الملحق الثقافي

«421».. التجريب إلى آخره

فرقة «تيناروين» المشبعة بإيقاعات الطوارق في منطقة الصحراء الكبرى شمال مالي (من المصدر)

فرقة «تيناروين» المشبعة بإيقاعات الطوارق في منطقة الصحراء الكبرى شمال مالي (من المصدر)

رضاب نهار


تحت شعار «استكشف عالمك»، يعتبر معرض «421» تجربة جديدة حطّت رحالها على أرض ميناء زايد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وتطوف بزائرها براً وبحراً وجواً في عالم يجمع بين الفن والثقافة والفكر، حيث إن الإنسان هو الهدف الأساسي من المشروع.


بدأت الفكرة من سعي «مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان» إلى الاستثمار في مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة، انطلاقاً من قناعة بضرورة الاستثمار في العنصر البشري ضمن قطاعات حيوية وتوعوية تطال التراث والحداثة بتجلياتهما الفنية والثقافية. هكذا، جاء معرض «421» وجهة أو منصة لعرض إبداعات الفنون المحلية، وتسليط الضوء على انعكاساتها العديدة بين أبناء المجتمع الإماراتي والقاطنين فيه من الجنسيات العربية والأجنبية المختلفة، وذلك بصيغة فريدة من نوعها اقتضت تحويل المستودعات ذات الأرقام (420 – 421 – 422) إلى صالات عرض وأمكنة للحوار والتبادل المعرفي.
ولأن ميناء زايد هو الميناء التجاري الأقدم في أبوظبي، توجّهت نحوه الأنظار ليحتضن فعاليات تحاكي مبدأ الاستدامة في استكشاف طقوس تعنى بالزمان والمكان، بماضيهما وحاضرهما. وكانت المؤسسة أوضحت أن شركة «بيغ» الهندسية ذات الشهرة العالمية Bjarke Ingels Group بدأت العمل على الميناء من أجل تفعيل الرؤية الحداثية للمستودع كمكان يصلح لتوطيد التاريخ والذاكرة، والعمل على العصرنة ومفاهيمها. إذ كان الحدث وعلى مدى ثلاثة أيام، مهرجاناً منوعاً احتفى بالفنان والمثقف، وقدّم للزوار والمهتمين فرصاً واسعة للعمل في مجالات التصميم والإبداع، حيث لكل مفهوم وجوده، فحتى الطهي استحوذ على منصته الخاصة.

معارض الذاكرة والإبداع
يحتوي «421» على أربعة معارض رئيسة يهدف كل منها إلى تحقيق الفكرة الأساسية لأهداف مؤسسة «مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان» المتجسّدة في تطوير ودعم المبادرات الاستراتيجية ضمن مجالات الفنون والثقافة والتراث والتعليم، وحتى في قطّاع الصحة. وقد نبشت هذه المعارض في الذاكرة الإماراتية القديمة ليس فقط على الصعيد الرسمي، وإنما على الصعيد الشعبي والشخصي.
ففي معرض «لئلا ننسى: صور لعائلات إماراتية 1950 – 1999»، صافحت عيوننا للمرة الأولى صوراً فوتوغرافية من الأرشيف الخاص للمواطنين الإماراتيين على مدى 49 عاماً تنوّعت بين صور باللونين الأبيض والأسود، وبين صور ملونة. وتميّزت هذه المجموعة الفوتوغرافية بأنها استطاعت تقديم لمحة عامة عن الحياة في المجتمع الإماراتي طيلة الفترة المحددة، ولمحنا من خلال بعض التفاصيل المرصودة، التغيرات التي طرأت على الشخوص والأدوات المستخدمة من حولهم، وأيضاً على نوعية الكاميرات وقدرتها على إظهار اللقطة.
كذلك قدّم معرض «المستودع بتصور جديد» نماذج ثلاثية الأبعاد للمستودعات وسط رؤية تضمن صون بنية المدينة، الأمر الذي قام عليه المشروع من البداية إلى النهاية. واللافت أن الكثير من المشاركات جاءت بأشكال فريدة من نوعها وغير متوقعة، تناولت المستودع بصيغة غرائبية فانتازية.
وفي معرض «فن: خطوات وتطبيق» عبر ما عرضه من أعمال ضمن برنامج زمالة الفنانين الناشئين لمؤسسة سلامة بنت حمدان، تجلّت التطورات الفردية الإبداعية في تصاميم عدة، مزجت بين قضايا الواقع المعيش وبين الطموحات المتوقعة.

طقوس الفرح الطلق
كانت الزيارة المسائية لمعرض 421، أشبه بطقس كرنفالي تتفاعل فيه جميع عناصر الحياة، فإلى جانب الدخول إلى المستودعات بعد ترميمها وتجديدها، والتعرف عن قرب إلى ما تحتويه من معارض وإبداعات، مَدَّ الشارع العام جناحيه لصخب الجمهور واحتفالاتهم بالفن وبالأصالة مع 22 فناناً ومصمماً. وحمل على متنه تمظهرات مغايرة للتعبير الإبداعي الذي طال النواحي اليومية كافة في حيواتنا. وتبدّت معظم التصاميم الحاضرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسلوب العيش اليومي مثل الإكسسوارات والأثاث والأزياء والتصاميم الداخلية.
ومع أصوات الموسيقى الصادحة، صارت الأجواء أكثر حيوية وسمحت بإنجاز قراءات جديدة لأبوظبي، كمدينة تدرك المعنى التراثي للوجود الإنساني دون أن تفصل نفسها عن أعلى معايير التطور. ومن فرقة «تيناروين» المشبعة بإيقاعات الطوارق في منطقة الصحراء الكبرى شمال مالي، إلى «مولاتو أستاتكي» المجدد في الموسيقية الإثيوبية، إلى فرقة «طرباند» المؤلفة من ستة موسيقيين سويديين من أصول عربية تحمل أغانيهم معاني الهجرة، هاجر المستمعون وسط المسرح المفتوح عبر فضاءات الهواء الطلق إلى أماكن لم يعرفوها ولم يختبروها من قبل، خاصة وسط القوارب الخشبية المحيطة بهم، والتي شكّلت ديكور المسرح مع طاولات مصنوعة من (الجراجير) البحرية.
وزاد المعنى الحقيقي للمحتوى الكرنفالي مجموعة العروض الخارجية التي انتشرت على طول طريق ميناء زايد، وارتكزت على الأداء الحركي للجسد الإنساني لتعبّر عن استعراضات مسرحية تفاعلية كسرت المفهوم التقليدي للمسرح، وانتزعته من الصالات الكلاسيكية إلى الهواء الطلق. وبغض النظر عن افتقاد الحركات لموضوع أو لحكاية كما يحدث في العرف المسرحي، تمّ بثّ درجة عالية من الحيوية في نفوس المتفرجين، وهو المطلوب من مثل تلك العروض.

تحفيز الثقافة المحلية
من جهة أخرى، ركّزت ورش العمل بإشراف خبراء متخصصين، على إبراز المهارات الإبداعية في مجال الأعمال اليدوية للكبار والصغار. وتوزّعت موضوعاتها على أنماط عدة تناولت بمجملها عناصر الثقافة المحلية الإماراتية وجوانب من الطابع العمراني والثقافي في أبوظبي وفي التاريخ الإسلامي، واستخدمت فيها المواد الأولية الموجودة في منطقة الميناء بالعموم، وهي: «قصة مكان»، «مكس آند ماتش أبوظبي»، «درو إن ستتش»، «الزليج»، بالإضافة إلى خلق مساحة مخصصة للأطفال بين عمر 3 و9 سنوات حاولت استقطابهم للدخول في العمل الإبداعي عبر الصلصال والألعاب الورقية والحرف اليدوية المختلفة.
وقد شكّلت هذه المنصة من التجارب المباشرة مناخاً عزّز الإلهام عند الكبار والصغار، وفتح الآفاق على التخصصات الفنية المتنوعة، ومكّن الحاضرين من التقاط جوانب الجمال في البيئة الإماراتية، كما احتفت بالتجريب كوسيلة ضرورية في أي عمل يبحث في أصول الفن والثقافة.

حاجة ثقافية
بعد انتهاء التجربة وإعلان نجاحها على مستوى إمارة أبوظبي وبقية الإمارات، تحوّل المفهوم الذي قام وفقه معرض «421» إلى حاجة ثقافية وفنية ملحة تواجه دولة الإمارات العربية في تطلعها المنشود إلى رؤية الإمارات 2021، إذ سعى الحدث بمحتوياته وأنشطته كافة إلى بناء مستوى معرفي يتخذ من الإبداع وسيلة وغاية في الوقت نفسه، فضلاً عن أنه كان ولأيام قليلة جسراً للعبور بين الثقافات، وصلة وصل بين أجيال الفن ومفاهيميه، من الإماراتيين وغير الإماراتيين، وبقعة مهمة للحوار بأشكاله التوعوية والمعرفية كافة.

على سبيل التوثيق
أكدت سمو الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان مؤسسِّة «مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان»، في بيان صحفي رافق الحدث، أن المساهمة في تطور الحركة الفنية والثقافية في أبوظبي والإمارات تشكل جانباً مهماً من رؤية المؤسسة وأهدافها، وهو ما لا يقتصر على دعم الفنانين فحسب، بل يشمل أيضاً توفير مساحات جديدة للإبداع تتيح للجميع الفرصة لتذوق مختلف المجالات الفنية والثقافية، وقالت: «يجمع معرض «421» بين البنية التحتية الحديثة وقاعات المعارض من جهة، والاستوديوهات المبنية خصيصاً لتحتضن الإبداع والابتكار من جهة أخرى. ونثق أن معرض «421» سيوفر رافداً جديداً لتعزيز نمو المشهد الفني والثقافي المحلي. وندعو جميع قطاعات المجتمع لزيارة معرض «421»، واستكشاف هذه الوجهة الفنية الجديدة في ميناء زايد».

الميناء وَناسِهِ
في معرض «ميناء زايد: بعدسة جاك بيرلوت» نستعيد رائحة الزمان والمكان، لكن هذه المرّة تجسد الصور الميناء والإنسان الذي فيه، وبمقاسات كبيرة تسمح بالتركيز على عناصر المكان والأشياء. ولربما تكمن المفارقة في المتغيرات الطارئة على مشهد الميناء بين عام 1974م، حين زاره بيرلوت للمرة الأولى ملتقطاً الصور له، وبين مشهده الحالي الذي جاءنا بالعديد من المناظر المتضمنة سوق السمك، سوق الخضراوات، السيارات، وجوه الكبار والصغار بابتساماتها العريضة.