دنيا

د. علي جمعة: يجوز للمرأة تولي منصب المفتي

العناصر النسائية تتمتع بقدرات علمية تؤهلها لتولي مهمة الإفتاء (أرشيفية)

العناصر النسائية تتمتع بقدرات علمية تؤهلها لتولي مهمة الإفتاء (أرشيفية)

لم يحظر الشرع الحكيم تولي المرأة الإفتاء، استناداً إلى أن الفقه النسائي وجد منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشرط أن تكون المرأة ملتزمة بالآداب الشرعية، وتمتلك مقومات الإفتاء من معرفة باللغة العربية والقواعد الأصولية والمقاصد الشرعية وفقه الواقع. وبحسب ما أكده عدد من علماء الفقه الإسلامي، عليها أن تكون ملمة بأدلة الأحكام الشرعية وتستطيع أن تميز بين العام والخاص والمحكم والمتشابه والمفصل والمبهم.


أحمد شعبان (القاهرة) - تجددت أزمة المرأة والإفتاء وحكم الشريعة الإسلامية في تولي المرأة منصب الإفتاء والقضاء من جديد، عقب إعلان دار الإفتاء المصرية عن مسابقة شارك فيها 300 شخص، من بينهم 12 امرأة لخوض اختبارات دورة إعداد المفتين.
وعن وجود موانع شرعية في تولي المرأة للقضاء، رحب مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة بتولي المرأة مهمة إفتاء النساء في أمور دينهن، وأكد أنه لا يوجد مانع شرعي من تولي المرأة مهمة الفتوى، بل إن الأوجب أن تشارك والأصل في المرأة أنها جزء من المجتمع المسلم الذي وجب عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، وأشار إلى أن ‏‏السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تفتي الصحابة‏‏، ‏واشتغال المرأة بالعلم أمر مقرر في الشريعة الإسلامية،‏ أما تعيين المرأة في منصب ما‏‏، فهذا يرجع إلى اختلاف الزمان والمكان والأشخاص‏‏، وهي مسألة إجرائية وليست فقهية‏، وتعيين مفتية للنساء مسألة ترجع لولي الأمر الذي يرى مدى توافر العالمات الصالحات لهذا المنصب‏ وتقبل المجتمع لذلك وفائدته، فإن أراد ولي الأمر تعيين مفتية للنساء فلا بأس‏.
العلوم الشرعية
وأوضح المفتي أنه يجوز للمرأة أن تعتلي منصب المفتي على رأس دار الإفتاء في مصر، وفي أي مكان، وقال: «المرأة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى المئة سنة الماضية، كانت تدرس العلوم الشرعية وتنقل الحديث النبوي عن رواته وكانت تتفرد ببعض الفتاوى عن العلماء، وكانت السيدة عائشة والسيدة أم سلمة زوجتا الرسول صلى الله عليه وسلم تنقلان أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتفردتا بها، وقد نقلتها كل كتب السيرة والحديث، كما توجد في أمهات كتب الحديث مثل البخاري ومسلم أحاديث لهما، وهناك الكثير من العالمات بالدين كن يدرسن العلوم ويدرسنها».
أحكام الدين
وحول أهمية وجود الإفتاء، أشار أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر الدكتور أحمد محمود كريمة، إلى أن الفتوى فرض على الكفاية، لأنه لابد للمسلمين ممن يوضح لهم أحكام الدين الحق فيما يقع لهم ولا يحسن ذلك كل شخص، فوجب أن يقوم به من لديه القدرة، والفتوى معناها تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، والمفتي اسم موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم عموم القرآن الكريم وخصوصه وناسخه ومنسوخه، وكذلك السنن والاستنباط، فمن بلغ هذه الرتبة يسمى مفتياً ومن استحق أفتى فيما استفتي فيه.
وأضاف: «من شروط المفتي الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة والاجتهاد والفطنة والتيقظ، واتفق العلماء على عدم اشتراط الذكورة والحرية، بالإضافة إلى ما نقل عن إفتاء أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل مشهورة وتصحيحهن لبعض فتاوى الرجال، مثل مسألة عدم نقض المرأة شعرها في الغسل وعدم تعذيب الميت المسلم في قبره ببكاء أهله عليه».
كمل لفت الدكتور كريمة إلى جواز صحة تولي المرأة الإفتاء متى تحققت الشروط الواجبة في المفتي، ولا دخل للذكورة في هذا، بجانب أن صفة الإفتاء مجرد الإخبار بالحكم وليس ولاية من الولايات التي تشترط فيها الذكورة، بل الشروط السالفة كافية، ومنها الآداب المعروفة من حسن الهيئة والتقيد بالأحكام الشرعية وصلاح السريرة والنية الخالصة والعمل بما يفتى به وكتمان أسرار المفتين وأن يكون الإفتاء بعيداً عن أحوال الغضب والضجر وما أشبه، وكلها أمور تتحقق في الرجال والنساء على السواء، فلا يوجد حظر من الشرع الحكيم على تولي المرأة الإفتاء.
عبر التاريخ
وحول ما يتردد عن الموانع الشرعية، قالت أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح، إنه لا يوجد مانع شرعي في تولي المرأة مهمة الإفتاء، لأن الفقه النسائي وجد منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأشارت إلى أن التاريخ الإسلامي أكد أن الفقيهات موجودات عبر التاريخ ابتداء من الصحابيات، وأولهن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، حيث كان الصحابة يلجأون إليها في أسئلتهم، ومن النساء الآن من حصلن على شهادات عليا في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي، وكان لآرائهن اعتبارها من حيث النظر والاجتهاد المماثل لاجتهاد العلماء الرجال من فقهاء الأمة.
وأضافت أن الفقه في الدين ليس حكراً على الرجال، والإسلام أجاز للمرأة العلم والتعلم وأن تكون مفتية ومعلمة، لأنها مكلفة مثل الرجل، كما أجاز الإسلام للمرأة أن تفتي ما دامت ملتزمة بالآداب الشرعية وتمتلك مقومات الإفتاء من معرفة باللغة العربية والقواعد الأصولية ومعرفة المقاصد الشرعية وفقه الواقع، وهذه الأدوات لا بد من أخذها بعين الاعتبار في الإفتاء للرجل أو للمرأة على حد سواء، وهناك من الصحابيات وأمهات المؤمنين من تصدرن للإفتاء وشرح أحكام الشريعة، وقد كان في زمن الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، بعض النسوة من الصحابة والتابعين اشتهرن بالعلم الشرعي، لذلك فلا مانع من أن تتصدى المرأة للإفتاء، خصوصاً، في المسائل التي تتعلق بالنساء وبالشروط التي ذكرناها، حيث يجب أن تكون ملمة بأدلة الأحكام الشرعية وتستطيع أن تميز بين العام والخاص والمحكم والمتشابه والمفصل والمبهم، بالإضافة إلى أنها يجب أن تتصف بالخلق الحسن والاستقامة.
منصب المفتي
وبخصوص جواز تصدي المرأة لمهمة الإفتاء، تقول العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير: «لا يجوز أن تتولى المرأة منصب المفتي، ولكن من الممكن استحداث وظيفة مساعدة للمفتي من النساء، تتولى الإفتاء فيما يخص قضايا المرأة مثل قضايا الطفولة والأسرة».
وأكدت أنه لا يوجد أي مانع من تولى المرأة مهمة الإفتاء بشرط التزامها بالضوابط الشرعية والفقهية، وفى مقدمتها حشمتها وعفافها، لأن الإفتاء ليس من باب الولاية ولا السلطان، ولأن الفتوى غير ملزمة أما القضاء، وحكم القاضي ملزم، فيجوز للمرأة الإفتاء، أما القضاء والولاية الكبرى ففيهما خلاف بين العلماء.
وأشارت إلى أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كن يسألن ويجبن من هو أجنبي عنهن من وراء حجاب، ولم ينكر عليهن أحد ذلك، لأن من أهم المجالات التي عملت فيها المرأة مجال الإفتاء، وهناك أمثلة كثيرة لنساء مفتيات كان يلجأ إليهن الناس لمعرفة أحكام الدين فيما يقابلهم من مشاكل وخلافات شرعية في حياتهن اليومية، وكانت الفتوى بعد وفاة الرسول مباشرة مرتبطة بالحفاظ على السنة النبوية الشريفة.