الملحق الثقافي

فاترينة هاملت.. وشقراء الجحيم

فاترينة من لندن (من المصدر)

فاترينة من لندن (من المصدر)

لينا أبو بكر

عالم الفاترينات، عالم ميثولوجي، له كائناته وطقوسه التي تأخذك إلى ورش فن العمل بالباترونات وتطويعها على المجسمات بخبرة وإحساس في حرفة النسيج وفلسفة الخطوط والنسب الدقيقة التي يعينك على تحديدها المانيكان أو الموديل المصنوع من الكرتون المحشو أو البلاستيك المطاطي أو غيرها، ولكن هل فعلاً يحتاج المصمم أو الخياط إلى موهبة فطرية لشحذ الشحنات الوجدانية مع المانيكان؟ هل الأمر نفسه ينطبق على المتفرج أو الزبون؟ أن تكون عملية التسوق مجرد فعل عاطفي أو ارتباط إنساني بالتمثال، أن تحس بمن أخاط الثوب وألبسه لهذا الكائن الصامت الذي تجهل أساريره ولا يبدي لك منه سوى ما يرتديه، في حالته الاستعراضية التي يتقمصها ليزيد إبهارك بأزيائه، أن تتخيل كيف تخيلك صاحب الإبرة والخيط، وهو يعدل المقاسات الأخيرة على هذا الجسد الأولمبي الذي يترك برجه العاجي، وينزل إلى الشارع ليراقب المارة وعابري السبيل والزبائن بصمت لا يثير الرهبة أو حتى المبالاة بقدر ما يمغنط العملية التجارية، ويحولها إلى ملاه لدمى وحيدة منذ بدء الخليقة حتى الآن، كما رآها إزرا باوند... هنا تحس بإضمار مبهم لأيد عاملة «تسكن فردوساً على الناصية الأخرى، يتساوى فيها العاملون على النول مع الكائنات الخشبية، أجسادهم منحنية على الأنوال، عارية، قذرة، عجفاء..» حسب وصف ماريو فارغاس يوسا... فهل هذا هو مسرح العبث؟

ماكينة الجدة شانيل
كانت جدتي لأمي خياطة، جاءت إلى عالم الموضة قبل كوكو شانيل، بفارق معرفي متبادل، فلا شانيل سمعت بجدتي، ولا جدتي رأت المخلوقة، كل ما هنالك أنهما التقيتا عند خيط فاصل بين تمثالين، أحدهما تحول إلى أيقونة في عالم الموضة والأزياء منطلقاً من باريس إلى العالم، والآخر ظل مكنوناً كدرة محرمة في «حوش» سرقه العدو من بيت أحبابه، وأطلق الرصاص على عدة الخياطة وماكينة جدتي الشهيدة، فكيف سترد الموال من حنجرة الطلقة النازفة من ثوب زفاف جريح فوق قبر العريس...وآه يا وجع المواويل وهي تستدرج الأعشاش الذهبية إلى كفن اللغة:
«الزين من عنا يا بنات الزين من عنا يا لالا
بعرسك تتهنى يا عريس بعرسك تتهنى يا لالا..».
بين مدينة الأضواء في العاصمة الفرنسية وقرية «الرمانة في جنين»، تغيرت الدنيا، وظلت جدتي على حالها، فهي لا تأبه لنوعية زبائنها على طريقة «كوكو» التي تستقطب الأميرات والفنانات والقديسات وفتيات «المولان روج»، ظلت انحناءتها المقدسة في عرجون الظهر آخر ما تبقى من عرس الدم في بيارة الرمان، وهذا وحده كاف لتصديق غونتر غراس حين يرى أن العصافير في المدينة ليست كالعصافير في القرية!
ولكن إلى مدى يكون جوزيه ساراماغو محقاً، حيث يعتبر أن وقوع الكارثة ابتدأ بالتعامل المتساهل مع الجسد البشري على اعتباره قابلاً للتحسين؟
قبل أن نضطر مكرهين لترك بلادنا وراءنا وأرضنا وبياراتنا وبئر حوشنا، قررت جدتي أن تصطحب معها ماكينة الخياطة، كآخر المقتنيات الثمينة من طقوس العرس الفلسطيني، ومواسم الفرح المغدور، وفي الكويت حاولت أن تعلمني ارتداء الفساتين وتدربني على تهجئة تاء التأنيث في لغة الإبرة والخيط، دون جدوى، فلم أحس أنني أملك الرغبة لتحسين صفاتي الذكورية، ولطالما عزَّ عليَّ ساراماغو، لأنني لم أرد لكارثته أن تقع، ولا لماكينة جدتي أن تكسد بضاعتها ويذهب سوقها.
بالنسبة إليّ كانت الماكينة هي سفينة الإله اللعين «أخناتون» التي أسافر على متنها بشريحة جنسية مموهة، ولكن بزمن أدونيسي له رأسان وقدم واحدة... وهذا كله اتخذ عندي طابع الخياطة، فإعداد اللغة مرهون بمقاسات ذهنية دقيقة، لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، والكيمياء العاطفية لدي مرتبطة كلياً بمدى تجاوب المانيكان «الورقة» مع درزة القلم، لقد أصبحتُ جدتي، ولكن بنسخة لغوية، تشد الحبر بيني وبيني، فتمرر الكلمة من ثقب مائي في سفينة الخلود، فلا أنا هنا في هذا المنفى الأوروبي الواقع على تخوم دور الأزياء في باريس، ولا أنا في فاترينة الرمان، المخطوفة من ذاكرة الجدة الفلاحة: شانيل!
وجع التماثيل وحاوية قبلات
العرض يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، إذ يكتمل ترتيب فاترينات المحال حسب التصاميم المعدة مسبقاً، يصحو الناس، تكتظ المدينة بالبشر والسيارات والدراجات والحافلات الضخمة والمطر، الله ما أجمل هذا المسرح المفتوح، يزين المدينة بمنصات ملونة، واستعراضات ساكنة، قادمة من عصور بعيدة وكائنات كلاسيكية من عصر الباروك، أو مستشرفة لمستقبل إلكتروني حافل بمخلوقات فضائية غريبة...
الفاترينات تتسع للمخيلة والأزمنة، تتسع لقصيدة أدونيسية يتنشق فيها هاملت جنون أوفيليا، وهو يرى «سلعاً من الدم كثيرة وعذراء» بلا أسواق ولا متاجر! ربما نسي هاملت وهو يتلصص على فاترينة الغيب أن الدم مهمل في أدراج الباعة أو المكالمات السرية لخائنين تركا أثر جريمتهما على هاتف جوال وجد في حاوية قبلات!
لا أحد يصغي لوجع التماثيل ولأفكار الفاترينات الشاردة، لا أحد يبحث عن معجزة، الكل يسعى لاختلاق أكذوبة لا تنطلي على القتيل، ولا على الثأر، ولهذه الشقراء في الصورة أن تمارس ألعاباً استعراضية في سيرك الجريمة، لأن أوفيليا لم تعد المرأة الضحية في صراع البصمة الجينية للحبكة المسرحية، إنها اليوم فتاة عصرية جداً، تحرك بندول النار باتجاه سفينة الآلهة، وهي تصرخ في وجه هاملت صرخة ممدوح عدوان المريمية: لماذا أتيت؟ «دنياك ضيقة لا تحتمل المعجزة»...
مشكلة هاملت في هذه الفاترينة اللندنية، أنه أراد أن يخرج العدم إلى الوجود، على طريقة إخوان الصفا، ولكنه إثر تسارع العجلة وتغير المعدل الزمني لوحدة الحركة، بمقدار إزاحة لغوية ثابتة عند مؤشر السرعة: صفر، نسي أن حلقة اللهب سقطت سهواً من ماكينة الخياطة، ولم يعد بمقدور آخر الشقراوات أن تعيش أكثر من موسم واحد، لكي لا تبطل موضة الجحيم!.