ألوان

«الحي المغربي».. حضور خاص للحرف التقليدية

أشرف جمعة (أبوظبي)

على بساط الموروث الشعبي الأصيل، سجل الجناح المغربي حضوره في مهرجان الشيخ زايد التراثي الذي تستمر فعالياته حتى الثاني من يناير المقبل، وتكللت المشاركة التراثية بإبراز الفن المغربي وخاصة الحرفي منه، فقدم الحرفيون نماذج فائقة تعبر عن جمال الصناعات التقليدية في المملكة المغربية، والتي حضرت بتفاصيلها الجميلة من مختلف مدن المغرب مثل: سلا وفاس ومراكش ومكناس وطنجة وأغادير وآسفي وتطوان ووزان ووجدة وغيرها من المدن التي اكتست بلمسات الموروث الشعبي على مر العصور، وتأتي مشاركة الحي المغربي بإشراف مؤسسة دار الصانع التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، واللافت أنه كان هناك احتفاء بالحرف التقليدية المغربية من زوار المهرجان من مختلف الأعمار.

شهرة تاريخية
حول مشاركة الجناح المغربي في مهرجان الشيخ زايد التراثي تقول المسؤولة الإعلامية عن الحرفيين نادية غزالي: «الصناعة التقليدية هي مسلسل للابتكار، فالإبداع والتجديد يلعبان دوراً مزدوجاً من أجل الارتقاء بالمهارة خصوصاً وأن الفن التقليدي المغربي حافظ على صورته المضيئة على مرّ العصور واستطاع الاندماج مع الفضاء العصري المفتوح، فضمن البقاء وحافظ على استمراريته، لافتة إلى أنه يوجد في الحي المغربي المشارك حالياً في «مهرجان الشيخ زايد التراثي» صناع تقليديون ومعلمون مهرة أيضاً في هذا المجال، نظراً لأن الإنتاج المغربي التقليدي الحرفي له شهرته التاريخية الفنية ويتمتع في الوقت نفسه بأعلى معايير الجودة، وهو ما مكنه من الحفاظ على طابعه التقليدي رغم التطورات التقنية والتكنولوجية على مستوى طرق الإنتاج.
وتؤكد غزالي أن كل منتج من هذه الحرف والصناعات التقليدية، صنع طبقاً إلى خصائص نوعية محددة سلفاً ضمن المواصفات المقررة وتقنيات الاستعمال، وقد تم اعتماد نحو 150 معياراً بالنسبة لمنتوجات النسيج والخزف والحلي والجلد والنحاسيات، مشيرة إلى أن الحي المغربي أبرز فنوناً عدة مثل فن الزليج، وفن الآجور والقرميد، والجيص المنحوت، والنجارة والمشربيات، والحدادة، بالإضافة إلى وجود الصالون المغربي، والمتحف التاريخي، وتلفت إلى أن المملكة المغربية بإرثها المتنوع الغني وفرت للعالم مناخاً من الخبرات والذوق والتهذيب والأناقة، حيث المواقع الأثرية والمآثر التاريخية والفنون التقليدية وفن الرسم والنحت والأهازيج والنقش والمنتوجات النباتية وهذه الميزات كلها تجعل المغرب أرضاً استثنائية، لذا جاءت المشاركة في مهرجان الشيخ زايد التراثي على قدر كبير من الاهتمام من أجل إبراز الصناعات التقليدية في أبهى صورة.

رغيف مغربي
الأطعمة المغربية لها مذاقها الخاص وطعمها الفريد، وفي مقدمة الحي المغربي «بمهرجان زايد التراثي» نصبت خيمة تصدرتها امرأتان من الحرفيات في مجال صناعة الرغيف المغربي الذي يطلق عليه اسم «مسمن» حيث توافد عديد من زوار المهرجان على هذه الخيمة من أجل تذوق هذا الرغيف الاستثنائي والذي يعد من التراث الأصيل في المغرب، وتقول الطاهية فاطمة مياج: «إن «المسمن» هو رغيف يصنع من الدقيق والزبدة والزيت، ويوضع بداخله عسل أو جبن ويقدم في الأعياد والمناسبات المغربية وبخاصة الأعراس، ومنذ مشاركتنا في المهرجان والإقبال يتزايد بشكل يومي على هذا الرغيف حيث نال إعجاب الزوار على اختلاف جنسياتهم، لافتة إلى أن «مهرجان الشيخ زايد التراثي» جمع أجناساً مختلفة على القيم والتقاليد الأصيلة للشعوب.

تشكيل النحاس
في أحد الدكاكين التراثية كان يجلس إدريس الساخي على أحد المقاعد، وأمامه طاولة صغيرة وفي يده آلة يشكل بها القطع النحاسية بمهارة عجيبة، ويذكر أنه يعمل في مهنة تشكيل النحاس، منذ أن كان عمره 9 سنوات، لافتاً إلى أنه من أسرة تمتهن الحرف اليدوية ورغم أنه يعمل بشكل متواصل ويجتهد من أجل أن يصل بعمله إلى مستوى الإتقان فإنه لا يعبر عن شعوره بالتعب أثناء مزاولته مهنته التي تحتاج إلى يقظة لكونها تنبع من أعماق الفن الأصيل، ويشير إلى أنه من مدينة فاس ويصنع أطباقاً وصواني وطواجن ومناجر وقناني عطور، وقطع ديكور ومجسمات للخيول والعربات القديمة التي تجرها الأحصنة وكل هذه الأشياء من النحاس مؤكداً أن «مهرجان الشيخ زايد التراثي» استوعب الفن المغربي واحتفى به بشكل كبير.

حلي الفضة
عقود وأساور وخواتم، أقراط وأشكال من الحلي المختلفة المرصعة بالأحجار الكريمة كانت تشغل حيزاً كبيراً من دكان الفنان حسن العلواشي الذي يقطن في منطقة مراكش والذي تخصص في تشكيل الفضة وفق رؤيته الفنية العارمة التي تظهر اهتمامه بإبراز الجمال في تشكيلات الحلي ويبين العلواشي أنه يعيش حالة فنية خالصة مع تشكيل الحلي حيث يركز على صنع خواتم ذات أشكال مختلفة ويزينها بالعقيق، بالإضافة إلى أنه اهتم بعمل خناجر ذات أشكال تراثية لزينة البيوت من الفضة الخالصة، وهذه الخناجر تجد إقبالاً كبيراً عليها، فضلاً عن الأساور والعقود والسلاسل الفضية، إذ عمد في كل هذه المشغولات إلى استحضار التراث المغربي، مؤكداً أنه يصنع كل هذه الأشياء في ورشته الخاصة وبمجهود فردي دون الاتكاء على الآلات الحديثة حتى يظهر فيها الطابع الحرفي الأصيل وجودة الصنعة اليدوية.

خزفيات تراثية
خزفيات مولاي أحمد الصرغني حكاية أخرى داخل الحي المغربي، حيث ورث حب هذه المهنة عن آبائه وأجداده الذين برعوا فيها منذ عام 1836 م، ويبين أنه يصنع آنية خزفية بأشكال مختلفة، ويستحضر جمال الفن المغربي الأصيل بنقوشه القديمة، فتظهر القطعة الخزفية وهي في حالة من الجمال بفضل هذه التنويعات الفنية، حيث النقش عليها وتلوينها برسوم مختلفة تتداخل فيها الألوان، وتبرز من خلالها الحبكة، ويذكر أنه بعد أن أصبح علامة مميزة في هذا اللون من الفن أصبح يعمل على صنع التحف بأشكالها المختلفة، وهي التي تجد الرواج الكامل، ويوضح أن هناك أنواعاً من الفخار القروي الذي يستمد تعابيره ويستقي ألوانه وزخارفه وأشكاله الهندسية العريقة من التراث المغربي الأصيل، حيث الفخار القروي والحضري، فالأول من جمال القروي، والثاني أياً كان مصدره فاس أو سلا أو آسفي أو مراكش، فالحضري تتلاقى فيه الفنون الإسلامية والأشكال الهندسية بألوانها المزهرة وجميع أنواع الخزف المغربي الذي يتماهى مع الطبيعة البكر الأصيلة.

متحف عريق
في وسط الجناح المغربي كان يبرز المتحف الذي يعبر عن حياة أبناء المغرب في عصورهم المختلفة، حيث القطع المتنوعة مثل سرج حصان قديم جداً، مرصع بالفضة الخالصة، وقطع من العاج، ومن الفضة أيضاً، فضلاً عن وجود أوانٍ فخارية قديمة، كانت تستخدم في حفظ الماء وتبريده، وطواجن أيضاً لطهي الطعام وصواني، يوضع عليها أكواب الشاي وقطعة عتيدة من «المهراز»، وآلة لطحن القهوة، ومغسلة للأيدي وشمعدان من الفضة، وحلي من النحاس والفضة، وهو ما ساهم في إقبال الزوار على هذا المتحف التراثي العريق.

جمال الفخاريات
من بين الذين استرعاهم جمال الفخاريات المغربية الطفل سيف أحمد المزروعي 13 عاماً الذي أصر على دخول أحد الدكاكين المختصة بصناعة الفخار وأعجبته إحدى التحف وظل يقلب النظر فيها ويحاول التعرف ما تنطوي عليه من جمال وهو منبهر بهذه الصناعة وكثرة الألوان المتداخلة على خارجها، لافتاً إلى أنه أعجب كثيراً بطريقة عمل الحرفيين المغاربة الذين قدموا فنوناً مختلفة في مجال الصناعات التقليدية، ويشير إلى أنه زار مهرجان الشيخ زايد التراثي أكثر من مرة في دورته المنعقدة حالياً وأن روحه لم تشبع بعد من الفيض الوافر للموروثات الشعبية للبلدان المشاركة.