دنيا

قاتل رغم أنفه

أحمد محمد (القاهرة) - «شعبان» لا ناقة له ولا جمل فيما حدث، في لحظة وجد نفسه متهماً بالقتل، صحيح لم تكن جريمته عارضة، وأنه خطط بشكل جيد لتنفيذها، لكنه لم يكن يوماً طرفاً في هذا النزاع الدامي الطويل ولا علاقة له به، فهو في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل في إصلاح أجهزة التكييف، وبينما هو في عمله جاءه خبر مقتل ابنة خالته، وقاتلها هو أخوها، لم يحتمل رغم أنه لا يربطه بها إلا صلة القرابة، فهي متزوجة ولها ثلاثة أبناء، لكن أخذته الغيرة عليها، ولم يطق صبراً وقرر الانتقام في التو واللحظة قبل فوات الأوان.
الأحداث قد بدأت قبل أن يولد شعبان أصلاً وقبل أن يأتي إلى الدنيا، منذ أكثر من ثلاثين عاماً جاء الثري العربي وخطب خالته وتزوجها، انتقلت معه إلى بلده، وكان متزوجاً من امرأتين أخرتين كلتاهما تحمل جنسية بلدين عربيين أخريين، فكان له ثلاث زوجات، أنجب منهن جميعاً، كان الرجل غاية في العدل بينهن وبين أبنائه قدر استطاعته، ينفق على بيوته كلها بلا تفرقة، فهو يملك عقارات وشركات وأموالاً في المصارف ويربح الكثير، وطريقته تلك في التعامل كانت سبباً في الوئام بين زوجاته، فلم تكن الضرائر أبداً يتفقن، لكن تصرفات الرجل جعلت الجليد يذوب بينهن، ويتزاورن ويتبادلن الاتصالات، كان سعيداً بالتواصل الذي بين زوجاته وأبنائه، فهو يريدهم جميعاً أن يكونوا أسرة واحدة، مترابطين متحابين، ويستمر ذلك حتى بعد وفاته فهم إخوة وليس لهم إلا بعضهم.
ثروة الرجل كبيرة تقدر بحوالي خمسة وعشرين مليون دولار، أصيب فجأة بمرض عضال، بعد أن شعر بتكرار حالات الإعياء تنتابه على فترات متقاربة وغثيان، ووصل الأمر إلى فقدان الوعي تردد على الأطباء ودخل في دوامة الأشعة والفحوص والتحاليل التي أثبتت أنه مصاب بالسرطان، وهو في شدة مرضه استشعر أن ابنه الأكبر قد تخلى عن صمته بعد أن ظهرت شواهد النهاية، وظهرت أطماع الابن في الثروة الكبيرة، أعمى الحقد والطمع عينيه، وأراد أن يستحوذ على الثروة والأموال كلها لنفسه، فهو الولد الوحيد بين أخواته البنات الخمس، هو من أم وثلاث بنات من أم واثنتان من الزوجة الثالثة، كل ذلك لاح للرجل وظهر واضحاً جلياً، فقام بكتابة وصيته بتقسيم التركة على الورثة بعد وفاته طبقاً للشرع حتى لا يظلم الولد أخواته ولا زوجتي أبيه.
كان إحساس الرجل صادقاً، وودع الدنيا، وكان الولد في العشرين من عمره، بينما أخواته ما بين السنتين والست، حاول الجميع أن يحصلوا على أنصبتهم، لكنه قرر التأجيل ويرى أن الوقت غير مناسب لتقسيم الميراث الآن، فلا يجوز الحديث عن ذلك وأبوه قد توفي منذ عدة أسابيع، فهذا عيب كبير أو كذلك ادعى كي يماطل، حتى بعد مرور عدة أشهر ما زال يتحدث بالمنطق نفسه، وإن لم يكن غير قادر على الاستفادة من المال بشكل عادي؛ لأنه حسب الوصية لا يجوز له التصرف فيه وحده.
أفصح الابن عن نيته برغبته في تعديل الوصية ليستولي على نصيب الأسد، صدقت توقعات أبيه، طالب أخواته الصغيرات وزوجتي أبيه بالتنازل له عن حقوقهن، ساومهن مقابل مبلغ لا يذكر، كان الرفض هو الرد الطبيعي، هددهن جميعاً بالقتل، كان واضحاً وجاداً في تهديده لم يكن يمزح أو يناور، فلم يكن أمام زوجة أبيه الثالثة إلا أن تصحب ابنتيها وتعود بهما إلى بلدها، كانت الصغيرتان في عمر ابن خالتهما «شعبان» تقريباً، فهو يكبر الأولى بعام والثانية بثلاث سنوات، نشأ معهما، حيث إن خالته تقيم بالقرب من أمه وتمر السنون ويكبر الصغار، تخرج الجميع في الجامعات، وتزوجت الفتاة الكبرى وتمت خطبة الصغرى، والذين كانوا أطفالاً هم الآن في عمر الشباب.
خمس وعشرون عاماً مضت، ربع قرن بالتمام والكمال على وفاة الرجل الثري، وما زالت تركته كما هي بلا تصرف، لم يستفد الورثة جميعاً منها والأموال كلها مجمدة والأعمال متوقفة بسبب طمع الابن، أنه ما زال يسير على المنهج نفسه، تسبب في قطع صلات الأرحام، وإن كانت محاولاته في الاتصال مرة كل عدة أعوام ليست خالصة، وإنما ليعيد التهديد أو يحاول الضغط على زوجتي أبيه وأخواته، وهن يرفضن هذا الأسلوب، وتستمر الجفوة والقطيعة.
فوجئت الأرملة باتصال من ابن زوجها، بغير اللهجة التي اعتادتها منه من قبل، فهو يعبر عن اشتياقه لأختيه اللتين لم يرهما طوال كل هذه السنين، ويود أن يلتقي بها وبهما، وكفي ما كان من خلاف، رحبت المرأة به وبتلك الخطوة المتعقلة، استأجرت سيارة وتوجهت إلى المطار لتستقبله، بينما كانت أختاه تعدان له أشهى أنواع الطعام، وتنتظران الأخ الذي لا تعرفان ملامحه، كانت لحظات اللقاء الأولى حارة، لم تخل من الدموع من الأم والأختين، لم يرد أن يضيع وقتاً في الحديث إنه متعجل فبدأ بالكلام عن الخلاف حول الميراث، ويجب ألا يستمر أكثر من ذلك، فالجميع خاسرون من تجميد الأوضاع والأموال، بينما كانت الأختان تستعدان لتقديم الطعام استوقفهما لتسمعا كلامه، تحولت نبرته وتغيرت إلى التهديد المعتاد، استغرب الجميع أن يكون قطع آلاف الكيلومترات ليعيد نفس الكلام.
طلب من أختيه أن تعودا معه ليعيش الجميع كما كانوا أسرة واحدة في الماضي، فهم إخوة، ويجب ألا يتحول الدم إلى ماء، كان من الطبيعي أن يرفضن جميعاً، فالأم لا شيء لها هُناك يجعلها تعود من أجله، فزوجها قد مات منذ سنوات طويلة، والابنة الكبرى تزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال واستقرت حياتها، ولا يمكن أبداً أن تترك زوجها وأبنائها، والابنة الصغرى ليس هناك ما يجعلها تذهب معه وهو بهذه القسوة والطمع، يبدو أنه كان متأكداً من أن هذا هو الرد المتوقع منهن، فاستغل الموقف وهو مستعد له من قبل وأخرج من جيبه أوراقاً أعدها وجاء بها جاهزة للتوقيع، قدمها لأرملة أبيه وأختيه يأمرهما بالتوقيع عليها، كانت تنازلاً عن حقوقهن كلها له، طالما يرفضن العودة معه إلى بلد أبيه.
من الطبيعي أن يتمسكن بحقوقهن، ويرفضن عرضه المجحف، وفي لحظة اختفت المودة التي جاء من أجلها أو هكذا ادعى، وظهر على حقيقته، فقد أخرج مسدساً كان تحت ملابسه وأطلق رصاصات عدة على أخته الكبرى فأرداها قتيلة في الحال، ووجه فوهة السلاح إلى الثانية فأصابتها رصاصة في قدمها، حاولت الهرب وهي تنزف وتصرخ، والأم العجوز لا حول لها ولا قوة غير الصراخ وطلب النجدة من الجيران الذين هرعوا إليها واستطاعوا أن ينقذوهما من الموت، أمسكوا بالأخ القاتل وأوسعوه ضرباً وأصابوه بجروح وكدمات حتى فقد الوعي ونقلوه إلى المستشفى.
كان «شعبان» في عمله خلال هذه الأحداث الدامية، لا يعرف عنها شيئاً، وإن كان يعرف التفاصيل كافة عن الأحداث السابقة كلها منذ أن تزوجت خالته بهذا الثري، وعودتها بالصغيرتين، ويعلم الخلاف على الميراث، لكنه لا يتدخل من قريب أو بعيد لأن هذا لا يخصه وإن كان يتعاطف مع ابنتي خالته ويريد أن تحصلا على حقهما، دق جرس هاتفه، وجد من يخبره بمقتل الكبرى وإصابة الصغرى، لم يصدق ما سمعت أذناه، هرع إلى هُناك كانت الدماء ما زالت كما هي على الأرض، والقتيلة فوقها في مشهد يذهب بالعقل، فعلاً فقد عقله وقرر أن ينتقم من القاتل على الفور حتى لو كان أخوها. علم أن القاتل في المستشفى يتلقى العلاج بعد أن أوسعه الجيران ضرباً، توجه إلى هناك بعد أن دس سكيناً في بنطاله، لكنه لم يتمكن من الدخول؛ لأن البوليس يحيط بالمكان بسبب جريمة القتل؛ ولأنه متحفظ على القاتل في غرفة العمليات، كان لا بد أن يبحث عن حيلة سريعة ليتمكن من الدخول، انتحى جانباً وأصاب نفسه بعدة جروح، ادعى أنه تعرض لحادث وتوجه للاستقبال فأدخلوه للعلاج، تحقق له ما أراد، نجحت خطته تماماً، فها هو القاتل على بعد خطوات منه قد أفاق ويتلقى العلاج على يد الطبيب.
لم يرد شعبان أن يضيع وقتاً ادعى أنه أصيب بحالة هياج عصبي وهاجم الطبيب المعالج الذي خرج مسرعاً من الغرفة يطلب الممرضين للسيطرة عليه، كانت الغرفة خالية له فسدد الطعنات للقاتل كانت سريعة تجاوزت السبع خلال ثوانٍ معدودة، كانت كافية لأن تودي بحياة القاتل ليتحول هو الآخر إلى قتيل، وعندما جاء طاقم التمريض كان الأمر قد قضي، فشل في الهرب فقد أمسكوا به وسلموه لرجال الشرطة بعد أن حقق أسرع انتقام.
ومضى عامان وشعبان بين التحقيقات والمحاكمات، لا ينكر فلا سبيل إلى ذلك، فالأدلة واضحة والبراهين ثابتة، اليوم كانت جلسة النطق بالحكم، أودعوه قفص الاتهام، قضت المحكمة بمعاقبته بالسجن عشر سنوات، وقد أخذته بالرأفة، كان يعلم أنه لن يحصل على البراءة، وأنه مذنب ومدان، لكن كان يطمع فيها؛ لأنه كما قال محاميه، إنه ارتكب جريمته بعد أن أصيب بحالة جنون وقتي من هول ما سمع بعد مقتل ابنة خالته، لكن المحكمة رأت أنه خطط لجريمته ولم تكن وليدة اللحظة.