الإمارات

«Fact-Checkers».. صحافتنا لا تعرفها.. لماذا؟!

مع تزايد انتشار القصص الخبرية المفبركة، تتراجع ثقة الجمهور في الإعلام، فيردد، للأسف، العبارة الخالدة المسيئة «كلام جرايد» للإشارة إلى عدم صحة خبر متداول بين الناس. ويتهم الجميع، وسائل الإعلام الجديدة، بأنها السبب الأساسي في تفشي مثل هذا النوع من الأخبار، قائلين إننا نعيش في عصر ما بعد الحقيقة.. حيث تضيع الحدود بين الأبيض والأسود.

لكن لا أحد يحمل الجمهور أي مسؤولية، مع أنه هو الذي ينشر مثل هذه الأخبار على أوسع نطاق وفي غمضة عين، من دون أن يبذل مجهوداً ولو بسيطاً للتأكد من صحة ما قام بمشاركته مع الآخرين.

تقوم طريقة انتشار الأخبار الزائفة على فكرة بسيطة لكن نتائجها مذهلة، تتلخص في الآتي: يبدأ الأمر بعنوان غير معقول مكتوب بطريقة تستهدف إسعاد أو إحباط جمهور معين من القراء. وأنصار الفريقين لا يقرؤون مضمون القصة بل يكفي عنوانها الذي أسعدهم أو ضايقهم ليقوموا فوراً بمشاركتها مع مجموعات الأصدقاء الذين لديهم التوجهات نفسها، فتنتشر القصة كالوباء على مواقع التواصل الاجتماعي، دون التأكد من صدقية المعلومات الواردة في القصة أو مصداقية مصدرها الأساسي. وفي العادة يكون في القصة ثمة عنصرٌ حقيقيٌ، لكن الباقي مختلق ومفبرك، كما يقول أحد الخبراء.

الصحافة الغربية تنبهت للمشكلة، فابتكرت حلولاً مناسبة، لكن صحافتنا العربية، مازالت للأسف غائبة تماماً في هذا الميدان، مما يجعل من الجمهور مستباحاً أمام الأخبار المفبركة وسط مناخ ضبابي، يساعد على ضياع الحقيقة وترسيخ الجهل، من خلال مواقع غريبة غير ذات مصداقية وتدوينات أفراد.

حلت صحافتهم المشكلة من خلال ما يعرف باسم «Fact - Chekers»، وهي مواقع إلكترونية ومنظمات مدنية تتولى مهمة «تقصي الحقائق» أو «تصحيح الأخطاء». وتقوم طريقة عملها على مراجعة وتدقيق ما يصدر عن السياسيين والشخصيات العامة من تصريحات وبيانات، ثم تنشر التصويبات. ليس ذلك فحسب بل إن بعضها طور آليات مذهلة لتصنيف مثل هذه البيانات وطريقة نشرها.

مثلا صار هناك ما يعرف باسم مقياس الحقيقة (Truth-O-Meter)، المؤلف من تصنيفات عدة للأخبار: صحيحة، صحيحة إلى حد ما، مزيفة.!

ومؤخراً، نجح موقع the Duke Reporters&rsquo Lab في تطوير أداة تقييم للبيانات السياسية على الهواء مباشرة.. وهي تعمل كوسيلة تنبيه يتم تحميلها على المتصفح كروم لأجهزة الكمبيوتر. تقوم هذه الخاصية المعروفة باسم FactPopUp، بتوجيه رسائل فورية للمتصفحين خلال متابعتهم مؤتمراً سياسياً مثلاً على الهواء مباشرة. وهي مصممة بحيث يمكن لجميع منظمات تدقيق المعلومات تزويدها فوراً بتقييماتها للبيانات الصادرة عن السياسيين.. فيظهر للمتصفح مثلاً زاوية تصنف ما يشاهده بأنه «حقيقي» أو «مزيف».

أيضا، نجحت محطات تلفزيون شهيرة، في تفعيل مثل هذه الخاصية على الشريط الإخباري الأحمر اللون في أسفل الشاشة.

وعلى الرغم من انتعاش مثل هذه المواقع مؤخراً في ظل حمى الانتخابات الأميركية التي راجت خلالها كثير من الأكاذيب وسادت نظرية المؤامرة، إلا أنها في الحقيقة قديمة بعض الشيء.

ففي عام 2009 فاز موقع «PolitiFact» بجائزة بوليتزر عن تغطيته المميزة لانتخابات الرئاسة الأميركية في 2008، نظراً «لجهد المحققين في فحص أكثر من 750 من المزاعم السياسية (التي رددها المرشحون) مما مكنهم من فصل الرطانة الخطابية عن الحقيقة وساهم في تنوير الناخبين»، حسبما جاء في بيان تحكيم الجائزة.

وحينها، قال نيل براون رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة سان بطرسبرج تايمز الذي أطلق الموقع في أغسطس 2007 إن الجائزة «دليل على أن الإنترنت ليس عقوبة إعدام للصحف» كما يشيع البعض.

وينشط من هذا النوع أكثر من مائة موقع منتشرة في مختلف أنحاء العالم، حتى في دول مثل أوغندا أو مقدونيا.. إلا في العالم العربي على الرغم من شدة احتياجنا إليها.

وكيف لا نحتاج إليها، والأخبار المفبركة والقصص المختلقة تنتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط أجواء تسودها حدة الاستقطاب السياسي والعداء الطائفي والحروب الأهلية المروعة، ناهيك عن تراجع مستويات التعليم. ويستغل بعض السياسيين والمسؤولين والشخصيات العامة، مثل هذه الأجواء، فيطلقون العنان لتصريحات، ربما كانت مليئة بالمغالطات والأكاذيب.. لكن لا أحد يحاسبهم.

ولو عرف هؤلاء أن لدينا مواقع أو منظمات معتبرة تستطيع أن تراجع بدقة ما يقولونه، لتدحض وتفند ما فيه من فبركات، لربما فكروا مرتين قبل أن يتحدثوا على سجيتهم. لكن يحتاج ذلك من دون شك إلى جهد حقيقي من المؤسسات الصحفية العربية، لتطور بنفسها آليات فعالة لتحري صدق ما تتلقاه من بيانات وأخبار قبل أو بعد بثها مما يمنحها طاقة جديدة تستعيد بها ثقة القراء في «كلام الجرايد».!