الاقتصادي

دور الجمارك في ظل التهديدات

علي الكعبي *
يتصور كثيرون في عالمنا المعاصر أن الجمارك مجرد أداة للجباية، وتحصيل الرسوم على السلع والبضائع الواردة لأي دولة، ودعم ميزانيات الدول عبر توريد تلك الرسوم للخزانة العامة، ويمثل ما سبق جزءاً من الحقيقة وليس الحقيقة كلها.
فقطاع الجمارك بالفعل يؤدي دوراً مالياً مهماً، إلا أن هذا الدور لا يحتل المنزلة الأولى في سلم المهام والمسؤوليات التي يقوم بها قطاع الجمارك في أي دولة.
فقبل الدور المالي للجمارك تأتي أدوار أكثر أهمية، لعل أهمها، الدور الأمني الذي يتمثل في دعم منظومة الأمن في الدول المختلفة عبر حماية الحدود، ووقاية المجتمع من الممارسات التجارية الضارة، ومنع دخول المواد الخطرة والسلع الممنوعة، ومراقبة السلع ذات الاستخدام المزدوج.
ويكتسب الدور الأمني لقطاع الجمارك على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، على حد سواء، أهمية كبيرة ومتزايدة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، في ظل تزايد وتيرة الاضطرابات الجيوسياسية والأمنية في مناطق عدة من العالم، خاصة منطقتنا العربية، وذلك تزامناً مع عولمة الإرهاب وتشعب قنواته وأدواته وقطاعاته وفئاته.
ويلحظ المراقبون أن أشكال الإرهاب وممارساته، خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، تطورت وتنوعت بحيث أصبح يهدد وجود دول مستقرة، وتطور الأمر إلى أن أصبحت الكيانات الإرهابية تمتلك أدواتها المالية بعد سيطرتها على حقول نفطية، مما يعني زيادة قدرة هذه الكيانات على تهريب المواد الخطرة والأسلحة المحظورة.
ويظهر التحليل الدقيق لتمدد الإرهاب خلال القرن الحالي أن انتشاره ارتبط باختراق حدود العديد من الدول، ولعل أبرز سمات هذه الحدود أنها كانت ضعيفة وهشة ولم تتوفر بها الرقابة والحماية الكافية لدرء مخاطر الإرهاب وتداعياته السلبية على المجتمعات والأفراد. ولم تقتصر التهديدات الإرهابية على احتلال أجزاء من دول، بل تعدى ذلك إلى تهريب الأسلحة والمتفجرات إلى دول آمنة ومستقرة على بعد آلاف الأميال وارتكاب أبشع جرائم القتل والإبادة في حق البشرية تحت غطاء ديني أبعد ما يكون عن حقيقة الدين وأهدافه السامية.
وهنا تظهر أهمية قطاع الجمارك في تعزيز المنظومة الأمنية للدول المختلفة، ودعم استقرار المجتمع وحماية الأرواح والممتلكات، فالجمارك هي خط الدفاع الأول عن المجتمعات، في نفس الوقت الذي تمثل فيه الواجهة الحضارية للدول والحكومات، ومن ثم فإن رجال الجمارك هم أيضاً يعتبرون من العيون الساهرة على أمن وسلامة المجتمع.
إن تزايد التهديدات الأمنية يحتم على إدارات وهيئات الجمارك في الدول المختلفة مزيداً من التدريب واليقظة والتطور في العمل الجمركي، وعلى قطاع الجمارك أن يسبق تلك التهديدات من خلال ابتكار وتطوير أنظمة للمخاطر، وتوسيع أفق التعاون في مجال تبادل المعلومات والخبرات، وإنشاء مراكز متطورة للاستهداف تتبنى أنظمة تقنية آمنة ومتقدمة في الرصد والمراقبة والمتابعة والتحليل قبل وبعد وصول البضائع، إضافة إلى ضبط الحدود والتنسيق في إدارتها، ويمكن للتعاون الدولي أن يحقق الكثير في هذا المجال.
إن متابعة ما ينشر في وسائل الإعلام فيما يتعلق بضبطيات السلع والأموال المهربة، تكشف عن ارتفاع كبير في وتيرة تهريب الأموال النقدية في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة، فضلاً عن تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية من بنادق وذخيرة وملابس وأجهزة مراقبة وتنصت وطائرات تجسس، ولولا يقظة رجال الجمارك في العديد من الدول لحدث ما لا يحمد عقباه في ظل حالة الاستهداف الإرهابي لهذا المنطقة.
لقد أدركت دولة الإمارات مبكراً أهمية الدور الأمني للجمارك، في نفس الوقت الذي أدركت فيه خطورة التهديدات الأمنية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، لذا صدرت توجيهات القيادة الرشيدة بضرورة بناء قدرات قطاع الجمارك في الدولة وتعزيز دوره الأمني للحفاظ على استقرار المجتمع، وفي نفس الوقت، تيسير التجارة وإزالة القيود في المنافذ البينية على الرغم من اتساع رقعة تلك المنافذ وتعددها.
ولاشك أن التجربة الإماراتية في هذا الشأن جديرة بالإشادة والتدوين، بعد أن حقق قطاع الجمارك دوراً إيجابياً في حماية المجتمع على المستوى المحلي، كما ارتقى إلى أعلى المراكز العالمية في مؤشر الكفاءة الجمركية، ورغم ذلك ما زال أمام قطاع الجمارك الكثير من التحديات، التي ينبغي عليه مواجهتها والتغلب عليها بالخطط الطموحة، وهذا يتطلب منا الوقت والجهد.. ونحن ماضون بإذن الله.

*مفوض الجمارك - رئيس الهيئة الاتحادية للجمارك