دنيا

خريف السينما تزامن مع «الربيع العربي»

أثرت تداعيات ما سمي بـ «الربيع العربي» في صناعة السينما في البلدان التي طالتها رياحها، لا سيما في عواصم كانت تشهد نشاطاً سينمائياً ملحوظاً مثل مصر وتونس وبيروت، فقد انعكست حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي التي دخلت فيه تلك المناطق بشكل كبير على أضلاع تلك الصناعة، وهو ما أدى إلى توقف عدد من شركات الإنتاج، ومعاناة العديد من نجوم الشباك، لأكثر من موسم، إذ جلس معظمهم على مقاعد «البطالة» الفنية.


تامر عبد الحميد (دبي)

تجنب المنتجون الخوض في أفلام تخاطب بشكل مباشر الجمهور حول رؤى تعالج واقع ما أفرزته تلك الأحداث، وهو أمر صب لصالح ترسيخ نوعية من الأفلام التجارية تعنى في المقام الأول بشباك التذاكر.
وكرس اتجاه المنتجين للابتعاد عن أعمال تعالج تداعيات «الربيع العربي»، حقيقة أنه لا اتفاق أو قناعة حول تفسير حقيقة الأحداث، وهو ما جعل الكتاب يؤكدون أن كتابة أعمال حقيقية عن «الربيع العربي»، لا تزال بحاجة إلى وقت، من أجل أن تكون ذات درجة عالية من المصداقية.
وفي أكبر بلد عربي منتج لصناعة السينما، وهو مصر، تكاد تكون عجلة الإنتاج قد توقفت تماماً عدة أعوام، باستثناء شركة تعد أكثر الشركات التي يلاقي إنتاجها هجوماً نقدياً حاداً، ويعتبرها المصنفون إحدى أكثر الشركات التي هبطت بسوية الفيلم العربي، لصالح أعمال تتجاوز الخطوط الحمراء .
فهل ثورات الربيع العربي والأحداث التي تمر بها المنطقة ومواجهة الإرهاب، أدت إلى تراجع الفن السينمائي وقلة إقبال الجمهور على الأفلام المعروضة ونوعيتها؟! وهل السينما من الممكن أن تطرح قضايا جديدة عبر الأفلام المتنوعة، بناء على التغيرات السياسية في المنطقة من عنف وإرهاب، وهل أيضاً من الممكن أن تكون السينما في الصفوف الأمامية لمواجهة الإرهاب.. أسئلة كثيرة طرحتها «الاتحاد» على بعض من صناع السينما ونجومها وكانت الردود.

أزمة اقتصادية
من بين كوكبة النجوم التي حضرت فعاليات مهرجان دبي السينمائي « من 9 إلى 16 ديسمبر الجاري»،أشار المخرج الكبير محمد خان إلى أن ثورات الربيع العربي أثرت في الآونة الأخيرة على تراجع السينما المصرية العربية بشكل عام، خصوصاً أن هذه الأزمات التي حلت على بعض البدان، تسببت في أزمة اقتصادية عامة وكذلك فردية، الأمر الذي أبعد الجمهور عن السينما أو أي مواد ترفيهية أخرى، وقال: في تلك الفترة من كان يستطيع أن يأخذ أولاده وعائلته لمشاهدة فيلم في إحدى صالات العرض السينمائية، فمن الحالة الاقتصادية ظروفه لا تسمح بذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى الإرهاب والعنف الذي «أرعب» الناس جعلهم يتوجهون نحو متابعة التليفزيون بشكل أكبر، ومشاهدة ما يحدث من أخبار مؤلمة وموجعة.

اختيار المناسب
ويرى أن صانع السينما من حقه أن يعرض ما يشاء كفن، والنوعية التي عرضت ما بعد الثورة من أفلام سينمائية، كانت تعرض أيضاً قبل الثورة، وقال: ثورات الربيع العربي لم تؤثر في نوعية الأفلام التي تعرض من حيث قصصها أو ما يقدم فيها، فكان أي منتج من حقه أن ينفذ نوعية الفيلم الذي يريده ويطرحه في دور العرض، ومن بين كل الأفلام المعروضة سواء السطحية أو الجادة أو الكوميدية من حق المشاهد أن يختار ما يراه مناسباً له ولمعتقداته وفكره.

تحرر من القيود
وأوضح أن السينما العربية تحررت من القيود في الفترة الأخيرة، لا سيما السينما المصرية، خصوصاً بعد انتهاء الثورة، وقال: مع هذا التحرر يجب ألا تعود السينما إلى الوراء، بل يجب أن نتخلص من كل «التابوهات» السينمائية القديمة التي تعودنا عليها، والسعي وراء تقديم سينما جديدة، بفكر جديد ومختلف لا نهدف من ورائه فقط على الربح المادي.
وأضاف: طوال حياتي الفنية لم أسع وراء شباك التذاكر، فكل ما أقدمه كان من أجل الفن والسينما التي أعشقها، وأريد من خلالها أن أقدم كل ما يهم المجتمع المصري والعربي، ويلامس همومهم وقضاياهم.

دعم الإنتاج
وشدد الفنان عزت العلايلي على أن السينما في الفترة المقبلة، تحتاج إلى تكاتف صناعها خاصة المنتجين، لتوفير الدعم اللازم لإنتاج أعمال سينمائية مهمة ترقى بالمستوى وبالأوضاع التي نعيشها وقال: لا يمكن تنفيذ عمل جيد إلا بتوفير الدعم المادي للإنتاج وإيجاد القصة الملائمة والمختلفة، متمنياً أن تعود مصر لدعم الإنتاج السينمائي بشكل أقوى حتى لا تغلق دور العرض أبوابها وتختفي صناعة السينما، خصوصاً أن ما يقدم حالياً هي تجارب فردية من المنتجين الذين يخوضون المغامرة بأنفسهم.

حروب وأزمات
وأكد أن ثورات الربيع العربي أدت إلى تراجع السينما العربية، بسبب الدمار والحروب والأزمات التي عصفت ببعض البلدان العربية مثل مصر، وسوريا، وفلسطين، والعراق، لافتاً إلى أن كل ما يحدث في البلاد العربية مدمر لكل شخص يعيش على أرض بلد عربي، موضحاً أن الواقع السينمائي لا يعكس دائماً الواقع السياسي، خصوصاً أن الفن يظهر حال المجتمع، لكنه لا يستطيع التغيير في الواقع السياسي الذي يعيشه الوطن العربي.
وتابع: من الممكن أن تواجه السينما الإرهاب والعنف وتعكس بالفعل الواقع الذي تعيش فيه البلاد العربي، لكن بشرط واحد، أن يتم التعامل مع الفن لعكس الواقع العربي، من دون اتخاذ كتجارة أو «بيزنس».

الخاسر الأكبر
وأكدت هند صبري أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمر بالبلاد العربية، يجب أن تؤثر وبشكل سلبي على كل المجالات المحيطة، وقالت: لا أحد ينكر أن الثورات العربية والهموم المجتمعية أبعدت الجمهور عن السينما، التي كانت الخاسر الأكبر سبب «الربيع العربي»، فنحن حالياً نعيش في واقع يفوق الخيال والسينما، لذلك فإن الأفلام الوثائقية من وجهة نظري كانت لها نصيب الأسد من الإنتاجات في الآونة الأخيرة، والرواج الأكبر في الأربع سنوات الماضية، خصوصاً وأنه في تلك الفترة كان الشارع العربي يعيش في أزمات كثير، وكانت الناس «مولعة» مما يحدث، لافتة إلى أن السينما في تلك الفترة كان تعيش أصعب ظروفها، إذ توفقت الإنتاجات، وتراجع الكثير عن صناعتها خوفاً من المردود خصوصاً أن السينما في النهاية صناعة وتجارة، إلى جانب ظهور موجة من الأفلام «الهابطة» التي اتجه إليها شريحة معينة من المجتمع، لاسيما أنها كانت بعيدة كل البعد عما يحدث في الشارع المصري والعربي بشكل عام، لافتة إلى أن الجمهور في النهاية هو من صاحب القرار في تشجيع هذه النوعية من الأفلام، أو التوجه إلى ما يسمى بالأفلام «الجادة».
وتابعت: ثورات الربيع العربي أعطت المساحة لظهور قصص العنف والبلطجة في السينما، فمنها من كان تنويريا للجمهور في محاربة العنف والإرهاب، ومنها من كان يبرز شريحة معينة من «البلطجة» في الشارع المصري.

انفراجة سينمائية
وقالت: أعتقد أننا حالياً أصبحنا نعيش في انفراجة سينمائية، وكان السبب الرئيسي في سبل الخروج من هذه البوطقة، هي الشراكة في إنتاجات السوق العربي، التي فتحتها المهرجانات والجهات المعنية في الفن خصوصاً في أبوظبي ودبي، مثل سند وإنجاز وإيمج نيشن الذين يساعدون الشباب في تنفيذ أعمالهم من خلال الدعم المالي، وكذلك الفني، خصوصاً أن الدم الجديد هو مستقبل صناعة السينما بعد الأزمات العربية التي مررنا بها.

هاني أبو أسعد: واجب الفنان طرح القضايا والأفكار الجادة
قال المخرج هاني أبو أسعد : وسط الصراعات الداخلية المميتة والأوضاع التي تعيشها المنطقة، فإن دور الفن في هذا الوقت يلعب دوراً كبيراً في خلق الأمل، والتماسك والوحدة بين الشعوب، فما يجمعنا حالياً الفن والثقافة، وما يبعدنا هو السياسية، لذلك يجب أن تكون السينما في الصفوف الأمامية لمواجهة الإرهاب، من خلال تنوير الناس بما يحدث في الشارع العربي، وإعطاء الأمل لهم للعيش في مستقبل أفضل.
وأضاف: السينما الآن يجب أن تكون في الصفوف الأمامية لموجهة الإرهاب عبر طرح القضايا والأفكار الجادة في الأفلام السينمائية، من أجل تنوير الشباب وتعريفهم، بأهمية الأوطان وضرورة المحافظة عليها، وتعريفهم بالأفكار الدينية الصحيحة .
وأوضح أن الجمهور أصبح بعد ثورات الربيع العربي يبحث عن أفلام الترفية لفئة معينة، والقصص المأساوية المليئة بالشجن لفئة أخرى والتي تتقاطع مع هموم الشباب وظروفهم الاقتصادية الصعبة في ظل بطالة عدد كبير منهم.

شريف منير: السينما المؤثر الأكبر في المجتمع
رأى الفنان شريف منير أن الدراما العربية فوتت فرصة لرصد أحداث تلك الفترة، لكنه في الوقت نفسه أكد أن السينما خسرت كثيراً في تلك الفترة إلى الحد الذي اضطر فيه منتمون لتلك الصناعة إلى البحث عن مهن بديلة.
وتابع: في حال وجود استراتيجية ورؤية لما يقدم يجب أن تكون السينما في الصفوف الأمامية لمواجهة الإرهاب والتطرف، لذلك لا بديل على مواصلة الجهد ودعم السينما لأنها المؤثر الأكبر في المجتمع، والتدهور الحالي في هذه الصناعة يعني خسارة سلاح مهم من أسلحة مواجهة الإرهاب.

هاني رمزي: الوسط الفني عانى البطالة
قال الفنان هاني رمزي: عاش الوسط الفني بالفعل شبه بطالة حقيقية لأسباب عديدة في مقدمتها أن المزاج العام لم يكن مهيأ لأن يكون الجمهور متابعاً للجديد سينمائياً، حيث كان الواقع السياسي هو الشاغل الأهم للناس.
وتابع: كان من الممكن أن تتجه الأمور خلاف ذلك، ففي كثير من الفترات غير المستقرة استطعنا إنتاج سينما متميزة، لكن الإشكالية في تلك الفترة أن المنتجين اتخذوا قراراً بعدم المراهنة بمشاريع سينمائية كثيرة، وفضلوا ترقب الوضع.