الملحق الثقافي

خَيمَةٌ تَنبتُ في كفّي

مشهد للنكبة الفلسطينية العام 1948 (أرشيفية)

مشهد للنكبة الفلسطينية العام 1948 (أرشيفية)

أمل إسماعيل

بَسَطَ العَرّافُ كَفّ البطلة في المسلسل الكرتوني متفحصا تعرجات حياتها، ثم قال ساكباً الدهشة على ملامح وجهه: لا أتمَكّنُ من تحديدِ مكان ولادَتِكْ، ابتسَمَتْ البَطلة وَرَقّ دمعُها: لأنني وُلِدتُ على مَتن قطارٍ يهذي بين مَدينتين! ابتسمتُ بِدَوري شاعِرَةً بالغبطة والفخر: أنا أيضا أيها العرّاف، وُلدتُ في سيارة! ضَمَمْتُ كفّي في أسَى، وقال لي الطبيب: أنتِ مُصابةٌ بإكزيما عَصَبِيّة، تحدثُ نتيجَةَ انفعالٍ عَصبي أو نفسي، كلما اجتهدتِ في الكتمان اجتهدَ جَسَدُكِ – رغماً عَنكِ – في الثرثَرة، انفرجت شفتاه عن أسنان صفراء محشوة برائحة التبغ، وأردفَ معجباً بالفكرة: «جَسَدُكِ يثَرثِر!».
أذكرُ أنّه قال لي إنّ يدي جميلة، وإن أصابعي أشهى من دوالي العنب في قريتي «السوافير» (1)، وبينما كانت المسافة تجلدُهُم بسياطِ الهجرة في صَفٍّ طَويل يبدأ من فرن الطابون المُجَمّر ولا ينتهي إلى مَكان.. نَسَوا أمي، إلى أنْ وَلوَلَتْ جَدّتي بعدَ أنْ أيقظتها ذاكرة الحليب الذي لم يمضِ على انهمارِهِ من صدرها «الأربعين»: «يا ويلي! غالية.. نائمة في السرير!».
سُرعتهُ الجنونية في التهام المسافة كانت مبررةً جدا، لا حواجز، لا رجال شرطة في تلك المدينة النائمة على حلم أزرق لتقنص هلعه – كما اليوم – بمخالفات ورادارات تهبط من السماء مباشرةً لتحفظَ رقم لوحة السيارة، ذلك الكائن الأخضر الذي كان (تحت التليين) تحوّل إلى آلةِ حصادٍ تقتلعُ الطريقَ الإسمنتي المتعبْ، لكنني كنتُ الأسبقَ، وصَوتي الأعلى. خَرجتُ معلنةً قدومي إلى الحياة في سيارة يابانية خضراء، ومنذ ذلك اليوم، لم أكن في حاجة إلى (مثبِّتِ سرعة).
تحتَ القصف، وبين تقاطعات من اللحم البشري المُدَمّى وأنصافِ اللاجئين كانتْ نائمةً في سريرها، تستحضرُ أحلامها عن آخر وجبةِ حليبٍ رضعتها في سلام. الجزعُ الذي اقتلع قلوبهم من الصدور دَفَعَهُم إلى حَملها هي وسريرها الخشبي الثقيل معا، فريدة الخرساء نسيتْ (صُرة) ذهبها، وجابر حَمل مفاتيح الدور ونسي مفتاح داره، جَدتي لأبي تركت عجين الخبز ليتخمّر ريثما يعودون. وأسماء أخرى اقتُلعَتْ من هناك ولم يعد أحدٌ يهتمُّ لذِكرها.. هُم حملوا الرضيعة وأحلام أجيال أخرى ستغفو حالمةً بأن هذا السرير قطعةٌ من الجنة.. قطعةٌ من السوافير! «أتعلمين.. لقد غمرَ دفءُ سريري الذي حملوني فيه أكثر من ثلاثة أجيال من المواليد من بعدي، وما زالوا يحتفظون به إلى اليوم!».
ظَنّت أنّي ولدتُ ميتة، عندما قَلَبَتني بكَفّها بَكيتُ.. «حَمراء.. قطعةُ لحمٍ حَمراء»، قالت لأبي الذي جُنّ جنونه وهو يرى ذلك الشيءَ الأحمرَ يتنفس ويبكي: وَلَدّتِ!! ثم هَرَسَ دواسة السرعة تحتَ قدمه فانسحقتْ.
حَصاةٌ حوافها مُدببة ألقاها أحدُ الصبية.. كانتْ تلعَب، تُمسكُ بطرفِ عباءة جدتي. انغرزتْ الحصاة في ساقها. «انظري»، تكشف عن ساقها وتشيرُ إلى الأثرِ على الجلد «هنا!، غَمَرني الدم.. بقعةٌ من الدم أرعبتْ جدتك، كنتُ ألعبُ في الدم، مَسحتُ وجهي به، لمْ أفهمْ الألم، أو ربما لم يكن الألم مدرجاً حينذاك في قاموسنا!». «كنتِ حمراء».. قالتْ جَدتكِ لي «الدم يَلفكِ وكنتِ تبتسمين ودمعةٌ تتفلتُ منكِ لتشربَ منْ خدِّكْ.. أكلَ رأسي الخوف «يا ويلي! البنتْ انذَبحَتْ!».
«من أينَ يأتي الحليب؟ منَ البحر».. جفّ البحر، وجفّ صَدرُ جدتك، (الأونروا) أرضعتنا. «أنتِ.. عاقبتني، لفظتِ صدري وأنكرتِ حليبي». «ماذا عن كيس السكر الذي حَملتِهِ لكي تسقطيني من حسابات غربتك؟». «لكنك عاندتِ – وما زلتِ تعاندين – وولدتِ، وتبحثين عن ولادة ثانية وثالثة ورابعة، كم حياةً سنحيا ونحن لا نبرحُ الخيمة»؟! «أنا سأحيا.. ما دامت الخيمة أوهنَ من أن تحجبَ السماء».
هناكَ تعرفتُ إلى البحر.. في كل ليلة يختلطُ موجُ البحر بنباحِ الكلابِ بأسرار المارة وبقايا القماش التي تخلصتْ منها دكاكين الخياطين. في الليل، كنتُ أرقبُ الظلمة الكثيفة، وأتأكد أنكِ تتنفسين، أخافُ أن يمد البحر يده ويبتلعك، إذا بكيت.. يثور الموج ويتوهج الرمل، السماء لم تعانق الأرض إلا تحت قدميك، وقبل أن تُتِمّي يومكِ الأربعين.. انتقلنا من البيت. سألتها: متأكدة أنكِ حَمَلتِني مَعك.. أم نسيتني هُناك!
ملحُ البحر يتقلّبُ في فمها مَع التفاح والبرتقال وداليات العنب، الزنبق الأبيض يُطرزُ الشاطئ الذي يمتدُّ كجديلةِ شعرها. «كنّا نعد نجومنا كأصابع تعِدُنا بانتهاء موسم الهجرة، كأكباشٍ تتقافزُ متجاوزةً ذلك الحاجز الذي كُتب عليه: «وَقِّف للتفتيش»، لتصلَ إلى بيارتنا في السوافير. في مخيم الشاطئ (2) كان البحر هو سَيد الحياة الجديدة، وهو المسافة التي ابتلعتْ كثيرا منّا عند الهجرة. ابن عمي الذي سافر إلى قبرص ظنًّا منه بأن الإنجليز بحفاوة البطل غَرِقَ في البحر، وَصَل إلينا جثةً هامدة، وعندما شرعوا في دفنه أفاق، قال: أنا جائع.. هاتي خبز الشّراك والزيتون يا دلال؟ ثم شهَق.. وماتْ.
صوتُ البحر لا يخيفُ بقدرِ حَكايا الجدّات عن الغولة التي تخطفُ الأطفال إنْ هُم فكّروا بعُبور الغابة التي تفصلهم عن السوافير، تسمعُ أمي فيروز وهي تبكي ضياع شادي.. وتهزّ رأسها: ضاعَ حسن في الغابة ولم يعثروا عليه، ظلَ يمشي إلى أن غابَ عن عيون الصّغار. «اليهود كانوا يقَطّعون أوصالَ الأطفال ويفقؤون عيون البنات»، استَدْرَكَتْ: «أو لعلها الذئاب!». حسن لم يَعُد.
نسيتُ رقم الحافلة التي يجب أن تقِلّني إلى البيت، كلّ حافلة أتوجّه إليها تطردني منها المُشرفة: لن توصلكِ هذه الحافلة إلى بيتك! طفلة في الرابعة من عمرها متوحّدة مع المسافة ومُصرّة على تكرار طقوس الهجرة مرةً واثنين وثلاثا. لم يلتفتْ إلي أحدٌ وأنا أخرجُ من الروضة مشياً عارفة طريقي كأنّي أشمّه وألحسُ حبات السكر على باطن يدي، كأن قدماي تسلكانه في اللاوعي يوميا. تعثرتُ.. سقطتُ.. نهضتُ.. السيارات من خلفي تكاد تدوسني والدموع تنهمرُ من عيني ولا أمسحها.. «كان الغبار يُلهب أعيننا فلا نمسَحُه، كيلا يقال بأننا نغمِزُ لشابٍّ في الطريق» قالت أمي. «وردة بيضاء» كانت كفيلة بدفن فدوى طوقان في بيتها.. استدركت! عندما وصلتُ إليها.. معفّرة شاحبة.. ظلّ طفلةٍ أنهكتها المسافة، جَزِعَتْ، كانت تلك هي هجرتي الأولى. في الحضانة اعتذرَت المشرفة: «سقطَ اسمها عن لائحة تلاميذ الحافلة سهوا، نعتذر!».. (أراضٍ محتلة) (3) سقطَت سهواً من لائحة مجلس الأمن من قبل.. وقطَعنا تلك المسافة، لكن أحداً لم يعتذر!
«أختي.. أختي». ترَدِّدُ ذلك طوال الوقت لا تَكُفُّ عن البكاء إلى أن وصلَ ذلك الملاك في هيئة امرأة: «لماذا تبكي هذه الطفلة؟ ما اسمكِ يا حلوة؟» «غالية».. «لماذا تبكين؟» «أختي.. أريد أختي!»
تكبرها بعدّة أعوام. في المخيم، وضعتِ النساء حَملها في يوم واحد، يوم النكبة، والرجل الذي عَيَّنتهُ الأونروا لتسجيل قوائم المهاجرين لم يلتفتْ إلى أن بطنَ جدتي لن ينتفخَ بَعد الهجرة أبدا.. وأنّ «غالية» أخذتْ كل غالٍ معها وهي محمولة على سريرها الخشبي الثقيل، «عليمَ الله ما بِينكْ وبِينها يُوم». خالتي تشبه أمي.. وأمي تشبهُ رفيقتها في الخيمة المجاورة، كلّ أطفال المخيم متشابهون، تلك السِّحنة الرمادية المعفَّرة، والعيون الذابلة، والأمعاء الخاوية، لم يستطع أن يُميِّزَ أحداً.. كانوا عائلة كبيرةً ناتئةً كورمٍ من أحشاء السوافير. «حسنا يا غالية، سوفَ نعيدكِ إلى صَفّ أختك.. ستدرسان معاً!».
طريق المدرسة اليومي أشبهُ بخارطةِ طريق، عليهِ أن يوصِلَ سبعاً من أبنائِهِ يومياً، خمسةٌ منهم يدرسون في مدارس مختلفة، سألني وهُو يُلمّح بطرفِ عينه للمدرسة التي تبعدُ عن بيتنا شارعاً، يمكنُ أن أسير إليها مشياً ليتلقفني ذلك الشرطي الودود فيوصلني إلى جانب الشارع الآخر بأمان، لا سلاح على كتفه، بل شرائط تشي بالسلام.. قال: «أي مدرسةٍ تودين أن أسجِّلَكِ فيها؟» أجبتُ بحسم: مدرسة أختي! كان جواباً لم يتوقعه، ولم أفهم سَبَبَ مَنحِهِ لي خياراً آخر إلا عندما قال لي وهو يصحبني إلى بيتِ صديقتي ذات يوم بعيد: «تذكري ما أفعله من أجلك، لم يكن لي أبٌ لأتذكر أنه فعل لأجلي أيّ شيء، ولدتُ يتيما، أما أنتِ فولدتِ لأبٍ يحبك، ويدافع عن رغباتك قبل أن يلبيها طائعا». ابتسمَ في وجهِ موظف التسجيل الذي بدا مندهشاً من ديموقراطية الاختيار التي فازتْ بها طفلة لم تبلغ السادسة بعد، وقال لأبي وهو يَخطّ اسم المدرسة التي دَرَسَتْ فيها أختي قبل سِتّ سنوات: «بأمركْ يا أستاذ إنتَ والسّت أمل».
اختارَ لكِ «غالية»، واخترتُ لك «أمل»، عندما ولِدتُ فقدتُ كل غالٍ إلى الأبد، وعندما ولدتِ رغبتُ في استرجاع كل ما فقدنا، كانت مذابح صبرا وشاتيلا تغسلُ جراحنا الأولى بمزيدٍ من الدم، يُعربِدُ الألم في أرواحنا وينتزعُ قلوبنا مستبدلاً إياها بغُصنٍ ماتَ لُبّه. «سأسافر لأرى أمي.. أمي تموت»، نظَرَتْ إلى خيطِ الضّوء المتسلل من خَلف البُحيرة الصناعية ونحن نلتهمُ الشاورما، ونحلمُ بطائرة تأخذنا في رحلة للسوافير. غُصّة انتابتني، انكمشتُ، من يذهبُ لا يَعود، تعلَّمتُ هذا الدرس منذ أن بدأ إخوتي يهاجرون واحداً تلو الآخر كحمائم طريّة الجناح تدفع دفعا لمغادرة أعشاشها بحثاً عن حياة تَتَفَتَّحُ أمامَ وثيقة لجوئهم المختومة بالحسرة: «وتتركينني؟! لا تتركيني.. ماذا أفعلُ من دونكِ وَحدي!». مَسَحَتُ رأسي، نزّتْ عنها ابتسامة ذابلة: «لن أذهبْ، لن أتركَكِ يا حبيبتي». وَحدَها.. ماتتْ جدتي.
أين السوافير؟ قلتَ لي إنّ هذا البرنامج سيصورها لي بالأقمار الصناعية؟ أين المجدَل؟ يافا؟ أين؟ هذا المستطيل الأخضر.. قرّب الصورة أكثر.. ضبابية، لا، أهيَ مأهولة؟ لا! مزارع.. السوافير مزارع وكروم عنب، آه! ثبّتُّ الصورة على مستطيل أخضر احتلّ شاشة الحاسب الآلي، إنها أرضي معلّبة وجاهزة للأكل.. بَكَيت. سابحين في سماءٍ تخُصّنا وَحدَنَا.. في طائرةٍ أجنبية خاطبَنا طيارها بأننا نمُرّ فوقَ حدودِ «إسرائيل» والأردن الآن، ظلامٌ حالكٌ يحتلُّ قلبي، ألصقتُ عَيني بنافذةِ الطائرة وعَلّقتُ قلبي في الهواء.. أين؟ أين..؟ لم أرَ شيئاً.. فبَكَيت!
«أنتِ لا تبكين، أنتِ حجر». أجيب: «أنتِ تبكين عنا جميعا، وهذا يكفي!». «لو أنكِ تفشين لي سرا من أسرارك، لو أنك ترين أمّك.. لا مسافتك». أمسكُ دفتري، أكتبُ، يدي خشنة، جسدي لا يكفّ عن الثرثرة، على ضفةٍ أخرى.. تتعلقُ بطرفِ ثوبي طفلة: «ماما.. خذيني مَعَك». سأرسلُ لها يوماً رسالة طويلة.. بل سأؤلفُ لها كتاباً وموسيقى وأرسمُ لها لوحات تعيد إلى خدها نضارَتَه، وإلى ساقيها رَقصَهُما الجميل، وسأعتذر، وستفهَم: «في كفّي نبتت خَيمة.. وفيكِ استودعتُ أسراري».

............................................................................
1- السوافير الغربي: إحدى القرى الفلسطينية المحتلة منذ العام 1938
2- أحد مخيمات اللاجئين المهجّرين من أراضيهم وقراهم في 1948 و1967 في فلسطين.
3- قرار مجلس الأمن رقم 232 بالانسحاب من «أراضٍ محتلة» في 22 نوفمبر 1976