الملحق الثقافي

فيليمير خليبنيكوف شعرية ما وراء الإدراك

بورتريه الشاعر فيليمير خليبنيكوف بريشة إيغور تيشين

بورتريه الشاعر فيليمير خليبنيكوف بريشة إيغور تيشين

أنطوان جوكي

غداة وفاة الشاعر الروسي الكبير فيليمير خليبنيكوف (1885 ـ 1922)، كتب ماياكوفسكي: «إنه الفارس الأكثر روعةً وصدقاً في نضالنا الشعري»، ونعاه ماندلشتام في نصٍّ طويل وصفه فيه بـ «الخلد الذي حفر في أرضية الشعر أروقة للمستقبل». أما صديقه رومان جاكوبسون، فاكتفى بالقول: «إنه الأكبر».
لا تدهشنا هذه الشهادات حين نعرف الطريق الخاص الذي شقّه خليبنيكوف لنفسه، واستكشافه اللغة الروسية كعالِم وشاعر، مبتكراً داخلها لغة مذهلة في جنونها وحداثتها. لكن بخلاف ماياكوفسكي وماندلشتام، ما زال خليبنيكوف شاعراً شبه مجهول خارج وطنه بسبب صعوبة نقل شعره إلى لغةٍ أخرى. ولذلك نغتنم فرصة إصدار دار Verdier الباريسية الترجمة الفرنسية التي وضعها الباحثان جان كلود لان وإيفان مينيو لجميع النصوص التي كتبها هذا العملاق خلال مرحلة النضج (1919 ـ 1922)، للتعريف بمسيرته وشعريته الفريدة.
الغوص في هذه الأعمال، التي تتراوح بين قصائد وحوارات شعرية متخيَّلة وقصص ونثرٍ حرّ ورسائل، يجعلنا ننسى فوراً روسيا تشيكوف ودوستويفسكي وسائر الأدباء والشعراء الروس، لأن خليبنيكوف تمكّن من إخراج الأدب الروسي من جغرافيته المعتادة. ولا عجب في ذلك، وهو الذي عاش حياته شريداً، فاستقرّ بشكلٍ متقطِّع في موسكو وسان بطرسبرغ، لكنه فضّل على هاتين المدينتين سهوب موطن ولادته، ونقصد مدينة أسترخان ودلتا نهر الفولغا وبحر قزوين المحيطين بها. منطقة استخدمها أيضاً كمقفزٍ للانفتاح على الشرق، وتحديداً على أذربيدجان وبلاد فارس حيث «يطهو الأطفال ابتساماتٍ/‏ في مَجامِر رموشهم القاتمة/‏ ويرمونها للمارّة».
خليبنيكوف هو شاعر امتلك كلياً اللغة الروسية، بجمالياتها وعنفها والتطوّرات التي طرأت عليها. وفي هذا السياق، تحمل لغته الخاصة جميع تناقضات التاريخ الروسي وتمزّقاته، وخصوصاً الدماء التي سالت خلاله، وفي الوقت نفسه تتجاوز هذا التاريخ لمعانقة العالم ومدّ خيوطٍ بين مختلف أزمنته، جامعةً بـ «سنونوات النظرة» الجغرافيا والثيمات والأساطير والفنون. كونية، بوقوفها عند تقاطُع سهوب اللغات، لم يألُ صاحبها جهداً في تأجيجها وتكثيفها وإخضاعها لاختبارات جمّة.
وبهذه اللغة كتب شعره، الحيّ والهائم مثله، الذي يعكس رفضاً للانغلاق على الذات وصرامة وتطلّب نادرين في الكتابة. من هنا الصعوبة البالغة التي يواجهها أي مترجم لنصوصه الذي لن يتمكّن من نقل سوى حركة شعره وتيهه، مهملاً نظام نظْمِه الصارم ومحاولاً قدر المستطاع الوفاء للغته المبتكَرة التي تتميّز بالعري الأصلي للغة روسية تنبش أعماقها، وفي الوقت نفسه، تشكّل أداة بحثٍ وحفرٍ في المستقبل. لغة تبدو مألوفة في أصالتها الظاهرة، مثل اللغة المحكية، قبل أن يتجلى للقارئ النبيه طابعها القاطِع والفريد، وعدم التزامها إلا بنظام الحياة نفسها التي ترافقها وتغذّي حركتها.
ولا عجب إذاً في الدّوار الذي ينتابنا لدى قراءة نصوص خليبنيكوف التي تهطل الكلمات فيها مثل شلال، وتتصادم الصور وتتكامل أو تلغي بعضها بعضاً، محمولةً بطاقة الغضب، وتتراقص الأصوات والألفاظ واللكنات والتكرارات والمفردات، ويقتحم الملحمي والمألوف والفظ والمضحك فضاءها، ويستدعي صاحبها اللغات السلافية والسنسكريتية والفارسية إلى داخلها، ومعها اللغات العامّية والصراخ بإيقاعات مقطَّعة، من دون أن ننسى تلك الكلمات المبتكَرة التي يتعذّر فكّها وتحضر مثل تعزيمات سحرية تعاند أيّ منطق.
في نصٍّ كتبه عام 1919، حاول الشاعر تفسير منهج كتابته: «من دون كسر دائرة الجذور، علينا إيجاد الحجر السحري الذي يسمح بتحويل الكلمات، الواحدة داخل الأخرى، وبصهرها بحرّية. (...) وبعد استنتاج أن الجذور ليست سوى طيفٍ يخفي حبال الأبجدية، علينا العثور على الوحدة الشاملة للغات العالم»، لأنها «السبيل الذي يقود إلى لغة ما وراء الإدراك». هكذا تتنجّم لغة خليبنيكوف إلى ما لا نهاية، وتعبر حدودها، وتتوه لتجد نفسها. ومن هنا ذلك الغموض في العديد من نصوصه، حيث تبدو اللغة وكأنها تلتفّ على نفسها، غير كاشفة سوى بقعة سوداء، وعلى القارئ محاولة إعادة بسطها كي تنقشع الصور المسيَّرة فيها.
وسواء تعلّق الأمر بسجعٍ أو بجناسٍ أو بانزلاق كلمة داخل أخرى، تفعل خيمياء لغته الفريدة فِعْلها فينا وتحملنا داخل تعرّجاتها. ولأنه يتعذّر علينا تجاوزها، نسقط فيها مغتبطين، مثل غوّاص يعود إلى الضفة منتشياً لتجرّؤه على القفز من جسرٍ ممدود فوق نهرٍ كان يجهل عمقه. وفي معرض شرحه لغة ما وراء الإدراك هذه، أشار الشاعر إلى أنها تقوم على قاعدتين: على الحرف الساكن الأول للكلمة أن يوجّه ما تبقّى منها، وعلى كلمات النص التي تبدأ بالحرف الساكن نفسه أن يجمعها مفهومٌ واحد، وأن تتقاطر من جهات مختلفة نحو نقطة إدراكٍ واحدة، علماً أن المنظومات الصوتية الناتجة من اتّباع هاتين القاعدتين ليست إطلاقاً عبثّية أو فارغة من المعنى، بل تحمل سلسلة حقائق شاملة تعبر بشكلٍ خاطف فضاء ذهننا.
ولمنح القارئ فكرة عن هذا المسعى الشعري واللغوي الفريد، نستشهد بقصيدة خليبنيكوف الكبرى «زانغيزي» التي تتحاور فيها الطيور عند شروق الشمس: النقشارةُ أولاً، ثم الشُرشور، فالبِرْقِش... ويقول أبو زريق فيها: «بيو! بيو! بياك، بياك، بياك»، فتجيبه السنونوة: «تسيفيت! تسيفيت!»، قبل أن يحضر زانغيزي، صنو الشاعر، ويقول: «أنا الفراشة التي دخلت/‏ غرفة الحياة البشرية/‏ عليّ أن أترك كتابة غُباري/‏ على نوافذ توقيعي كسجين/‏ على الزجاج الصارم للمُحتَم». قصيدة تستحضر إلى أذهاننا منظومة «منطق الطير» للعطّار وبعض نصوص أنتونان أرتو ولغة جايمس جويس، علماً أن خليبنيكوف لم يقرأ أيّاً منهم، ومع ذلك يقول صنوه فيها: «حكّوا اللغة وسترون فضاء جلدها ووَبْره».
وسواء في هذه القصيدة أو في قصائد كثيرة غيرها، تتجلى كل الحكمة اللغوية المجنونة لشاعرنا الذي حاَكمَ الإدراك والمنطق قبل غيره في روسيا، وشكّلت أصوات الحياة وصرخاتها نبضات لغته وحقيقته الوحيدة، واعتبر أن مهمة الشعر، المنيرة والسرّية في آنٍ واحد، هي نفسها مهمة الحياة: «يمكن أن تكون الأبيات قابلة أو غير قابلة للفهم، لكن عليها أن تكون جيدة، وأن تكون من حقيقةٍ». وهذه الحقيقة أرادها ملموسة، مجسَّدة، ومرصودة لكل فرد في حياته الخاصة، وعمله، ووظائفه، ومشاعره، وعلاقته بالآخرين وبالتاريخ.
باختصار، خليبنيكوف شاعرٌ تجريبي قل مثيله ومغامرٌ حسّاس ومتبصِّر قارب العالم ككتابٍ كبير مكتوب بلغة رياضية كرّس حياته إلى فكّها. من هنا مواظبته على التأمّل والتشييد والتفكيك واللعب بمفردات اللغة حتى وفاته المبكرة، ومن هنا أيضاً الجهد الكبير الذي يتطلّبه ولوج عالمه الشعري. لكن مَن يبذل هذا الجهد سيُكافأ حتماً بالاكتشافات المذهلة التي تنتظره.