الإمارات

ثنائيات الوفاء والصد والهجران

محمد عبدالسميع (الشارقة)

في الشعر الوجداني دائماً نتلذذ بمفردات عذبه تصل بنا إلى ذائقة جميلة خصوصاً إذا كان الشاعر متفرداً يعرف من أين يأتي للنص الشعري.
ينطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في هذه القصيدة من الإحساس الجميل واللقطات البديعة التي يتعلمها الشعراء والأدباء على ضفاف بحره الواسع الدفاق دائماً بالحب والوفاء.
الوفاء الذي يكاد يكون غرضاً رئيسياً في قصائد سموّه، من أبرز صفات صاحب السموّ في قصائده وعتابياته ومساجلاته وبرقياته التي يرسلها دائماً، إما مع مطلع نهار أو عند غروب شمس أو في جلسةٍ رائقةٍ مع عالم الشعر في الهزيع الأخير من الليل، ذلك لأنّه الشاعر الذي يشتغل على ثنائيات الوفاء والصد والهجران، في قصائد تزهو صورها واشتغالاتها الفنيّة، من مثل هذه القصيدة، وفي مقطوعات عذبة، كهذه المقطوعة الرقيقة، الموشّاة بالتعابير الآسرة، واللغة الشعريّة، فيكفي أن نشارك سموّه في بقائه على عهد المحبة والوفاء، حيث يسكن الحب في قلبه دائماً، بل إنّ الحبيب كموضوع للعتاب وهو يسكن قلب سموّه، (ما حد غيرك ساكنٍ في خفوقي) يجعلنا نسير مع تبرير الشاعر لمدى أهمية هذا الحبيب، لدرجة أنّه يفتتح به يومه في الصباح، أو يرى فيه عنصراً لروحه وقلبه لا غنى عنه، فهو العسل- بما في العسل من صورة للرقة والجمال والحلاوة، ثمّ إنّ هذا العسل الذي يفتتح به اليوم، هو أيضاً شعاع الشمس بل أوّل الشعاع- النور- وتحديداً عند موعد الشروق، فهي فترة مضيئة طقسياً وإبداعياً وتجيء بعد ليل، ودائماً يترقبها سموّه ويقتنصها موعداً للبوح، فهو الشاعر فارس القصيدة الأصيل.
وتبرز طقسية الوصف في مزاج الشاعر الذي يرتبط بمزاج حبيبه، ومعنى ذلك أنّ هذا الحبيب ملك على الشاعر تفكيره، فعاش في مزاج رائع، وهو ذوق رفيع ووصف موفّق لأن يشكّل الحبيب مزاج الشاعر الولهان والمتعب بالحب. ثمّ، يزداد الألق وتزداد وتيرة الوصف، فهو- الشاعر- يقبض على غرامه، بمعنى أنّه لا يفرّط به على الإطلاق، بدليل «قابض» ليسري في دمائه وعروقه، بل ويكتب اسمه في صدره المغلق عليه وحده، وذلك قمة الحب والوفاء والإحساس العالي، لأنّ الشاعر حين يكتم أمر حبّه أو البوح باسم من يحب، فهو يعاني تبعات هذا الكتمان، كيف لا، وهو الودود الصدوق، الذي يظل على حبه ووفائه وكتمانه وخوفه على حبيبه أو موضوع قصيده ما دامت الحياة.
إذن نحن في الواقع مع تجديد للوفاء وتأكيد للحب والبوح بعذابات الكتمان في قصيدة «عسل» التي جاءت برقيةً في الحب الشفيف والوصف الآسر كعنوان من عناوين محمد بن راشد آل مكتوم.
لكنّ اللافت في هذه القصيدة أنّ موضوعها أو الممدوح فيها هو ما يختصّ به الشاعر، فإنْ نحن حمّلنا هذا الحب للحبيب المادي، كان ذلك، وإن نحن قلنا إنّ نسمات روحانيّة صوفيّة وتجليات مصاحبة يحلف لها الشاعر أغلظ الأيمان والمواثيق، كان ذلك أيضاً، وإن نحن قلنا إنّ الفكرة أو المبدأ أو المنطلق هو بطل النص كان ذلك، .. والنتيجة أننا أمام صور وأخيلة تُترك لمتلقي النص ليفسّره على الوجه الذي يريد، من منطوقه الخاص، أو من منطوقنا العام، خصوصاً وأنّ آل مكتوم يغري شعره وإحالاته دائماً بمفاتيح وقرائن للحل وفك «الشيفرات» حيث تتعدد صورة الحبيب ويزداد تعلّق الجمهور بهذا النوع من الشعر الأصيل الماتع بصوره الجاذبة التي تستهوي كل العاشقين وتحار فيه الألباب.

عِسَلْ

غلاكْ عندي عَنْ جميعْ المخاليقْ
ماحدْ غيركْ ساكنٍ في خفوقي
إنتي العسَلْ لي يشربونهْ علىَ الرِّيقْ
نِوركْ شعاعْ الشَّمسْ وقتْ الشِّروقي
سكرانْ مِنْ حِبِّكْ مضيِّعْ ولا آفيقْ
علىَ مزاجي وكلْ مافيكْ ذوقي
قابضْ غرامكْ عَ النِّفَسْ والمخانيقْ
آحسْ معْ دمِّي جرىَ في عروقي
كتَمتْ أسمِكْ في الصِّدورْ المغاليقْ
لوُ كانْ كتمانهْ مِنْ أسبابْ عوقي
و عطيتْ لكْ صادقْ غلاضْ المواثيقْ
ما آبوحْ بهْ وأنا المودْ الصِّدوقي
يالينْ آخرْ يومْ لكْ في المعاليقْ
وآخرْ نفَسْ وإنتي غرامي وشوقي