الملحق الثقافي

برلين.. مجد العبقرية الألمانية

جدار برلين سابقاً (أرشيفية)

جدار برلين سابقاً (أرشيفية)

حسونة المصباحي

لم يتبقّ من جدار برلين الذي انهار في خريف العام 1989 إلا بعض القطع الصغيرة الشاهدة على جراح ماض موسوم بالفواجع والآلام والدموع. والذين يزورون برلين يستهويهم الوقوف على قطع الأحجار الرماديّة تماما مثلما كان شعراء الجاهليّة يقفون على أطلال الحبيبة التي ضاعت في الصحراء. والذين يتنقلون بين ما كان يسمى ببرلين الشرقية، وبرلين الغربية لا يشعرون بأن هذه المدينة المترامية الأطراف ظلّت منقسمة الى شطرين على مدى يفوق العقدين. وأمّا العلامات التي كانت ترمز الى النظام الشيوعي في الجزء الشرقي فقد اختفت تماما، ولم يتبقّ منها غير تمثال ماركس ورفيقه أنجلز.


كان ألن بولوك محقاً عندما قال إن برلين هي رمز القرن العشرين. هذا القرن الذي شهد حروبا دامية وفواجع رهيبة كان من بينها تقسيم المدينة الى شطرين يفصل بينهما جدار كئيب. أما غونتر غراس صاحب رائعة «طبل الصفيح» فقد سمّاها: «سدوم القرن العشرين».
عبر التاريخ كانت برلين مركزا تجاريا واقتصاديا وعلميّا وثقافيّا، فيها تجسدت بامتياز العبقرية الألمانيّة. وكان دورها التاريخي متمثّلا في تمكّنها من الاستحواذ على كلّ الاتجاهات الكامنة والمستترة في المانيا، وفي استيعابها مانحة ايّاها شكلا راقيا ومتفردا.

بدايات
في البداية كانت برلين عبارة عن مدينتين صغيرتين تقعان على ضفاف نهر «السبري». وخلال حرب الثلاثين سنة التي استمرت من عام 1681 الى سنة 1648، انخفض عدد سكانها من 12 ألف إلى ستة آلاف نسمة. لذا قرّر فريدريك فيلهلم الملقب بـ «الملك المعظّم» السماح للعديد من الأجانب والمنفين، وخاصة من اليهود، والهوغنوت بالاستقرار في المدينة. وهو عامل ساعد فيما بعد على تطوّر المدينة في مجالات مختلفة.
في عام 1709، اتخذ فريدريك الثاني، ملك روسيا، برلين عاصمة لمملكته الجديدة. ومع ازدهار الثورة الصناعية مطلع القرن التاسع عشر، أصبحت برلين مدينة صناعية بامتياز، بل تكاد تكون الأولى في اوروبا كلّها. لهذا السبب نزح اليها عدد كبير من الباحثين عن العمل، وعن حياة أفضل. فشهد عدد سكّانها ارتفاعا لم يسبق له مثيل. وقد أدّى هذا الوضع الى انفجار صراعات اجتماعيّة وسياسيّة لعلّ أهمّها ثورة 1848 التي أسقطت النظام القديم.
في عام 1871، نصّب فيلهالم الأول إمبراطورا، وعيّن بسمارك مستشارا للرايخ. وهكذا أصبحت برلين عاصمة للإمبراطورية الألمانيّة. وفي هذه الفترة، قام كتاب وفنانون من أمثال تيودور فونتانا ومولوش وغيورغ هايم بتصوير أوضاعها حيث كانت الحياة الثقافية تشهد ازدهارا وتنوعا لافتين للانتباه.
وفي نهاية الحرب الكونيّة الأولى اندلعت ثورة اشتراكيّة راديكاليّة بزعامة كلّ من كارل ليبنيخت وروزا لوكسمبورغ. غير أن تلك الثورة قمعت بشدّة إذ اغتيل قائداها في شهر يناير 1919. ومكان الامبراطورية التي انهارت، برزت جمهورية «فايمار» مبقية على برلين عاصمة لها. غير أن الجمهورية المذكورة سرعان ما أظهرت عجزها الكامل عن تسيير شؤون الدولة، ومعالجة المشاكل والأزمات التي كانت تتعاقب بسرعة مذهلة. وفي النهاية أفضت تلك الأوضاع المعقّدة الى تعفّن على جميع المستويات. وبسبب ذلك تحوّلت برلين الى مركز للإرهاب والفوضى والجريمة السياسيّة. مع ذلك ظلّت محافظة على دورها الرياديّ في مجال الفنون والآداب بجميع أنواعها وأصنافها. ذلك الدور الذي لم تتخلّ عنه منذ نشأتها. ففي عام 1700، أسسّ فيها غوتفريد فيلهالم لايبنيتز أكاديمية الفنون. وفي عام 1740 قام فريدريك الكبير بدعوة الفيلسوف الفرنسيّ فولتير للإقامة في القصر الملكي على مدى ثلاثة أعوام، متيحا له فرصة ذهبية للتفكير بحرية بعيدا عن بلاده التي واجه فيها قيوداً وعراقيل تتعارض مع أفكاره التنويرية.

مدينة التنوير
في القرن الثامن عشر تألّق مجد برلين الثقافي والفكري والفلسفي بفضل المستنيرين الجدد من أمثال ليسينغ، وفريديريك نيكولاي. وهكذا أصبحت برلين مدينة التنوير المدني. وما أن حلّ القرن التاسع عشر حتى تجمّع فيها علماء وأدباء كبار أمثال: همبولت، فيخته، هاينريش فون كلايست، ونوفاليس وغيرهم من الرومانطيقيين البارزين. وفي عام 1810 تأسّست الجامعة التي درّس فيها كلّ من: هيغل والمؤرخ المرموق ليوبولد فون رانكه والعالم الطبيب هامبولت. وعندما أصبحت برلين عاصمة للإمبراطورية، ازدادت اهميتها الثقافية والعلميّة. ففيها تأسست «الجامعة التقنية» التي أصبحت في ظرف زمنيّ قصير مثالا يحتذى في أوروبا بأسرها. وبفضل اكتشافات كلّ من ماكس بلانك، وآينشتاين، وروبرت كوخ، عرفت العلوم الفيزيائيّة والطبيعية قفزة هائلة. وفي عام 1883، بعث المسرح الألماني للوجود ليتحول الى مدرسة للفن الرابع في جميع أنحاء اوروبا. كما تأسست مسارح أخرى مستقلّة عن الدولة.
بعد الحرب العالمية الأولى، كما أسلفنا، حافظت برلين على توهجها كعاصمة للفكر والثقافة والفنون. وكانت مقاهيها ونواديها تعجّ بالفنانين الطلائعيين. أغلبهم كانوا يعانون من الفاقة. وبالكاد كانوا قادرين على تأمين قوتهم اليومي. وكان برتولد بريشت واحدا من هؤلاء. والذين عرفوه في عشرينيات القرن الماضي، ذكروا أنه كان يرتدي معطفا جلديّا، وقبّعة. ويوما ما سقط على الرصيف من فرط الجوع. غير أن نجمه سرعان ما لمع في سماء الفن والشعر خصوصا بعد أن عرض عمله «طبول الليل» في أحد مسارح برلين عام 1928.
في برلين أيضا، شهدت الحركة التعبيريّة صعودا واضحا. ففي عام 1918 ألقى هولسنباك محاضرة أعلن فيها عن تأسيس الحركة الدادائيّة. وبعد مرور عامين على ذلك، افتتح المعرض العالمي للدادائية في قاعة «بورخارد». وحول مجلة «العاصفة» التقت الاتجاهات الجديدة، والمتميّزة في مجال الفن من أمثال كاندينسكي، فرانز مارك، وشاغال. وقد شهدت معارض الرسامين الجدد إقبالا كبيرا من قبل الجمهور. وبعد أن كانت برلين مدينة السينما والمسرح، أصبحت مدينة الكاباريهات التي يتهافت عليها الناس بأعداد وفيرة، وفيها يستمتعون برقصات غانيات شبه عاريات.
ويتحدث غيورغ هايم عن برلين في تلك الفترة كما لو أنها إلهة من آلهات الشر! ولعلّ أروع من صوّر حياة برلين في الفترة الفاصلة بين الحرب الكونية الأولى، والسنة التي صعد فيها النازيون الى السلطة هو الفريد دوبلن صاحب رائعة: «برلين- ألكسندر بلاتز» التي صدرت العام 1929، أي قبل الانفجار الكبير بوقت وجيز. عن هذه الرواية، كتب أحد النقاد يقول: «إن رواية» برلين -ألكسندر بلاتز «ليست ملحمة برلين وحدها، وإنما هي ملحمة البؤساء والهامشيين، والمهمّشين». لكي يتوصّل دوبلن الى الكشف عن روح برلين، كان عليه أن يتصفّح وثائق الاحصائيّات، وأن يحصي عدد المواليد والأموات، وأن يدرس حالة المعامل، وأن ينتبه الى افلاس الأشخاص، وأن يتعرّف على حياة العاطلين عن العمل، وأن يطّلع على الأوضاع في مستشفيات الأمراض العقلية والنفسيّة، وأن يزور ملاجئ الأيتام، والشيوخ، وحتى رياض الأطفال. وقد صورت هذه الرواية جحيم برلين. لذا جاءت قاتمة، مفعمة باليأس والألم. فيها يلتقي المشوّهون، والبغايا، والأثرياء، والخونة. وجميع أبطالها يعكسون أوضاع أشخاص حقيقيين أحرقهم جمر برلين في سنوات «الصخب والعنف».
وقبل أن يطبق عليها الليل النازي بظلماته ليؤدي فيما بعد الى تقسيمها الى شطرين، كانت برلين تسعى الى أن تجد في الحياة الصاخبة، وفي وهج الفنون الجديدة ما يمكن أن ينسيها جراحها وأوجاعها. وكانت تريد أن تغضّ الطّرف عن أوضاع اجتماعية وسياسية قاسية ومُرَّة كانت فيها الفتاة الجميلة تُشترى بسيجارة، أو بقطعة من الخبز. وفي لافتة مستوحاة من قصيدة لفالتر ماهوينغ يمكننا أن نقرأ: «برلين... راقصك هو الموت!»...

10 أحداث أسقطت الجدار
24 أغسطس
نظراً لموجات اللجوء الهائلة، سمحت المجر لجميع مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية الموجودين آنذاك في بودابست بالسفر عبر النمسا إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية. وفي 10 سبتمبر شمل هذا التصريح جميع مواطني ألمانيا الديمقراطية الموجودين على الأراضي المجرية.

12 سبتمبر
وعدت الحكومة البولندية جميع مواطني ألمانيا الديمقراطية الموجودين في سفارة ألمانيا الاتحادية في وارسو بعدم ترحيلهم إلى ألمانيا الديمقراطية.

7 أكتوبر
احتفلت القيادة في ألمانيا الديمقراطية بمرور 40 عاماً على نشأة جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

9 أكتوبر
مظاهرات الاثنين الحاسمة في لايبتسيج مهدت الطريق للثورة السلمية في جمهورية ألمانيا الاتحادية، حيث تظاهر 70 ألف مواطن وسط استسلام من الأجهزة الأمنية.

18 أكتوبر
انتشرت مظاهرات الاثنين والصلوات السلمية في كل أرجاء ألمانيا الديمقراطية، ما اضطر الأمين العام للحزب الشيوعي إريش هونيكر إلى الاستقالة.

4 نوفمبر
تظاهر ما يزيد على 500 ألف شخص في برلين الشرقية منادين بحرية الصحافة والرأي وحرية التجمهر.
أعلن عضو المكتب السياسي جونتر شابوفسكي تسهيلات جديدة للسفر، فتدفق الآلاف من مواطني برلين في شطريها الشرقي والغربي إلى السور. وفي الليل، قام حرس الحدود بفتح المعابر والنقاط الحدودية، وفي 9 نوفمبر 1989 هدم بشكل شبه كامل.

بتصرف عن مركز الإعلام الألماني، النشرة الشهرية