمهرجان التعرف إلى تراث أجدادهم ومكوناته، وأخذ جرعة معلوماتية تراثية عن البيئات المختلفة للمجتمع الإماراتي من خلال التجول في جناح ذاكرة الوطن، الذي يقدم صوراً وأفلاماً تاريخيةً حول مسيرة الاتحاد وبناء الدولة والدور الذي لعبه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في تأسيس الاتحاد، إضافة إلى وثائق تعكس إنجازاته وأقواله الخالدة واهتمامه بالتنمية والتعليم والزراعة والمرأة والتراث. وقد أعرب عدد من الأطفال من زوار المهرجان، عن فرحتهم العارمة واستمتاعهم بأجوائه التراثية والألعاب التقليدية المتوفرة في ساحة ألعاب زمان أوّل والتي كان يلعبها الآباء والأجداد سابقاً، وأكدوا أن هذه فرصة متميزة للتعرف على هذه الألعاب التراثية التقليدية، وعلى التراث الأصيل للدولة.

أدوات تقليدية
من ناحيته، قال علي الشحي خبير الألعاب التراثية في قرية الألعاب التراثية في مهرجان الشيخ زايد التراثي، أن الألعاب التي توفرها القرية هي لعبة الميزان والمريحانة واليتله والكرابي للفتيات وصناعة العرايس للفتيات والعنبر والكيرم للأولاد، حيث إن جميع الألعاب في القرية مصنوعة من الأدوات التقليدية من أخشاب الكندل وحبال الجريد من أشجار النخيل، كما أن الألعاب التراثية هي عبارة عن جسر تواصل بين إرث الأجداد وجيل اليوم، وهي أساس الألعاب المتطورة التي تشهدها الدولة في وقتنا الحاضر.
وأشار إلى أن الألعاب التراثية تصقل مواهب الأطفال وتطلعهم من خلال الشروح المفصلة عنها وكيفية استخدامها وآليتها الصحيحة، كما نسعى من خلال قرية الألعاب التراثية إلى الوصول لمستوى الاحترافية في طرح الألعاب التراثية، وإبراز لباس الأطفال التراثي.