الملحق الثقافي

من يتذكر مكسيم رودنسون؟

 رفض الصهاينة وأنصارهم الاعتراف بالانعكاسات المأساوية الناتجة عن قيام إسرائيل على أرض العرب الفلسطينيين خطأ فادح لا يغتفر (أرشيفية)

رفض الصهاينة وأنصارهم الاعتراف بالانعكاسات المأساوية الناتجة عن قيام إسرائيل على أرض العرب الفلسطينيين خطأ فادح لا يغتفر (أرشيفية)

هاشم صالح

يحتفل الفرنسيون هذه الأيام بمرور مئة عام على ولادة ناقدهم الشهير رولان بارت (1915-1980)، ومعهم الحق. ولكن لا أحد يحتفل بمكسيم رودنسون الذي ولد في العام نفسه (1915-2004) وعاش عمرا مديدا أكثر من بارت بكثير. وهذا ظلم في الواقع. فالرجل ساهم كثيرا في تقدم حركة الفكر في فرنسا طيلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم.

تميز رودنسون بصفة نادرة ألا وهي: انفصاله عن طائفته اليهودية بخصوص المشروع الصهيوني. فقد كان معاديا له وقد كلفه ذلك غاليا من حيث النبذ والاحتقار. وربما كان المثقف اليهودي الوحيد الذي فعل ذلك في فرنسا اذا ما استثنينا أسماء قليلة جدا تعد على أصابع اليد الواحدة. لكنه كان يقول أيضا: لا يوجد حل عن طريق العنف وتدمير الآخر. فعلى الرغم من أن إسرائيل قامت بالقهر على أرض الغير لكن ليس من المستحب ولا الأخلاقي تدميرها بعد أن قامت.. فلا يمكن أن نرد على كارثة بشرية بكارثة بشرية أخرى.. ينبغي أن نجد حلا وسطا وتعايشا معينا يوما ما بين كلا الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. ولكن السؤال البسيط الذي نطرحه على فلاسفة الغرب كلهم هو التالي: هل يمكن أن يتحقق التعايش والسلام قبل أن ينال المظلوم حقه؟
وللاطلاع على أفكاره حول هذا الموضوع الحساس والملتهب ان لم نقل المشتعل نحيل الى كتابيه الأساسيين: «اسرائيل والرفض العربي»، ثم: «شعب يهودي أم مشكلة يهودية»؟ نستخلص منهما ما يلي: اذا كان مكسيم رودنسون يرفض الأساطير الصهيونية الساعية بكل وسيلة لتبرير اسرائيل الا أنه يرفض أيضا ادامة الصراع الى ما لا نهاية بعد أن تحولت الدولة العبرية الى أمر واقع وأصبح فيها شعب وسكان وبشر. فهذا استنزاف للطاقات وتدمير لمستقبل شعوب المنطقة التي لم تعرف إلا الحروب منذ أكثر من نصف قرن. لا ريب في أن هذه الدولة التي قامت بالحديد والنار كانت حصيلة قرار تاريخي ظالم ولكن لا مرجوع عنه في رأيه. وهو قرار صادر عن الأمم المتحدة والقوى العظمى عام 1948. ولكن رفض الصهاينة ومؤيديهم للاعتراف بالانعكاسات المأساوية الناتجة عن قيام هذه الدولة على أرض العرب الفلسطينيين خطأ فادح لا يغتفر. فعدم احساسهم بآلام الفلسطينيين المبرحة والهائلة شيء مخجل وغير مفهوم على الاطلاق. ولا نعرف كيف يمكن أن يصدر عن قوم عانوا من آثار المحرقة النازية. بالمقابل فإن النظرة العربية لليهود عموما سلبية جدا وظالمة أيضا. وأخيرا يروي البروفيسور دومنيك شوفالييه الذي تخرجت على يده كوكبة من الطلبة العرب في السوربون الحكاية التالية: في أحد الأيام قال لي أحد الديبلوماسيين العرب بعد أن اطلع على كتاب رودنسون الأول: هذا أفضل كتاب قرأته عن القضية الفلسطينية!

الماركسية ليست ديناً منزَّلاً!
فيما عدا ذلك يعتبر مكسيم رودنسون أحد كبار الاختصاصيين في الدراسات العربية والإسلامية واللغات السامية. وهو أحد كبار المستشرقين بالإضافة إلى لويس ماسينيون، وهنري كوربان، وجاك بيرك، و كلود كاهين، وروجيه أرنالديز، ومونتمغري واط، وسواهم... وقد ولد في باريس عام 1915 ومات عام 2004 عن عمر يقارب التسعين. وقد أصدر قبيل موته عدة كتب نذكر من بينها «الاسلام: السياسة والعقيدة»، ثم كتاب «من فيثاغورث الى لينين. مقالات عن الحركات الأيديولوجية»، ثم كتاب مقابلات بالتعاون مع الباحث اللبناني جيرار خوري بعنوان: «مكسيم رودنسون – بين الإسلام والغرب». وفي هذه الكتابات وسواها يعلن أنه لم يعد ماركسياً بعد أن اعتنق الماركسية طيلة حياته كلها! صحيح أنه انسحب من الحزب الشيوعي أو بالأحرى طرد منه عام 1958 بسبب مقالاته النقدية وحبه للحرية وكرهه للتأطير الأيديولوجي والببغاوية الفكرية. ولكنه مع ذلك ظل ماركسياً مستقلاً على حد قوله، وذلك حتى عام 1993. بعدئذ أعلن أنه لم يعد ماركسياً على الاطلاق على الرغم من اعترافه بأهمية ماركس كمفكر وعالم اجتماع. ولكنه لم يعد المفكر الوحيد في نظره ولم يعد كافياً. والدليل على ذلك أن ماكس فيبر الذي جاء بعده مباشرة فتح آفاقا جديدة في علم الاجتماع، وهي آفاق لم تخطر على بال ماركس قط. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن اميل دوركهايم، القطب الكبير الثالث المؤسس لعلم الاجتماع الحديث. وهذا دليل على أن الماركسية ليست كل شيء كما زعم أتباعها الذين اعتنقوها كدين معصوم او كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش في حين أنها نظرية سوسيولوجية من جملة نظريات أخرى. ولكن هذا لا يعني ان رودنسون قطع كل علاقة له بالماركسية. فقد استمر في التفكير والكتابة حول المشاكل التي شغلته وأقنعته لفترة طويلة، أقصد المشاكل الفكرية التي تخص الماركسية. وقد دعي إلى مؤتمر علمي كبير عن الماركسية كانت اليونسكو قد نظمته وأشرفت عليه. ولكنه غضب كثيراً لأنهم لم يدعوا صديقه هنري لوفيفر، الفيلسوف الماركسي المعروف، والذي يقول إنه كان أكثر كفاءة منه بكثير. وقد حضر المؤتمر الفيلسوف المشهور هربرت ماركيوز من جملة آخرين عديدين. ويرى رودنسون انه بعد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية أصبح الكثير من الناس يتامى. أقصد الناس الشيوعيين الذين آمنوا بفكر ماركس وتعلقوا بالطوباوية الماركسية. فماذا سيفعلون بأنفسهم بعد الآن؟ وكيف سيقيمون الحداد على قناعات شغلت عمرهم الطويل كله؟
والواقع ان هؤلاء المساكين الذين يشعرون الآن بالهلع الشديد بعد سقوط الشيوعية كانوا يعتبرون الماركسية بمثابة الدين المنزَّل والحقيقة المطلقة! وهذا الشيء هو الذي كان يزعج رودنسون حتى عندما كان لا يزال عضواً في الحزب الشيوعي وماركسياً من حيث المبدأ. وضرب على ذلك مثلاً أحد أصدقائه الذي كان شيوعياً وأستاذاً في جامعة نانتير. فعندما كان يتحدث معه عن مكانة الماركسية داخل الفلسفة كان يجيبه: ينبغي أن تتحدث بالأحرى عن مكانة الفلسفة داخل الماركسية!... ففي رأيه ان الفكر الماركسي يشمل كل شيء، بما فيه الفلسفة. فماركس في جهة والفكر البشري كله في جهة أخرى، وهو أهم منه كله! بل انه يجبّ ما قبله وما بعده! وهذا هراء بالطبع. هذا تبجيل وتفخيم خارج عن نطاق العقلية العلمية.. وبهذا المعنى يمكن القول: لحسن الحظ فإن الماركسية سقطت.. ويروي رودنسون انه كثيراً ما يتلقى نشرات ودعوات هدفها إعادته إلى الحزب، ولكنه لا يرد عليها. فالحزب الشيوعي كغيره يريد أن يضم أكبر عدد من المثقفين إلى صفه لكي يفتخر بهم. وهذا يعني ان المثقف مهم على عكس ما يزعم بعضهم وأن دور المثقفين لم ينته أبدا.
أفتح هنا قوسا صغيرا وأقول: والدليل على ذلك ان ساركوزي اتصل أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2007 بالفيلسوف برنار هنري ليفي وقال له متوسلا: هل رأيت مقالة صديقك غلوكسمان عني في جريدة اللوموند؟ أرأيت كيف يمدحني ويدعو الى انتخابي؟ فمتى سأرى مقالتك انت؟ وعندئذ حاول ليفي التملص بأي شكل لانه كان قد اتخذ موقفا لصالح المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال. بالمناسبة فإن الفيلسوف أندريه غلوكسمان أعطانا عمره قبل أيام في باريس..وبالتالي فالمرشحون للرئاسة كانوا يشحذون شهادات المثقفين ودعمهم شحاذة. هذا أقل ما يمكن ان يقال.. وهذا أكبر دليل على أهمية المثقف سواء في مجتمعات الغرب ام في مجتمعات الشرق. ومع ذلك فإن البعض يقولون لك: لا أهمية للمثقفين. انهم مجرد نكرات أو ثرثارين مشغولين بكلام فارغ لا يقدم ولا يؤخر!..
لكن لنعد الى رودنسون وتصوره للماركسية. يقول في بعض كتاباته الأخيرة:
في الواقع إن كلمة الماركسية تستخدم بمعان مختلفة وأحيانا متناقضة. عندما يسألونني، وكثيراً ما يسألونني، هل لا تزال ماركسياً، فإني أجيبهم: وماذا تقصدون بالماركسية؟ كل حركة شيوعية تدعي أنها تمثل الماركسية الصحيحة وبقية الحركات منحرفة أو ضالة عن الخط المستقيم. بعضهم يعتقد أن الماركسية الصحيحة هي تلك التي تشتمل على تصورات ماركس وانجلز فقط. ويعتقدون أن هذه التصورات نهائية، لا يمكن تجاوزها، بل وغير قابلة للمراجعة والتصحيح. وقد قالت الحقيقة المطلقة عن الإنسان والمجتمع والكون.وكل من يحاول نقدها أو إدخال بعض التعديلات عليها يعتبر منحرفاً ضالا ويفصل من الحزب أو الحركة. ولكني أعتقد أن مصطلح الماركسية لا معنى له إلا إذا قصدنا به تلك الحركة التاريخية التي تشمل الأفراد، والأحزاب، والدول، والمنظمات التي تنسب نفسها قليلاً أو كثيراً إلى الماركسية. قلت قليلاً أو كثيراً لأن لكل شخص تفسيره للماركسية. وأنتم تعلمون تلك النكتة التي قيلت عن ماركس في أواخر أيامه عندما ذهب بعضهم الى لندن والتقاه وشرح له أفكار الماركسيين الفرنسيين وتحدث له عن نقاشاتهم الحامية وجدالاتهم التي لا تنتهي عنه وعن فكره. فانتفض ماركس غاضباً وقال: «إذا كانت هذه هي الماركسية وأفكارها فأنا لست ماركسياً»!!... ثم يردف مكسيم رودنسون قائلا: ولكني أجد من العبث أن نتحدث عن جرائم الماركسية كما يفعل بعضهم الآن بعد سقوط الشيوعية. فالعقيدة، أي عقيدة، قد تُستخدم في طريق الخير أو في طريق الشر. ولا يمكن اعتبارها مسؤولة عن الخطأ اذا ما أسيئ فهمها واستخدامها. فمثلا لقد استخدم المسيحيون في القرون الوسطى بعض آيات الانجيل لتبرير أعمال عنف بشعة ومضادة لها تماما. فهل الانجيل مسؤول عن محاكم التفتيش او الحروب الصليبية؟ ونضيف من عندنا: نفس الشيء يمكن ان نقوله عن الاسلام حاليا. فهل القرآن مسؤول عن داعش والتفجيرات الارهابية كما يتوهم جهلة الغرب ومتطرفوه الحاقدون على كل ما هو عربي أو مسلم؟ الخ..

الماركسية بين السوسيولوجيا والأيديولوجيا
يقول رودنسون ما معناه: أعتقد أن ما يتبقى من الماركسية هو ما أدعوه بعلم الاجتماع الماركسي أو بالسوسيولوجيا الماركسية. وأنا لا أزال مخلصاً لها حتى الآن. ولتسقط الايديولوجيا الماركسية والشعارات الطنانة الرنانة.. وقد نشرت دراسة عام 1968 عن هذا الموضوع للتفريق بين الايديولوجيا/‏‏والسوسيولوجيا وقلت فيها ما معناه: إن السوسيولوجيا الماركسية تنطلق من مبادئ أساسية تعتبر بمثابة بديهيات. وهذه المبادئ فرضت نفسها حتى قبل ماركس على جميع المفكرين الواقعيين في مجال التاريخ والسياسة...
فالمجتمع البشري، أي مجتمع كان، يتأسس على بعض المهام الأساسية التي لولاها لانعدم وجوده أو لاستحالت استمراريته. وهذه المبادئ تقول لنا ما يلي: إن المجتمع، كالفرد، يهتم أولاً بكيفية بقائه أو استمراريته على قيد الحياة: أي تأمين الشروط المادية للعيش كالأكل والخبز واللبس الخ.. هذه هي أول مهمة من مهامه. إنه يهتم أولاً بتأبيد وجوده المادي الغذائي أكثر من تأبيد جوهره الروحاني. وتأبيد وجوده يعني إنتاج وسائل وجوده المادي وإعادة إنتاجها كلما استهلكها البشر العائشون فيه. ولكن الشيء الذي انتهى من ماركس هو الشعارات المؤدلجة والرؤى التبسيطية التي كان يستمدها من نزعته النضالية ورؤيته للصراع الاجتماعي. وبالتالي فإني أرفض الفكرة التي تقول بأن الماركسية نظرية شمولية تحتوي على كل شيء وتفسر كل شيء. ولكني كمؤرخ أعرف جيداً بأنه توجد حركة ماركسية، أي حركة تولَّدت عن ماركس وعرفت ذلك المصير التاريخي المعروف، وتوزعت إلى عدة أجنحة وفروع.
وأعتقد أن النزعة النضالية الحامية أو السياسوية الغوغائية لماركس قد أغلقت عقله وجعلته دوغمائياً متعصبا، بل وعرقلت كتابة أعماله الفلسفية والنظرية. فماركس كان رجل سياسة وتنظيم بقدر ما كان مفكراً. ينبغي ألا ننسى ذلك. ولكن المشكلة هي أن أتباع ماركس يعتقدون أن فكره كلام منزل يحتوي على حلول لجميع مشاكل العالم!... وأحياناً يقرأون كتاباته وكأنها معصومة. وهذا اكبر خطأ وقع فيه الماركسيون. ماركس بشر قد يصيب وقد يخطئ مثله في ذلك مثل ديكارت او هيغل او أي مفكر آخر..

بين الإسلام والغرب
في هذا الكتاب الممتع يطرح الباحث اللبناني جيرار خوري على رودنسون عدة أسئلة جوهرية نذكر من بينها:
- جيرار خوري: هل هناك من تيار سياسي آخر يمكن أن يواجه الليبرالية أو الرأسمالية التي يبدو أنها تنتصر في كل مكان الآن بعد سقوط الشيوعية؟
= رودنسون: لا أعتقد، وأنا شخصياً تعودت على هذا النظام الرأسمالي وتأقلمت معه. أعرف أنه توجد فيه تفاوتات اجتماعية كبيرة بل وفاحشة. ولكن إذا ما استبدلنا به أنظمة أخرى ذات تفاوتات وظلم فإننا لن نحصل على أفضل منه! فالنظام الرأسمالي الليبرالي قليلاً أو كثيراً له فضائل ايضا وليس فقط نقائص وعيوب. ولكنه يعاني بالطبع من سلبيات كبيرة، وربما حلّ محله نظام آخر يوماً ما عن طريق الانتفاضة. من يعلم؟
ثم طرح عليه هذا السؤال:
- جيرار خوري: لننتقل الآن إلى منهجيتك في البحث. ما هي العلوم الأساسية التي تعتمد عليها؟
= رودنسون: تركز اهتمامي منذ البداية على العلوم الإنسانية الوصفية، أي تاريخ البشرية والأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. وأقصد بذلك دراسة التصرفات الاجتماعية للإنسان. وهي تصرفات تختلف قليلاً أو كثيراً من مجتمع إلى آخر. فقد درست عدة مجتمعات شرقية، عربية واسلامية، على أساس هذه المناهج. ولكني لم أهتم كثيراً بالفلسفة، ولا بعلم النفس أو التحليل النفسي. لم أكن أشعر بميل كبير إلى هذه العلوم. وبالتالي فأنا عالم اجتماعي أو انتروبولوجي أكثر مما أنا فيلسوف أو محلّل نفساني. يضاف إلى ذلك اهتمامي بعلم التاريخ بالطبع وبخاصة تاريخ الأديان.
- جيرار خوري: في دراستك العلمية وفي مقالاتك السياسية عن الشرق الأوسط لا نجدك تركز كثيراً على أهمية العقليات ودورها في عرقلة التطور. ألا تعتقد بأن هناك انسداداً في العقليات لدى بعض العرب والمسلمين؟
= رودنسون: العقليات هي خلاصة مشروطيات من أنواع مختلفة. وينبغي تحليل هذه المشروطيات أو الظروف المحيطة. العقليات لا تنتج عن الفراغ، وليست هي العامل الأول أو غير المشروط.
ثم يضيف السائل:
- كنت أريد أن أسألك عن الفرق الأساسي بين عقلية الغربيين/‏‏وعقلية الشرقيين. ألا تعتقد بأن العقلية الشرقية لا تسمح بانبثاق الفكر النقدي الحر؟
= رودنسون: أعتقد ذلك، على الأقل بالنسبة للوقت الراهن. ولكن قد تتغير الأمور فيما بعد وتتطور عقلية الشرقيين أيضاً...عندما يظهر عندكم فلاسفة يتجرؤون على نقد العقائد التراثية الراسخة مثلما فعل فولتير او ديدرو او بقية فلاسفة التنوير عندنا فان الأمور سوف تتحلحل وتتغير حتما..ولكن هذه مسألة وقت ليس الا..
- جيرار خوري: ولكن يبدو أنك لا تهتم كثيرا بدور العقليات في التأثير على مصائر الشعوب على عكس جاك بيرك وجورج دوبي. فهل يعود ذلك إلى كونك ماركسياً وكونه خارج الماركسية؟
= رودنسون: لا يبدو لي ان دور العقليات هو الحاسم. فالشيء الأساسي والحاسم في التطور الاجتماعي هو القاعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأوضاع المتناقضة. وكنت قد تحدثت عن ذلك في كتابي «جاذبية الإسلام». فالمواقف العقلية أو الفكرية، الشرقية كما الغربية، مشروطة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. بهذا المعنى فإني بقيت ماركسياً إذا شئت.
- جيرار خوري: ولكن الأعمال التاريخية لـ»مدرسة الحوليات» تركزت كثيراً على دراسة العقليات. وكان جورج دوبي أحد كبار المختصين بهذا الفرع من العلوم. وهذا ما يساعد على فهم الأشياء من الداخل. ألا ترى ذلك؟
= رودنسون: لاريب في أن ذلك ساهم كثيراً في تقدم العلم التاريخي وفي التحليل الداخلي لوعي المجتمعات الأوروبية. ولكنه لم يقدم لنا أشياء كثيرة أو إضاءات كثيرة حول الظروف الخارجية التي تشرط هذا الوعي، ولا حول الطريقة التي يضغط بها على العلاقات الدولية، والقرارات السياسية، والتاريخ.
- جيرار خوري: ولكن هل تكفي دراسة المشروطيات الاقتصادية والسياسية لفهم المجتمع العربي في أواخر القرن الماضي أو لفهم قضايا الإسلام المعاصر؟
= رودنسون: بالطبع فإن دراسة الأسباب الاقتصادية وحدها لا تكفي. أنا متفق معك تمام الاتفاق على ذلك. ولكن دراسة الأسباب (أو المشروطيات) الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، لها الأولوية. وإلا، فإننا سنسقط في اللاعقلانية... كل شيء في العالم مشروط بالظروف المادية والاكل والشرب واللبس والانتاج أولا... وبالتالي فعن أي شيء تصدر هذه العقلية ان لم يكن عن الظروف المادية المحيطة بها؟ ينبغي أن تجيء من مكان ما. فالعقليات لا تقف في الفراغ او لا تولد من اللاشيء. انها انعكاس للبيئة المحيطة. والشيء الذي تعلمته من الماركسية الكلاسيكية هو ان الأفكار مرتبطة في نهاية المطاف بالظروف الاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما تعلمنا إياه كل الخبرة الطويلة للبشرية. فتصور الفقير الجائع للعالم والمجتمع ليس هو تصور الغني المترف..وبالتالي فنحن محكومون بالبيئات التي نشأنا فيها شئنا ام أبينا. ولذلك فان عقليتنا تتشكل بناء على هذه المعطيات المادية الأولى. وأخيرا ماذا يمكن ان نقول عن هذا الحوار الممتع؟
***
وأخيرا ماذا يمكن أن نقول عن نظريات الرجل؟
لا ريب في ان كلام رودنسون صحيح في معظمه. فالبنى التحتية - أي المادية الاقتصادية - أساسية ودورها كبير. ولا ينكر ذلك الا جاهل. ولكن هذا لا يعني بالطبع اهمال ما يدعوه الماركسيون بالبنى الفوقية: أي التربية والتعليم والدين والثقافة والتقاليد الخ.. فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وكل واحد منا نتاج بيئته وظروفه وعائلته وطبقته الاجتماعية بل وحتى طائفته ومذهبه. فالذي يولد في طائفة الأغلبية غير الذي يولد في طائفة الأقلية وردود فعله تكون مختلفة بالتالي. والذي يولد في عائلة غنية غير الذي يولد في عائلة فقيرة معدمة. ولن تكون نقطة الانطلاق واحدة لكلا الطرفين ولا نقطة الوصول. ولهذا السبب نلاحظ ان أبناء وبنات البورجوازية الفرنسية هم الذين ينالون الشهادات العليا أكثر من أبناء العمال والفلاحين. وهم الذين يحتلون المناصب الحساسة في الدولة والمؤسسات الرسمية والشركات الكبرى. وأما نسبة أبناء الطبقات الشعبية فتظل ضعيفة وأحيانا معدومة. أللهم إلا بالنسبة للمبدعين والعباقرة النجباء الذين يستطيعون الوصول الى القمة بإمكانياتهم الخاصة.. وقد وصل الأمر بعالم الاجتماع بيير بورديو الى حد القول بأن طبقة نبلاء الدولة- أي الموظفين الكبار- حلت محل الطبقة الاقطاعية الارستقراطية القديمة التي كانت تحكم فرنسا قبل الثورة ابان العهد الملكي القديم. وهكذا حلت عائلات جديدة محل عائلات قديمة في السيطرة على شؤون البلاد. وعادت الهيمنة على الشعب وكأن شيئا لم يكن. ولكنها لم تعد ارستقراطية الدم والمحتد وانما ارستقراطية مالية او مصرفية او ديبلوماسية وسياسية بل وحتى جامعية. وراح اليساريون يدينون الثلاثمئة عائلة من المليارديريين التي تحكم فرنسا حاليا. وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ولو ان جان جاك روسو نهض من قبره لكتب نصا أعنف من ذلك الذي كتبه العام 1754 عن «أصل الظلم واللامساواة بين البشر» ودشن به زلزال الثورة الفرنسية.

شيء من سيرته
يعتبر مكسيم رودنسون أحد كبار الاختصاصيين في الدراسات العربية والإسلامية واللغات السامية. وهو أحد كبار المستشرقين إضافة إلى لويس ماسينيون، وهنري كوربان، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، ومونتمغري واط، وسواهم.
ولد في باريس في السادس عشر من يناير 1915 من والد روسي وأم بولندية. وعمل فى مطلع حياته كمستخدم جوال في أحد المكاتب. ونجح رودنسون العصامي في السابعة عشرة في مباراة الدخول الى معهد اللغات الشرقية ونجح لاحقا في شهادة البكالوريا. وفي 1937، تزوج ودخل إلى المركز الوطني للبحوث العلمية وانتسب الى الحزب الشيوعي.
وأصدر قبيل موته عدة كتب نذكر من بينها: «الاسلام: السياسة والعقيدة»، كتاب «من فيثاغورث الى لينين»، «مقالات عن الحركات الايديولوجية»، ثم كتاب مقابلات بالتعاون مع الباحث اللبناني جيرار خوري بعنوان: «مكسيم رودنسون – بين الإسلام والغرب».

التزام وشجاعة

كان مكسيم رودنسون رجلا ملتزماً، لا سيما لمصلحة القضية الفلسطينية، حسب الباحث جيرار خوري، الذي يؤكد أن «ميزاته الأساسية كانت تأهيلاً نموذجياً، ودقة وصرامة أتاحتا له ولوج عالم العلوم من بابه الواسع، إضافة إلى مواقف سياسية شجاعة انطلاقاً من معرفته بخفايا الثقافتين العربية والغربية».
ويلفت خوري في مقابلة مع وكالة «فرانس برس» ، إلى أن العمل الرئيس له هو «محمد» (1961) وهو قراءة ماركسية موثقة لحياة النبي. ويضيف: «رودنسون أسهم في تعديل القراءة الطائفية للإسلام الذي لا يعجز عن الدخول إلى الحداثة».

ماركس: لست ماركسياً
أعتقد أن مصطلح الماركسية لا معنى له إلا إذا قصدنا به تلك الحركة التاريخية التي تشمل الأفراد، والأحزاب، والدول، والمنظمات التي تنسب نفسها قليلاً أو كثيراً إلى الماركسية. قلت قليلاً أو كثيراً لأن لكل شخص تفسيره للماركسية. وأنتم تعلمون تلك النكتة التي قيلت عن ماركس في أواخر أيامه عندما ذهب بعضهم الى لندن والتقاه وشرح له أفكار الماركسيين الفرنسيين وتحدث له عن نقاشاتهم الحامية وجدالاتهم التي لا تنتهي عنه وعن فكره. فانتفض ماركس غاضباً وقال: «إذا كانت هذه هي الماركسية وأفكارها فأنا لست ماركسياً»!!...