عربي ودولي

اتهامات لـ«الجزيرة» بالتجسس على الولايات المتحدة بسبب «وثائقي» اللـوبي الصهيـوني

دينا محمود (لندن)

كشفت وسائل إعلام أميركية النقاب عن تسارع التحركات في أروقة الكونجرس لتقييد أنشطة قناة «الجزيرة» القطرية داخل الولايات المتحدة، بعدما اتهمتها مصادر برلمانية وسياسية بممارسة عمليات تجسسٍ في هذا البلد، على خلفية فيلم وثائقي تعده القناة عن المنظمات اليهودية الموالية لإسرائيل هناك.
وفي تقريرٍ إخباريٍ مطول، أفاد موقع «واشنطن فري بيكون» الإخباري بأن الفيلم - الذي يُتوقع أن يتضمن لقطاتٍ صُوِّرت سراً من داخل هذه المنظمات- أثار حفيظة نوابٍ في الكونجرس بدأوا تداول خطابٍ يطالب بإجبار «الجزيرة» على أن تسجل نفسها كـ«وكيلٍ أجنبي» يعمل في الولايات المتحدة بدعم من حكومة دولة أخرى وهي قطر، وهو ما سينطوي بحسب مصادر أميركية على إمكانية الحد من قدرة هذه القناة على الوصول إلى مسؤولين أميركيين ومنشآت في داخل البلاد، مما سيفضي إلى تقييد أنشطتها في نهاية المطاف.
وعزا الموقع الثورة العارمة التي تضطرم في جنبات المؤسسة التشريعية الأميركية حالياً في هذا الصدد، إلى أن «الجزيرة» استخدمت صحفياً متخفياً تمكن من التسلل إلى منظمات اللوبي الصهيوني والعمل فيها خلال عام 2016، مما مَكّنَه من الاطلاع على بعض الملفات الخاصة بهذه المنظمات، وتسجيل مقاطع مصورة للعاملين فيها بشكلٍ سري، وهو ما اعتبرته أوساطٌ أميركية بمثابة ممارسة سافرة للتجسس.
وحمل التقرير الذي أعده الصحفي آدم كريدو في هذا الشأن عنواناً لافتاً يقول «عملية التجسس المدعومة من قطر على يهود الولايات المتحدة تضع الجزيرة في مرمى نيران الكونجرس»، واستند فيه الموقع إلى عددٍ من المصادر المطلعة على تطورات الأزمة التي نجمت عن ذلك، ودفعت النائب الديمقراطي عن ولاية نيوجيرزي جوش جوتهايمر إلى قيادة تحرك يستهدف مطالبة وزير العدل الأميركي جيف سيشنز بفرض قيودٍ على عمل القناة القطرية بموجب قوانين الولايات المتحدة. وكان قد كُشف النقاب عن وجود هذا الفيلم، بعدما أرسلت «الجزيرة» قبل أسابيع قليلة خطاباتٍ إلى العديد من المسؤولين الذين سُجِل لهم مقاطع مصورة سراً، لمطالبتهم بالرد «على مجموعة من الادعاءات.. (التي تفيد) بأن الأميركيين اليهود يعملون للتأثير على الحكومة الأميركية». وقال «واشنطن فري بيكون»، إن هذه الأنشطة من قبل القناة القطرية - المعروفة بأنها بوقٌ لدعاة العنف والتطرف والكراهية - اعْتُبِرت أشبه بـ«عملية تجسس ممولة من جهة أجنبية ضد مواطنين أميركيين نُفذت على الأراضي الأميركية». وأشار الموقع إلى أن ذلك «يُذكي الجهود (المبذولة) بداخل الكونجرس لإجبار «الجزيرة»‏‏‏‏ على تسجيل نفسها كوكيلٍ أجنبي، بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب» في الولايات المتحدة والصادر في عام 1938. ونقل تقرير الموقع عن المصادر المطلعة على هذا الملف قولها، إن الإقدام على خطوة من هذا القبيل سيمنع وسائل إعلام ممولة من الحكومة في دولها مثل «الجزيرة» من أن تواصل «التظاهر بأنها مصادر أخبار تحظى بالشرعية، رغم أنها تتلقى توجيهاتٍ وتمويلاً من حكومة أجنبية»، وهي النظام القطري في حالة هذه الشبكة المُحاطة بالشبهات والاتهامات.
ورأت المصادر الأميركية أن «الجزيرة» لا تختلف بأي وجه من الوجوه عن قنواتٍ حكومية أجنبية أُرْغِمت على تسجيل نفسها كـ«وكيلٍ أجنبي» بموجب هذا القانون مؤخراً، مثل قناة «روسيا اليوم» المملوكة للحكومة الروسية.
وفي ما يوحي بأن مواصلة القناة القطرية لأنشطتها في الولايات المتحدة قد بات موضع شكوكٍ قوية، نقل «واشنطن فري بيكون» عمن وصفه بمسؤول أميركي مخضرم في شؤون السياسة الخارجية - وعلى اطلاع على السياسات والتصرفات التي تُقْدِمُ عليها قطر - قوله: «مصير الجزيرة حُدِدَ عندما أرسلت خطاباتٍ إلى منظماتٍ أميركية تؤكد فيها أنها أدارت عملية تجسس ضدها.. أعتقد أنه بات لدى وزارة العدل - على الأرجح - أدلة (تكفي) لإغلاقها بشكلٍ كامل، باعتبارها ذراعاً لقطر في الحرب الإعلامية».
وأكد المسؤول الأميركي - الذي لم يُكشف عن هويته - أن إجبار «الجزيرة» على تسجيل نفسها كـ«وكيلٍ أجنبي» بات أمراً يسيراً، قائلاً إن الأزمة التي أثارتها ملابسات إعداد الفيلم الوثائقي، الذي يُفترض أن هذه القناة أنجزته بشأن اللوبي الصهيوني، جعلت لدى السلطات في الولايات المتحدة «أدلةً على أن دولةً أجنبية تمتلك كياناً إعلامياً يحاول التأثير على الرأي العام الأميركي».
وبحسب مصدرٍ مطلع على الرسالة التي يتم تداولها في الكونجرس في هذا الشأن، فإن ذلك التحرك لا يشكل سوى «الطلقة الافتتاحية في ما سيصبح حملةً عامة بشكل أكبر، لإلزام الجزيرة بالانضواء تحت لواء هذا القانون وإلى الأبد». ونقل تقرير «واشنطن فري بيكون» عن هذا المصدر - الذي وصفه الموقع ذو التوجهات المحافظة بأنه مستشارٌ مخضرم في الكونجرس مُطلع على تطورات هذا الملف - قوله: «إنه كان يتعين على الجزيرة - بوصفها ناطقاً إعلامياً باسم الحكومة القطرية أن تُسجل نفسها من الأصل لدى وزارة العدل، ولكنها وبانخراطها في عملية تجسسٍ ترعاها دولةٌ (أجنبية) قد كشفت نفسها باعتبارها حالةً نموذجية (لجهةٍ يجب) إدراجها في إطار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب». وأشار المستشار العامل في الكونجرس إلى أن الحملة التي يقودها النائب جوتهايمر تشكل «بدايةً لضغطٍ قادمٍ» على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للتعامل بشكلٍ أكثر صرامة مع «الجزيرة»، قائــــلاً إن بوسع ترامب الاضطلاع بدورٍ رئيس في دعم الحملة ضد القناة القطرية.
وفي دليلٍ جديد يثبت وقوف النظام الحاكم في الدوحة وراء مختلف الأنشطة التي تقوم بها «الجزيرة» وتزعم أنها لا تتجاوز ممارسة عملٍ إعلاميٍ محض، كشف تقرير الموقع الأميركي عن أن هناك «ممثلين متعاقدين مع الحكومة القطرية موجودون في العاصمة الأميركية واشنطن، لإدارة الأزمة التي تفجرت بسبب (الفيلم) الوثائقي» الذي يكتنف الغموض موعد عرضه أو ما إذا كان سيُعرض في النهاية أم لا.
ونقل الموقع عن أحد مصادره قوله إنه إذا «أُكِدتْ التقارير الإعلامية.. (ما يتردد في هذا الشأن) فإن ذلك يشكل دليلاً أساسياً على أن الجزيرة ليست - كما تزعم - وسيلة إعلامٍ مستقلة، بل إنها ذراعٌ إعلامية للنظام» القطري.
ومضى المصدر قائلاً: «إذا كانت الجزيرة مستقلةً بحق، فلم يكن هناك (داعٍ) لأن يلعب النظام (القطري) دور وساطة.. ولم يكن هناك من سببٍ يحدو بأمير (قطر) لأن يعقد اجتماعاتٍ مع قادة يهود في الدوحة بشأن السلوك المروع للجزيرة». وخلص المصدر الأميركي إلى القول جازماً: «الخدعة انتهت. وحان الوقت لكي تغلق وزارة العدل الأميركية ثغرة (عدم) تسجيل الجزيرة نفسها في إطار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب». وتحتاج حملة النائب جوتهايمر إلى دعم من زملائه الجمهوريين في الكونجرس. ونقل الموقع الإخباري الأميركي عن عنصرٍ في الحزب الجمهوري - ينشط في مجال السياسة الخارجية في أروقة المؤسسة التشريعية الأميركية - تأكيده على أن الأمر يحتاج إلى تضافر جهود الحزبين، قائلاً: «لديك قطر التي ترعى (حركة) حماس وجماعة الإخوان المسلمين (الإرهابية). ولديك الجزيرة، وهي وسيلة إعلام دعائية حكومية، نفذت عملية تجسسٍ في العاصمة واشنطن بهدف شيطنة اليهود الأميركيين الناقدين لقطر».
من جهة أخرى، كشف «واشنطن فري بيكون» عن أن المسؤول عن قسم الأعمال الوثائقية في «الجزيرة»، والذي يُدعى فيل ريس، تلقى - بحسب تقارير - أموالاً من قناة «روسيا اليوم» الحكومية بدورها، كما أنتج فيلماً وثائقياً ممولاً من قناة «برس تي في» الإيرانية، التي يتحكم فيها نظام الملالي الحاكم في طهران.
وتأتي الأزمة الجديدة التي تواجهها «الجزيرة» على خلفية فيلمها الوثائقي المثير للجدل - والذي لا يزال طي الكتمان - في ظل تواصل محاولات حكام الدوحة لطمأنة جماعات اللوبي اليهودي بأنهم سيجبرون القناة على منع بث الفيلم، بعدما هددتهم تلك الجماعات بأن عرضه سيقوض جهود قطر الرامية لنيل دعم يهود أميركا في مساعيها لحمل البيت الأبيض على تغيير موقفه من الأزمة الخليجية. وقد كشف الإعلام الإسرائيلي قبل أسبوع عن أن الأمير تميم بن حمد نفسه، ربما يكون قد تعهد لقادة اللوبي اليهودي بحجب «الوثائقي» عن الشاشات، في ضوء مخاوف أبرز داعمي إسرائيل في الولايات المتحدة، من إمكانية أن يتضمن العمل ما قد يشكل إحراجاً بالنسبة لهم.