الملحق الثقافي

الأزمات مقامات

تطور البشرية هو في المحصلة حلول أزماتها

تطور البشرية هو في المحصلة حلول أزماتها

الذين يدعون أن الأزمة هي دوما حالة عبور وانتقال، وأنها حالة مَرَضية، وأنها دوما «أزمة عابرة»، قد يعترفون بأنها خلل واختلال، بل هزّة ورجّة، غير أنهم سرعان ما يجزمون بأنها تتدارك نفسها، فتستقر في توازن جديد تعود المنظومة بفضله إلى «صحتها»، فتواصل العمل بشكل طبيعي.
***
مفهومان عن الأزمة:
مفهوم «قيامي» يرى بأنها تبدّل بالجملة. وأنها «قدَر» يتسلط من خارج على المنظومة و»ينزل» من فوق، فيهز أركانها ويقضي على توازنها.
ومفهوم مضادّ يرى أنها مخاض ذاتي يخلق توتّرات ويهزُّ بُنيات، لكنه يسفر عن انتعاشة وتجدّد.
***
الأزمات مقامات وليست مجرد أحوال.
***
هي إذاً أزمة مستأنفة، وهي بمثابة المرض بالنسبة إلى الصحة، والموت بالنسبة إلى الحياة، والتناتوس بالنسبة إلى الإيروس.
***
يقول ر. بارت: «منذ أن بدأت أمارس عملي الثقافي وأنا أسمع عن الأزمات: أزمة نشر، وأزمة نقد، وأزمة قراءة، وأزمة إبداع، أزمة رواية وأزمة شعر، وأزمة سينما...»، وعلى رغم ذلك، فهو يعترف بأن كل هذه الفنون والأجناس لم تعرف قطّ الازدهار الذي عرفته خلال حياته.
***
ليست الأزمة مرادفة لمفهومات الانهيار والنهاية، وإنما هي تدْخُل ضمن نسيج الحركة التاريخية للمنظومة. على هذا النحو ينظر النظام الرأسمالي إلى نفسه، فلسفةً وإبداعا واقتصادا وسياسةً، على أنه لا ينمو إلا عبر أزمات.
***
ينظر النّظام الرأسمالي إلى الأزمة، لا على أنها مصيبة تحلّ به، وإنما على أنّها مقوّم من مقوّماته، وأنّها من صميم عمله وسيره، وأنها دعامة من دعائمه، وليس على أنها لعنة تتسلط عليه من خارج. فليست الأزمة على هذا النحو حالة سلبية ظرفية عرَضية. إنها تطبع مقوماته الفكرية ومؤسساته السياسية وآلياته الاقتصادية.
***
عرفت أسس الليبرالية أزمات قيل عندها إن الليبرالية لن تقوم لها بعدُ قائمة، إلا أن التاريخ كان كذّب كل هذه التوقعات.
***
عرفت الرياضيات بمختلف فروعها خلال القرن التاسع عشر الأوروبي أزمات متلاحقة طالت في البداية ميدان الهندسة مع ظهور الهندسات اللاأوقليدسية، وانتهت بما عُرف بأزمة الأسس وظهور الجبر الحديث. حينما ظهرت الهندسات اللآأوقليدسية لم يكن هناك شح هندسي، بل وفرة هندسات. إذ تبيّن أنه يكفي تغيير إحدى مصادرات أوقليدس لإقامة هندسة مخالفة. إلا أن الذي اتضح هو أن الجهاز المفهومي الإبيستيمولوجي الذي كانت تقوم عليه الهندسة الأوقليدية بمفهوميها عن الحقيقة والبداهة الرياضيتين، لم يعد بإمكانه أن يعمل إلى جانب الهندسات المستحدثة. تكمن الأزمة إذاً في كوننا أصبحنا نسمي حقيقة هندسية ما لم يكن أوقليدس ينعته كذلك.
***
الأزمة تكمن في عدم مواكبة جهازنا المفاهيمي لمستجدات الأمور.
***
ليست الأزمة علامة على نُدرة وشح.
***
يتساءل ر. بارت عما نعنيه عندما نتحدث عن «أزمة الرواية»؟ فيجيب: «إن هذا يعني أننا لم نعد نضع كلمة رواية عندما يتعلق الأمر بالروايات، لكن، بإمكاننا أن نضعها عندما لا يتعلق الأمر بالرواية». ولعله الأمر ذاته حينما نتحدث اليوم عن أزمة السينما أو أزمة القصيدة، أو أزمة الفنون التشكيلية.
***
نكون أمام أزمة إبداع أو أزمة كتابة عندما تظهر نصوص «متمردة» يتعذر علينا تصنيفها ضمن جنس بعينه من الأجناس المتداولة.
***
النصّ المتمرّد هو الذي ينفصل عما يجري به الأمر عادة، وهذا هو النصّ بالتّحديد في نظر بارت.

***
الأزمة لاصقة بكل نصّ بما هو كذلك. والتأزيم جوهر كل كتابة، بل جوهر كل إبداع.
***
أليس التأزيم كذلك خاصية التفكير المركَّب؟ إذا لم نقتصر على النّظر إلى الفكر على أنه بحث عن البسائط لاتخاذها منطلقا لكل تفكير قويم، فاعتبرنا التفكير تراجعاً ونقدا بالأساس، فإن التفكير سينحل دوما إلى عملية تأزيم، ويغدو النقد والفكر خلقاً لأزمات critiquer، c’est mettre en crise.