ثقافة

الصفحات الثقافية في مواجهة مواقع التواصل الاجتماعي

«على صفحتي عشرون ألفاً من الأصدقاء والمتابعين مما يجعلها منبراً ثقافياً في حد ذاتها، (...) مواقع التواصل أظهرت الجدب الشديد الذي تعاني منه الصفحات الثقافية في الجرائد والمجلات، كثير من القراء مازالوا خارج دائرة الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي»، «هذا تطور لن نستطيع مواجهته، حتى الكتاب الورقي مهدد بذلك».


هذه بعض الخطوط العريضة بين مؤيد ومعارض، لسؤال طرحناه على جميع أطراف العملية الإبداعية.. هل هزت مواقع التواصل الاجتماعي عرش الصفحات الثقافية في الوطن العربي؟.


الناشر الإماراتي جمال الشحي يؤيد تراجع تأثير الصفحات الثقافية لمصلحة مواقع التواصل الاجتماعي لسهولة انتشارها. ويضيف: «دعونا نتفق أن مواقع التواصل الاجتماعي، بمثابة إضافة جيدة للصحف الورقية، وأن نتفق على أن عجلة الزمن لن تعود إلى الخلف، وأن الكتاب والناشرين أصبحوا قنوات إعلامية متحركة، لم يعد الكاتب بحاجة إلى الذهاب للصحف بكتابه ليقوموا بنشر خبر صحفي عن مولوده الجديد. اليوم يكفي الكاتب أن يضع خبراً عن كتابه في صفحته على الفيس بوك أو تويتر أومدونته، لتنقل عنه الصحف والمجلات».


د. سهير المصادفة شاعرة وروائية ومترجمة مصرية حاصلة على جائزة أندية فتيات الشارقة للشعر عن مجموعة «فتاة تجرب حتفها»: «صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بما تحويه أيضا من بوابات إلكترونية ومواقع للنشر، جعلت الصفحات الثقافية في مرتبة أدنى. أنا مثلا لدي على صفحتي عشرون ألفًا من الأصدقاء والمتابعين، مما يجعلها منبرًا ثقافياً في حد ذاتها، فأنا لا أضمن هذا العدد من القراء لبعض الصفحات الثقافية، والأهم أنهم يبقون ويتابعون صفحتي بمحبتهم وبمحض اختيارهم، ولا أذهب إليهم كما في حالة الصفحات الثقافية، حتى مقالاتي المنشورة ورقيًّا في الجرائد والمجلات، تصبح منتشرة ومقروءة أكثر حين أنشرها إلكترونيا على صفحتي».


الروائي مكاوي سعيد، رشح لجائزة البوكر عن روايته «تغريدة البجعة»: «هناك تصور غير دقيق عن تراجع شعبية الصفحات الثقافية في الوطن العربي في مواجهة شبكات التواصل الاجتماعى، أعتقد أن العكس هو الصحيح فأنا مثلا أصبحت أطّلع بشكل يومي على أغلب الصفحات الثقافية في البلاد العربية من خلال هذه الشبكات، بينما في الماضي القريب كان ما يصل إلى أيدينا من هذه المجلات ضئيلاً جداً وأحيانا معدوما».


سوسن الأبطح، كاتبة لبنانية ترى أن: «المرحلة التي نمر بها تفرض إعادة النظر بمفاهيم، وقيم كثيرة، لم تكن لسنوات طويلة موضع تساؤل، ومنها السؤال حول جدوى أن تكون صحافياً، وما الخدمة التي تقدمها صحيفتك أو الصفحة التي تحررها أو تتوجه عبرها للقراء».


وتواصل«مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها«فيسبوك» و«تويتر» لكثرة ما نقلت من أخبار، وما حملت من تحليلات، وما كان لها من تأثير على مسارات الأحداث، يبدو وكأنها عصفت بمهنة الصحافة، حتى وكأنما قضمتها قضماً. الصحافة السياسية المكتوبة، نكبت في الصميم بسبب السرعة الخاطفة التي ينقل بها الخبر على التلفزيونات ووسائل التواصل وما يصاحب ذلك، من صور وأشرطة، لكن يتبين بمرور الوقت أن الغزارة والسرعة حملتا الكثير من الفوضى والالتباس».


وفي مجال الحقل الثقافي، ترى الأبطح أن«الصحافة الثقافية هي الأخرى تجد نفسها محشورة في زاوية ضيقة بسبب أن الخبر لم يعد مهمتها الأولى، وكتاب هذه الصفحات أنفسهم، أصبحوا ينشرون نتاجاتهم على صفحاتهم الخاصة. ثمة من يقول على سبيل الاستهزاء إن الصفحة الثقافية يمكن تغذيتها من بريد القراء. لكن، مع الوقت سيتبين، ربما، أن الصحافة لم تمت، والصفحات الثقافية، تحديداً لم تنته مهمتها، لكن هناك تحولات في الوظائف يتوجب فهمها، والتعايش معها».


الروائية المصرية عزة سلطان، وأحدث إصداراتها رواية «تدريبات على القسوة» تؤكد:«مواقع التواصل أظهرت الجدب الشديد الذي تعاني منه الصفحات الثقافية في الجرائد والمجلات والتي أصبحت تخدم جهات بعينها. في دراسة قمت بها في العام 2002، عن مدى تغطية الإنتاج الصادر في الرواية والقصة القصيرة، كانت جريدة متخصصة كأخبار الأدب لا تقوم بتغطية أكثر من 5% مما يصدر، تلك التغطية التي كانت تتراوح بين الأخبار عن صدور عمل، أو متابعة نقدية. إن فكرة الشللية التي تُعاني منها الأوساط الثقافية على الأقل في مصر، كانت تأتي على المبدعين الشباب، ومبدعي الأقاليم، وهؤلاء من يعيشون في العاصمة بلا جوقة. بينما ساعدت مواقع التواصل على خلق مساحات للجميع، مما أوضح ما تعانيه تلك الصفحات الثقافية من فراغ حقيقي وخلل في المتابعة».


الروائي محمد مستجاب الحاصل على جائزة غسان كنفاني فلسطين الدولية عن رواية «العزف بمجدافين»:«بخصوص هذه القضية، فقد اهتزت عروش كثير بسبب صفحات التواصل الاجتماعي، فقد قل الذهاب إلى السينما بسبب القرصنة مثلا، وقد اهتزت جرائد وصحف كبرى وكادت تغلق أبوابها، وتقتصر فقط على موقعها الإلكتروني، هذا نتيجة التطور وإن كان لا يزال الكثيرون يعتمدون على الطبعات الورقية».


ويضيف مستجاب قائلاً:«ولن أذكر لك أسماء صفحات ثقافية تمت في البداية إزاحتها في سبيل صفحات الرياضة أو صفحات للإعلانات، هذا جعل الصفحات الثقافية لدينا صفحات قلقة باستمرار في مواجهة أي ظرف وبالتالي عندما جاءت مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح كل شخص لا يستطيع أن يضع اسمه في الصفحة الثقافية في جريدة ما يعمد إلى أن ينشر ما لديه على صفحته أو مدونته أو أي موقع عليه إقبال في المشاهدة».


الشاعر اللبناني علي نسر، الذي صدر له مؤخراً ديوان بعنوان «وطن تنهد من ثقوب الناي»:«الصفحات الثقافية لا أراها تتراجع أمام المد الفيسبوكي أو مواقع التواصل الاجتماعي وقد يكون السبب أن المطلعين على هذه الصفحات بالذات هم شريحة معروفة، ومن انخرط في أجواء التواصل الاجتماعي من مثقفين وغيرهم لا أظن أنهم استغنوا عن ملاحقة الملاحق الثقافية والصفحات الثقافية.. هذا لا يعني أن التواصل الاجتماعي وصفحاته لم تستقطب شرائح واسعة ولكن هذه الشرائح لم تؤثر سلبًا لأنّ معظم مكوناتها لم تكن الثقافة في الصحف تعني لهم الكثير».


يؤكد سيد محمود، رئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية:«لم تهز مواقع التواصل الاجتماعي من مكانة الصحافة الثقافية بل على العكس جددت دماءها لأنها وضعتها أمام تحدٍ جديد، لخبرة التاريخ تشير إلى أنه لا يمكن لوسيط تكنولوجي أو اتصالي أن يلغي وسيطا آخر، فالتلفزيون عزز من مكانة الراديو والإنترنت يعزز الآن من فرص الكتاب الورقي في التداول بين الأجيال الجديدة لأنه يمده بجمهور جديد لم يكن له والأمر دوما يتعلق بمصداقية الصحافة الثقافية ومدى قدرتها على توثيق الأخبار ووضع معايير للفرز النقدي، في توقيتات سريعة قادرة على الملاحقة وهذا نموذج التحدي الذي تواجهه الصحافة إجمالا، لكن الصحافة الثقافية قدرها ملاحقة المبدعين وهم من أنشط الفئات حضورا على مواقع التواصل الاجتماعي حيث طغيان الرغبة في التواصل مع القارئ بأمل كسر عزلة الإبداع وطابعه النخبوي».


يرى الشاعر والناقد الأدبي المصري محمد سعد شحاته:«فتحت مواقع التواصل الاجتماعي أفقًا أوسع للمهتمين بالفن والإبداع بوجه عام، والكتابة على وجه الخصوص، حيث يستطيع كل من لديه أفكار أن يطلقها في الفضاء الالكتروني لجمهور أصدقائه ومتابعيه، غير منتظر موافقة مسؤول الصفحة الثقافية في الجريدة الورقية أو المجلة أو أي شكل من أشكال الطباعة التقليدية الورقية، كما أن هذا الفضاء -نفسه- منح الكاتب الذي يبث أفكاره وكتاباته فرصة مباشرة للتواصل مع جمهوره الافتراضي، حيث يتبادلان الآراء حول المنشور من خلال التعليق والرد عليه».


فاطمة خير: كاتبة صحفية وروائية:«بالبرغم من مهنتي كخبيرة تطوير محتوى للمواقع الإلكترونية.. ومدربة للصحفيين على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة فرصهم المهنية والدعاية لأنفسهم، لكننى أعتقد وبقوة أن الصفحات الثقافية لها دور آخر فليس لكل كاتب متابعون خاصة إذا كان مبتدئا، ولا كل كاتب قادر على التفاعل مع شبكات التواصل، للصفحات الثقافية دور في اكتشاف المواهب، والارتقاء بالذوق العام، لكن عليها أيضا التفاعل مع صفحات شبكات التواصل.


الكاتب محمد سيد ريان، صاحب كتاب «القراءة والثقافة الرقمية»: «مما لاشك فيه أن الصفحات الثقافية على مواقع التواصل الاجتماعي حققت نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة، وساعدها على ذلك التفاعل اللحظي والسرعة في نقل الأحداث الثقافية بالإضافة إلى أنها تعد بيئة جيدة لظهور مواهب جديدة بلا قيود أو روتين قاتل للمواهب الشابة، كما أن الاشتباك الثقافي مع القضايا المجتمعية يظهر بوضوح على صفحات تلك المواقع من دون أي رتوش أو تأثيرات خارجية، كما أن غياب الرؤية والتفكير القديم لدى معظم المؤسسات الرسمية سهل من وجود كيانات افتراضية تطرح أفكاراً جديدة ومبتكرة».


يري شادي أحمد، روائي شاب. صدرت له رواية بعنوان «كالتشيو»: «مهما كان عدد المتابعين للكاتب على صفحته على «الفيس بوك» أو« تويتر »أو مدونته الخاصة، سيبقي نشر قصة من تأليفه، أو تنويه عن كتاب صدر له في جريدة بقيمة الأهرام المصرية أو الاتحاد الإماراتية حلماً يراوده، خاصة في مقتبل العمر وبدايات المشوار، لا بد أن نعترف أن كثيراً من القراء ما زالوا لايعترفون بالكاتب إلا إذا نشر عنه في جريدة أو مجلة ورقية، وهناك قطاع ما زال يستهين بالقيمة الأدبية لما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. ويصنفه في باب الهواية، وليس عملاً احترافياً».