الملحق الثقافي

«التبوريدة».. خيول تعدو ضدَّ النسيان

 من عروض التبوريدة المغربية (تصوير- عادل النعيمي)

من عروض التبوريدة المغربية (تصوير- عادل النعيمي)

د. حورية الظل

التبوريدة المغربية أو الفروسية الاستعراضية أو الفانتازيا أو الباردية، إنها مسميات عدة لتراث شعبي عريق وطقس احتفالي، يعد بحق وجهاً من وجوه الأصالة المغربية العريقة، ومن التقاليد التراثية التي ظلت متوهجة وحية ولم تُركن في زوايا النسيان، فاستطاعت الصمود لما تحمله من خصوصية وجمالية تجعل منها مصدر بهجة ومتعة للمتفرج وأيضاً لحمولتها في الوجدان الجمعي المغربي، حيث تتفجر لدى ممارسيها روح المقاومة فيستعيدون بسالة وشجاعة الفرسان.
تمنح التبوريدة بصبغتها الاحتفالية وحضورها المتميز المناسبات الوطنية والأعياد والمناسبات الخاصة جماليتها، وترفع من وتيرة الأجواء الاحتفالية، وهي ليست حكراً على منطقة دون أخرى في المغرب، وإنما تنتشر في كل ربوعه.

قديمة وأصيلة
إن النبش في تاريخ التراث المغربي يكشف بأن فن التبوريدة يعود للقرن الخامس عشر، وأصل التسمية مشتق من البارود الذي ينطلق من فوهات البنادق التي يحملها الفرسان.
وما يمكن قوله عن عروض الفروسية، إنها نوع من استعادة تاريخ الفرسان المغاربة كمحاربين شجعان، واستعادة بعض من طرق الحرب التي خاضوها، كما يمكن اعتبارها نوع من استمرارية جزء من بطولاتهم التي أنجزوها وهم يحاربون المستعمر ويردون الغزاة عن الثغور المغربية، سلاحهم البندقية أو «المكحلة» كما كانت تسمى في الماضي فيتم ربط الماضي بالحاضر.
لقد تحولت التبوريدة اليوم من طقس حربي إلى فن فولكلوري، فرجوي، زاخر بالجمالية والخصوصية، يجمع بين ما هو جمالي وفني وروحاني، فيضيع فيه المتلقي بين الواقع والخيال، وهو مجال لإبراز قوة الفرسان والجياد على حد سواء.

طقوس فن التبوريدة
إن عروض الفروسية تقدمها المجموعة أو «السربة» وكل سربة تتألف من عشرة إلى عشرين فارساً، وتوكل مهمة تنظيمهم إلى المقدم أو «العلام» ويشترط فيه أن يكون متقناً لشروط التبوريدة ولطقوسها، ويجب أن ينفذ الفرسان تعليماته بالحرف أثناء اللعب، وتتمثل هذه التعليمات في إشاراته الصوتية التي يطلقها كصيحات ليستطيع سماعها كل من في الصف، لذلك يمكن اعتباره ضابط إيقاع الفرقة. ويشترط على كل فارس الامتثال للنظام، فيبقى في خط مستقيم مع بقية الفرسان، وأثناء اختراق الميدان والخيول تعدو يخضع كل الصف لرقابة المقدم، حيث يلتفت يميناً ويساراً، لذلك فهو المتحكم في الانطلاق ووقت العدو وإطلاق العنان للخيول وإعداد البنادق ثم إطلاق البارود دفعة واحدة، وكل ذلك في توازن وتناغم.

فضاؤها وسيع
ويقدم عرض التبوريدة في فضاء واسع هو الميدان الذي تقطعه الخيول عدواً مع ما يرافق ذلك من طقوس وحركات، وهو أمر يميزها عن باقي الفنون التراثية الأخرى التي تمارس في فضاء ضيق. كما أن التبوريدة تجمع الفرس والجواد الذين يؤديان الوصلة في انسيابية وانسجام تام يصل درجة الاتحاد، ويبدأ العرض بطيئا ثم تعلو وتيرة سرعته ليصل إلى الذروة بإطلاق النار من البنادق، ففي خط مستقيم تصطف الخيول وهي تتوق للانطلاق في اتجاه واحد والفرسان يتحكمون فيها فتخب في البداية بتمهل، لكن تعلو وتيرة سرعتها بعد ذلك لتصل إلى ذروتها مع الاقتراب من نهاية الميدان أو (المحرك) الذي يصل طوله إلى مائتا متر، وأثناء اختراق الميدان يتم تنفيذ تعليمات المقدم الصوتية، والذي يصيح (آلمكاحل) وهي إشارة للاستعداد لاستعمال البنادق، ولما يصيح (آروا الخيل) فهي إشارة منه لإطلاق العنان للخيول لتنطلق بأقصى سرعتها، وتطلق النار من البنادق المحشوة بالبارود مع صيحة «المقدم» (الحفيظ الله)، والطلقة يجب أن تكون متزامنة وفي وقت واحد وكأنها طلقة واحدة كعلامة على انتهاء الجولة.
لذلك فمن المهارات التي يجب توفرها في الفرسان، التحكم في الجياد المتعجلة لاختراق الميدان وكبح جماحها والقدرة على إبقائها في الصف وهي منطلقة وهذه من أصعب مهام الفرسان، كما أنها من جهة أخرى تدل على حنكتهم، وأيضاً التحكم في البندقية وتحريكها والخيول مسرعة بطريقة خاصة من أجل إعدادها للضغط على الزناد وإطلاق البارود.

دقة وانسجام
إن نجاح «السربة» أو المجموعة في أداء عرضها في الميدان مرهون بالحس العالي وبالدقة والانسجام في الحركات والانضباط لما يشير به المقدم الذي يلعب دور قائد حقيقي يجب أن يُطاع، وكل من يخالف تعليماته يكون قد خلخل انسجام الفرقة وبالنتيجة أفسد جمالية العرض، كما أنه يثبت عدم تمكنه بعدُ من الوصول لمرتبة الفارس الحقيقي، والتي من شروطها المهارة والانضباط والذي يسمى أيضاً «ضبط الميزان» لدى «الباردي» أو الفارس ولاكتسابه لا بد من الكثير من التدريب والمثابرة، وهو الدليل على حنكته ومهارته، فيجب أن تكون كل حركاته وحركات الجياد محسوبة ودقيقة، وعليه القيام بالعديد من الأشياء في وقت واحد أثناء العرض، فمن الضروري أن يركز انتباهه على صيحات القائد، كما أنه مجبر على استعمال كلتا يديه، الأولى يتحكم من خلالها باللجام لكبح الجواد وإبقائه في الصف رغم سرعته، والثانية تحمل البندقية وتحركها بطريقة استعراضية استعداداً للضغط على الزناد، وزيادة في الإبهار يقوم بعض الفرسان بالوقوف على السرج أثناء ركض الحصان وهناك من يحمل بندقيتين ويطلق النار منهما معاً، أو يتم رمي البندقية في الهواء والحصان مسرعاً وتتم معاودة التقاطها وغيرها من الحركات الاستعراضية والدالة على الشجاعة والمهارة.
وأيضاً يتم الاهتمام بتزيين الحصان، حيث يتفنن الصانع التقليدي المغربي في صنع السرج واللجام والركاب فتتفوق زينة الحصان على زينة الفارس. وما يميز زي الفرسان أنه موحد، حيث يتكون من «الفرجية» أو العباءة وفوقها جلباب أبيض خفيف، وأيضاً البرنوس ويتعمم الفرسان بالعمامة البيضاء، أما الحداء أو «التمّاك» فيصنع من الجلد ويصل إلى ما دون الركبة، ومن توابع زي الفرسان «الشكارة» وهي حقيبة جلدية صغيرة ومزخرفة وفي بعض الأحيان يتمنطقون بالخنجر ذو الغمد الفضي.

التبوريدة بصيغة المؤنث
اقتحمت المرأة المغربية شتى المجالات في الوقت الراهن، وممارستها لفن التبوريدة أو الفروسية التقليدية ليس تطفلاً، لأن ركوب الخيل ليس أمراً غريباً عليها، وصفحات التاريخ المغربي ترصعها سير نساء مغربيات حاربن المستعمر، وعائشة البحرية الفارسة المغربية التي قاومت المستعمر الفرنسي دليل على ذلك، وقد نُسجت حولها الأساطير ولا يزال ضريحها قائم إلى اليوم، وأيضاً استطاعت الكثير من النساء الأمازيغيات في الماضي البعيد أن يتبوأن مراكز القيادة ويقدن الحروب، ودخول المرأة غمار فن التبوريدة كسر احتكار هذا المجال من قبل الرجال الذين صالوا وجالوا لوحدهم ولوقت طويل في الميدان دون منافس، فدخلت النساء المجال ليصبحن منافسات قويات واستقطبن جمهوراً عريضاً يتزايد باستمرار، لأنهن أضفن جمالية خاصة على العروض فمزجن النعومة بالقوة لما امتطين صهوات الجياد بأزيائهن القشيبة وجمالهن الأخاذ، واخترقن الميدان وخيولهن تثير زوبعة من الغبار، والقائدة تصدر تعليماتها لفارساتها اليافعات، ليصلن خط النهاية ويطلقن البارود من فوهات بنادقهن المصوبة إلى السماء أو إلى الأرض، وبذلك انتقلت المرأة من موقع المتفرجة حيث كانت في الماضي تكتفي بمشاهدة العرض وإطلاق الزغاريد، إلى صف الفرسان وأخذ مكانها المستحق في الميدان.
ودخول المرأة ميدان التبوريدة أثار نوعا من الدهشة والتعجب والانتقادات في أحياناً كثيرة، لأن التبوريدة مقتبسة من الحرب التي كان يقوم بها الفرسان الشجعان حسب المنتقدين، وهذا الفن يحتاج للقوة والقدرة على ترويض الحصان وحمل البندقية، فأثبتت النساء المغربيات بأنهن أهلاً لذلك رغم أن معظم الفارسات لم يغادرن مقاعد الدراسة بعد، وظهرت التبوريدة الناعمة سنة 2005 بإقليم الجديدة، ولحد الآن تكونت سبع فرق نسائية، مقابل مئات الفرق الرجالية، مبشرة بارتفاع هذا العدد للشغف الذي أظهرته النساء الفارسات بهذا الفن، ولحبهن للخيول وقدرتهن على إنجاح الطقس الاحتفالي وتقديم عروضهن كالرجال تماما، مضيفات نعومتهن التي تضفي نكهة خاصة على ما يقمن به، فأصبحن قيمة مضافة لعروض التبوريدة التي زاد عدد جمهورها سواء من السياح أو المغاربة.
وما يمكن تأكيده أن ممارسة المرأة لفن التبوريدة دعم للمرأة القروية على الخصوص لأن النساء القرويات هن من يمارسن هذا الفن، وأيضا هن من تعرف تفاصيل حياتهن الكثير من المعاناة مقارنة بالمرأة في المدن.
والفارسات المغربيات يتلقين التشجيع من أسرهن لممارسة التبوريدة التي تحتاج الشجاعة والجرأة والمغامرة، وإحدى الفارسات وهي الزاهية أبو الليث بدأت ممارسة هذا الفن وهي في سن 16، وتقول بأنها لم تتطفل على الميدان والأمر لا يعدو أن يكون ترجمة صادقة لمشاعر الحب والانجذاب لعالم الخيول، خاصة وأنها تنتمي لأسرة تمارس الفروسية، ووالدها من أسس أول فريق نسائي في هذا الفن.
ولكن هناك من ينتقد دخول المرأة ميدان التبوريدة ومن هؤلاء الباحث المغربي جواد السايح، فيرى بأنه: «بدخول الفارسات النساء أضحت التبوريدة منتجاً سياحياً مغرياً أكثر منه تراثاً تاريخياً». لكن انتقاد دخول المرأة المغربية فن التبوريدة يعد تناسيا لتاريخها المجيد في مجال الفروسية في الماضي لما كانت فارسة تحارب المستعمر وقائدة تقود الجيوش للدفاع عن مملكتها.
والملاحظ أن عروض «التبوريدة» أصبحت تشهد إقبالاً جماهيرياً كبيراً، يدعم السياحة المغربية، كما أنها تؤكد على التناغم الحاصل بين الثقافات وبين الأصالة والمعاصرة. وقد أصبح التعريف بهذا الفن يتم على نطاق أوسع، فيُنظم معرض سنوي في الجديدة يعرّف بالتبوريدة المغربية عبر العالم، كما تقدم العديد من العروض للجالية المغربية في بلاد المهجر، ومؤخراً وبمناسبة الأسبوع المغربي التراثي في أبو ظبي قدم الفرسان المغاربة عروض التبوريدة طيلة أيام الأسبوع التراثي في نادي أبوظبي للفروسية.

رقصة.. مقاومة
يقول الباحث في الفولكلور والتراث المغربي عبد الله السايح: الفروسية الاستعراضية - أو التبوريدة - كانت من ضمن التراث التاريخي الذي يبرز شجاعة القبائل المغربية في مواجهة المستعمرين، فقد كانت الفروسية إحدى وسائل الجهاد والكفاح ضد المحتلين للأرض والمعتدين على حرمات البلاد والعباد.

تبوريدة المستشرقين
لم يبق الفن الاستشراقي خارج التجربة، فاهتم بفن التبوريدة في المغرب، حيث ألهمت عروض الفروسية الرسام الفرنسي الاستشراقي أوجين ديلاكروا، فعرّف بهذا الفن في الغرب من خلال لوحاته التي أنجزها حول الموضوع. واعتبر المستشرقون الفروسية التقليدية مظهراً من مظاهر الغموض والسحر في المغرب. ولا تزال التبوريدة إلى اليوم تغري الكثير من الفنانين التشكيليين العرب والمغاربة لإنجاز لوحات تؤثثها خيول تعدو وهي تحمل الفرسان ببنادقهم المصوبة نحو عدو مجهول.

أصالة لا تطفّل
الفارسات المغربيات يتلقين التشجيع من أسرهن لممارسة التبوريدة التي تحتاج إلى الشجاعة والجرأة والمغامرة. وإحدى الفارسات، وهي الزاهية أبو الليث، بدأت ممارسة هذا الفن وهي في سن الـ 16، وتقول إنها لم تتطفل على الميدان، والأمر لا يعدو أن يكون ترجمة صادقة لمشاعر الحب والانجذاب لعالم الخيول، خاصة أنها تنتمي لأسرة تمارس الفروسية، ووالدها هو من أسس أول فريق نسائي في هذا الفن.