ثقافة

«الخليجي القصير».. خفيف الظل وثقيل العواقب!

مشهد من فيلم «حديقة أبي» (من المصدر)

مشهد من فيلم «حديقة أبي» (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

متابعة الأفلام المشاركة في المهر الخليجي القصير بمهرجان دبي السينمائي الدولي الـ12، تحتاج لقراءة نوعية لخبرات المخرجين، من ناحية التجربة الميدانية، وكيفية استثمار التقنية البصرية، إلى جانب الثقافة المرئية، وماهية فهمهم للسيناريو، وتحويله إلى عناصر متحركة تقود التكوين المشهدي للمشروع السينمائي، خاصة أن أفلام الخليجي القصير، الفئة الأولى (1) التي تكونت من 5 أفلام لمخرجين من العراق والسعودية، اتسمت بخفة الظل، في صياغة البيئة المحلية في الفيلم، وزخرت بثقل العواقب في مخزون تطور الحدث، وتفاعل الشخصيات. وتكمن أهمية إعادة إنتاج المعنى، في الصناعة السينمائية في منطقة الخليج، وتتبع الإنتاجات، كمؤشر فكري لمدى النوعية المساهمة في الحراك البصري، إضافة إلى مقياس لأهم المواهب، القادرة على الانتقال لفضاءات عميقة من خلال الاطلاع على قدراتهم واهتمامهم بالمسؤولية الجمالية، وساهم الحراك السينمائي في مدينة دبي، وعلى مدى سنوات، في بيان القناة النوعية في المنجز السينمائي في منطقة الخليج، عبر إتاحة مهرجان متخصص لعب دوراً استراتيجياً في تكوين القاعدة المعرفية بأهم التجارب والأسماء.

«حديقة أبي»
يستمر المخرجون الشباب في العراق، بإعادة مناقشة الذات الإنسانية، وما تعانيه من صراعات داخلية، تحاول اجتثاث الحياة من براثين الحرب والفقدان، وفاجعة الموت الجاثم على مخيلة الروح، ويمكن تتبع المنحى الوجودي الذي تطرحه السينما في العراق من خلال فيلم «حديقة أبي» للمخرج شوان عطوف، حيث يلقى المشاهد نفسه، أمام عملية تفجير انتحاري لشخصية كردية، تتقن العربية الركيكة، يصورها أفراد من المليشيات بكاميرا فيديو، وهو يقدم إفادته الاستشهادية الأخيرة لأهله، واللافت في الحدث، أن السبب الأساسي لعملية تفجير الشخصية الرئيسة، جاء بأمر من قائد المليشيات، لامتناعه الجهادي من قتل أحد الضحايا، لأنه يذكره بأبيه، ويفصل المخرج شوان المرحلة التي يمر بها الانتحاري، من التجهيز الأخير، قبل إجباره على ارتداء المتفجرات، إلا أنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة اكتشاف الرب، ومعرفة الله، بملامح الدراويش الصوفية، فقبل عملية التفجير بلحظات، تأتي روح أب الجهادي، وتخبره بأنه سيرى وردة الحب!

«جاري الاتصال»
بالتوازي، أطلعنا المخرج بهاء الكاظمي، عبر فيلم «جاري الاتصال»، المناجاة السرمدية بين أم تنتظر ابنها الذي ذهب للحرب، حيث تحتفظ برقم هاتفه في هاتفها الخلوي، وتطلب من كل الذين تراهم، أن يتصلوا بـ «حمودي»، واستخدم المخرج تقنية «السلفي» المعروفة، عبر تصوير ابنها (محمد) نفسه وزملائه في الحرب، خلال إطلاق النار، مقدماً وقتها تحيته، وطلبه الاعتناء بأنفسهم، قائلاً «عيشوا»، وهي دعوة منه ليستمر أهله في التمتع بالحياة، وعدم الحزن عليه بعد وفاته، إلا أنه بعد خبر الوفاة الذي برز بلوحة حائط يزفون فيها محمد إلى رفيقه الأعلى، وضعت أمام باب البيت، ظلت الأم قابعة أمام الباب، تنتظر (حمودي)، ويقرر وقتها ابنها الآخر، من خوفه على أمه، أن يغير رقم هاتف أخيه في هاتف أمه، ويدعي بأنه أخوه محمد، ليحاول إقناعها بأنه قد توفي، وتحفه الراحة في الجنة!

«كيكة زينة»
جاءت المشاركات السعودية بتنوع خفيف الإيقاع على المتلقي، أبرزها فيلم «كيكة زينة» للمخرجة ندى المجددي، من عملت في إنتاج الفيديوهات في السعودية، وانتقلت بعدها إلى مدينة لوس أنجلوس، لنيل درجة الماجستير في الإخراج السينمائي. وعملياً، فإن «كيكة زينة» من اتخذ مدينة جدة، موقعاً لتداول اللغة الجمالية، لظاهرة إقبال الفتيات على شراء كعكة «الكب كيك»، من خلال برامج التواصل الاجتماعي، أبرزها «انستغرام»، نجح في شد المشاهد، للصعوبة اليومية التي تواجهها الشخصية زينة لبيع الكعك، دون علم والدها الذي يرفض عملها في المجال، خوفاً على سمعتها، خاصة أن ذلك العمل سيضطرها للحديث مع رجال قد يأتون للبيت لتسلم الطلبات، وغير ذلك.

«جنة الأرض»
الجميل في الفيلم، المعالجة الدرامية، ذات الحس الفكاهي الذي أنجزته المخرجة ندى، وما تضمن العمل السينمائي من انتقالات سهلة بين حدث وآخر، خاصة في الذروة عندما يكتشف والد زينة عملها في المجال، ليتم إسقاط رد فعل الأب بصورة قبول، دونما تضخيم وتحجيم، للموقف، حيث قرر والدها تولي عملية توصيل الطلبات وتجنيب نفسه وابنته الإحراج، وبالنسبة للصورة في الفيلم، فقد جاءت منطقية، وقريبة من تسلسل المتابع للحدث، بعكس ما قد يجده المشاهد في فيلم «جنة الأرض»، للمخرج سمير عارف، الذي اعتمد المباشرة، والأطروحة الوعظية، بجانب فجوات العشوائية في التحرك المشهدي للفيلم الذي اتسم بالمثالية بقدر الإمكان. وبالمراجعة التفصيلية للفيلم، يلاحظ المتابع، قلة العناصر البصرية في الرمزية السينمائية ذات البعد العميق للمشهد الواحد الذي جاء قريباً من القالب التلفزيوني الجاهز، حيث ينتقل مجموعة من الشباب السعوديين إلى البحرين لإمضاء حفلة رأس السنة، ومن ثم تصطدم سيارتهم بعجلة دراجة هوائية لطفل، ليساعدوه ويخبرهم أنه ذاهب لمقابلة جدته في دار الرعاية ليلعب بعدها اثنين من الشباب، سياسة تصاعد أحداث القصة.

«هجولة»
أثار فيلم «هجولة» للمخرجة رنا جربوع، السؤال حول مدى تأثير عملها في مجال التوثيق والبحث، على المزيج الوثائقي في التقنية والروح الروائية، في سردها لأفكارها ورغباتها، من خلال النسق المشهدي للفيلم، وهل يمكن أن يتصور المشاهد، تأثير اشتغالاتها في مجال فن الجرافيتي على الفضاءات العمرانية التي شغلت بحثها البصري، من خلال إعدادها لمونولوج داخلي، يحاول اكتشاف مدينة الرياض. المخرجة رنا جربوع حاصلة على درجة الماجستير في التوثيق الاجتماعي والإعلام الرقمي من «جامعة كاليفورنيا»، وتهدف لتسليط الضوء على قضايا الرقابة.