ألوان

وجبة تراثية عريقة يبدعها أبناء السلطنة في الحي العماني

الجناح العماني بالمهرجان (تصوير حميد شاهول)

الجناح العماني بالمهرجان (تصوير حميد شاهول)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

في ظل إقبال جماهيري لافت، أثبت مهرجان الشيخ زايد التراثي، قدرته على تحقيق أهدافه في تشجيع الحفاظ على الموروث الإماراتي، وتكريم هذا الإرث العظيم وعرض ثراء التقاليد والثقافة الإماراتية عبر طرق تثقيفية وتعليمية وترفيهية، استطاعت الوصول إلى قطاعات جماهيرية واسعة من أبناء الإمارات والمقيمين والسائحين الذين تزداد أعدادهم بشكل ملحوظ في مثل هذا الوقت من كل عام للاستمتاع بالأجواء الشتوية الرائعة التي تتميز بها الإمارات، فكانت هي الأخرى واحدة من أسباب نجاح الحدث التراثي الضخم الذي تشهده منطقة الوثبة وشاركت فيه دول عربية عديدة للمرة الأولى ضمن برنامج الأحياء التراثي الذي ترعاه مؤسسة خليفة للأعمال الإنسانية، ومن بين تلك الدول سلطنة عمان، التي قدمت خلال المهرجان وجبة تراثية عريقة بأيدي أبناء السلطنة الذين شاركوا أشقاءهم الإماراتيين عرسهم التراثي العالمي، الذي انطلق في التاسع عشر من نوفمبر الماضي وتستمر فعالياته حتى الثاني من يناير المقبل.

30 محلاً
يقول الخبير التراثي عبدالله علي الهنائي، أحد المشرفين على الجناح العماني: إن المشاركة العمانية تضمنت 30 محلاً تعرض نماذج مختلفة من الحرف التراثية والمشغولات اليدوية، والأطعمة والحلوى العمانية الشهيرة وأنماط الحياة التي كانت سائدة في المجتمع العماني القديم، واعتمدت جميعا على مفردات بسيطة، ولكن أحسن استغلالها الأقدمون فجعلوا منها أدوات ووسائل تساعدهم على العيش في تلك الأزمنة، وإلى الآن تستخدم بعض تلك الأدوات بشكل عملي أو لأغراض الزينة والديكور، أو للتعريف بالماضي وأدوات الحياة فيه، والتي صارت الآن تراثاً غالياً يقدم في المحافل التراثية العالمية، ومنها مهرجان الشيخ زايد التراثي.
ويمكن لزائر الجناح العماني مطالعة كيفية شغل الفضيات، وصناعة الفخار، السعفيات، والبخور والعطور التي تتم جميعا بأيدي حرفيين تراثيين من مختلف الأعمار لأن السلطنة تعمل من خلال جهود متنوعة على حفظ هذا التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة والعالم الخارجي، والركن الأبرز هنا يتمثل في صناعات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في السلطنة، والتي عرضت على الجمهور مأكولات شعبية، مخللات، عطور، ملابس عمانية، أكسسوارات نسائية، أنواع مختلفة من البهارات المرتبطة بالبيئة العمانية قديماً وحديثاً.
وأشار الهنائي، إلى أن المشاركة في مهرجان الشيخ زايد التراثي، تعتبر إضافة إلى العاملين في حفظ الموروث الشعبي العماني، نظراً لما يتسم به المهرجان من زخم إعلامي وحضور عالمي لجماهير متنوعة من أقطار العالم إلى جانب الإخوة الإماراتيين الذين يتشابه تراثنا مع تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم في كثير من النواحي نظراً للجوار الجغرافي بين الدولتين والكثير من عوامل التواصل والتقارب من لغة ودين وحتى تواصل عائلي بين كثير من الإخوة في الإمارات وأشقائهم في سلطنة عمان.

جولات عالمية
ولفت الهنائي، إلى أنهم سبق وأن شاركوا في أكثر من فعالية تراثية بالدولة ومنها القرية العالمية في دبي، أيام الشارقة التراثية، فضلاً عن جولات عالمية في كثير من البلدان، لنعرض فيها ما لدينا من حرف ومشغولات يدوية فريدة ومن تلك الدول التي زرناها، البرازايل، فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية، إكسبو الصين الذي أقيم في مدينة شنغهاي عام 2010، وأخيراً أكسبو ميلانو في إيطاليا هذا العام، ونتطلع إلى المشاركة في اكسبو دبي الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 2020 إن شاء الله.
وأشاد الخبير التراثي بتواجد هذا العدد الكبير من الحرفيين التراثيين وأصحاب المشغولات اليدوية البارعة من دول الخليج وبعض دول العالم في مكان واحد من خلال فعالية الأحياء التراثية المقامة في مهرجان الشيخ زايد التراثي، والتي تتيح لهؤلاء الأشخاص تبادل الأفكار والخبرات والرؤى في كيفية حفظ وعرض الموروث المحلي لكل دولة، وبالتالي التوصل إلى أفضل سبل حفظ المفردات التراثية ونقلها إلى الأجيال اللاحقة، مع تعريف العالم بما نمتلكه من إرث حضاري عريق يمتد إلى آلاف السنين، ولا زالت رموزه حاضرة إلى الآن ونستخدمها لأغراض متنوعة، سواء بشكل عملي أو لأغراض الزينة والديكور لإضفاء لمسة أصالة على حياتنا العصرية.
من جانبه، يقول مبارك الختم، المتخصص في صناعة الخشبيات، إنه فخور بعرض منتجاته التقليدية في حدث عالمي بهذا المستوى الذي يتسم به مهرجان الشيخ زايد التراثي من حيث التنظيم وتوفير سبل الراحة للجميع من عارضين وزائرين، لافتاً إلى أنه تخصص في هذه الحرفة منذ سنوات بعيدة، كونها واحدة من مهن الأقدمين التي اعتمدت على توافر كميات كبيرة من أخشاب الأشجار في سلطنة عمان قياسا إلى باقي بلدان الخليج نظراً للمناخ الذي تتميز به السلطنة ويساعد على نمو كثير من الأشجار والنباتات، ومن أبرز المنتجات التي يتم صنعها في هذا المجال، الأبواب والنوافذ والمندوس (وهو صندوق خشبي مزخرف يتم فيه حفظ متاع وأدوات سكان البادية)، مشيراً إلى أن صناعة الخشبيات تشمل النقش على الأبواب وزخرفتها لتزيينها، وغالباً ما تكون هذه النقوش بآيات قرآنية أو نماذج للمكونات المنتشرة في البيئة العمانية مثل النخيل والجمال وغيرها من مفردات بيئة أهل البادية.

صناعة الفضيات
أما راشد سعيد الحسني، يتحدث عن صناعة الفضيات، مشيراً إلى أن لها قيمة كبرى في الموروث الشعبي العماني، كونه من خلالها يتم صنع الخنجر العماني المشهور، والذي يعتبر من أهم المفردات التراثية وملامح الهوية العمانية، ولا يكتمل زي وطني أو رسمي للرجال في سلطنة عمان إلا بالاستعانة بهذا الخنجر، كما تستخدم المرأة العمانية المشغولات الفضية في الزينة والحُليّ، وأشهر المصوغات الفضية التي تقتنيها «العصابة» و«الحبوس» الذي يشمل الخلخال والأساور، وكذلك الأطقم التي تُلبس في العنق.
ويذكر أن هذه الصناعة كانت ولا تزال مصدر دخل رئيس للكثير من العائلات العمانية خاصة تلك التي توارثتها جيلا بعد جيل، والتي تتعدى أغراض الزينة إلى صناعة الأواني المنزلية الفضية والمباخر، إضافة إلى مشغولات أخرى تستخدم في أغراض الديكور.
وعن حرف السعفيات، يقول محمد بن عراية، إنها تعتمد بشكل رئيس على جريد النخيل وينتج من خلاله أشكالاً كثيرة ومتنوعة لأغراض منزلية أو لأغراض أخرى، ومنها الحصير (المستخدم كأبسطة للجلوس بأحجام وأشكال مختلفة وصناعة الحصر في اللهجة المحلية العمانية تعرف باسم «السميم»، القفير (وعاء لحمل التمور ونقلها من مكان إلى آخر)، السمة (فراش للطعام عند تقديمه)، الخصفة (تستخدم في تزيين التمور)، الشت (غطاء هرمي الشكل لحفظ الطعام لحفظه من الهواء والهوام).
ويؤكد بني عراية، أن هذه الصناعة لازالت تحظى بإقبال كبير من الجمهور من كل الجنسيات، وهو ما لاحظناه خلال تواجدنا في مهرجان الشيخ زايد التراثي وغيره من الفعاليات التراثية، وهذا يدفعنا دوماً إلى التجويد فيما نقوم به من مشغولات يدوية حتى يبقى الإرث المحلي العماني معروفاً محلياً وعالمياً، باعتباره جزءاً مهماً في الموروث المحلي لمنطقة الخليج مثل المفردات التراثية الإماراتية التي تتميز ببراعة وإتقان غير عاديين يمكن لمن يفهم في التراث أن يدركهما بسهولة، من خلال جودة هذه المنتجات الموجودة في الأجنحة الإماراتية المختلفة في المهرجان.

الحلوى العمانية
الحلوى العمانية وما لها من شهرة كبيرة ومذاق خاص يتحدث عنها داوود جعفر، المسؤول عن ركن «دار الحلوى» الموجود في الحي التراثي العماني، ويقول: إنه يعمل في هذه المهنة منذ فترة طويلة وتعلمها بالوراثة وسبق أن شارك في معرض الصناعات الخليجية في الشارقة، موضحاً أنه يدخل في تصنيعها خامات متنوعة أهمها البيض والسمن والسكر والماء، يضاف إليها بعض أنواع المكسرات والهيل وماء الورد حتى تعطيها الطعم المميز، مبيناً أنها من الحلوى التي تستطيع تحمل أجواء الحرارة المختلفة وتبقى دون أن تفسد لمدة تصل إلى أربعة أشهر، ودون أي مواد حافظة. وقال: إن الحلوى العماني تاريخها قديم جداً في منطقة الخليج وتقديمها يعتبر رمزاً من رموز الضيافة والاحتفاء بالضيوف، وغالباً ما نجدها في كافة الفعاليات التراثية المقامة في عمان وغيرها من دول المنطقة بما يعكس قيمتها وتعلق الناس بها كموروث شعبي عماني خليجي أصيل.
ويذكر أن هذا النوع من الحلوى يحتاج أن يبقى على نار قوية ثلاث ساعات حتى ينضج بشكل جيد، مشيراً إلى وجود أكثر من نوع من الحلوى العماني ومنها المزعفرة، السلطانية، السوداء، البيضاء، الحمراء. ومنها تلك المخلوطة بالحليب، أو بالسكر الأحمر المستخرج من قصب السكر، غير أنها جميعاً تشترك في حلاوة الطعم الذي جعلها واحدة من أكثر الأكلات الشعبية انتشاراً في منطقة الخليج العربي وقاسماً مشتركاً في غالبية المناسبات الاجتماعية لتقديمها الى الضيوف.