الملحق الثقافي

عن الحزن : يتبعك مترصداً كمكيدة ملغزة

لا تعرف متى على وجه التحديد كانت المرة الأولى التي اختبرت فيها ذلك الشعور الصاعق بالحزن.. ربما لأن الأمر في ضمنيته يتجاوزك.. هو أكبر منك وأعمق.. وهذا الجسد.. جسد هزالك البشري آخذٌ بالتصدع وهو يتفصد عن مساماتك بضراوة، وفي كل مرة.. تكاد أن تمسك باللفظة الملائمة لكنك تفشل.. وهو هنا.. في هذا الموضع البائس تحديدا ليس فشلك وحدك.. هو امتداد قرون طويلة من المتواليات المأساوية.. التي تكملها أنت.. لكنه يراوغك حتى يخيل لك في لحظة بطولة زائفة.. أنك قد تكون الأخير.. وأنك أيها المصلوب في ألفية العالم الثالثة دون أن تراق منك أي قطرة دم.. قد تنجح أخيرا في إفساد تلك الدائرة.. أن تبترها.. جسدك يتفتت وتغني.. روحك تُسحق وأنت تنشد الترنيمة.. لعلك تمد بذلك جسر القيامة لمن بعدك.. لكن من يأتي فيما يعقب احتراقك الملحمي الذي ظننت، لن يدرك منك إلا الرماد.. الذي لن يثير في الأمر شيئا.. إلا بدوره الذي يلاحظ بالكاد في استكماله لدائرة الأسى.. أنت لست سوى ذرة بالغة الضآلة تضع فاصلة بين الفصل والفصل، بين الحزن والآخر الذي لن يأتي جديدا أبدا، بل مثقلاً بكل أشكال العذابات المزمنة التي اختبرها كل من أتى على ذلك الشعور المر، كل من عاش ذات الخديعة، وهو لا يفهم كيف له أن يخرج منتصراً بعد هذا الاختبار الساحق الذي يتكرر باستمرارية ملغزة، يزاد ثقلها جرحاً وراء جرح دون وجه مجرد أو تفسير واضح يتناسب مع وصف الفاجعة.

جميعهم سبقوك.. كلهم
كانوا هناك قبلك
لعلها كانت اللحظة الاستثنائية الأولى.. أفكر وأنا أتأمل آدم في أبوته الأولى وحواء في أمومتها البكر وهما ينكفئان في حزنهما بكاءً على جثة هابيل الباردة.. اللحظة التي حاول استدراك طزاجتها «وليام بوغيرو».. وهو يوثق التصدع في لوحته «آدم وحواء يبكيان هابيل» الذي يأتي مجسدا الموت الأول في تاريخ البشرية ومعبرا من خلال الأبوين عن الحزن الأصيل، والصدمة البدائية المضنية، التي جعلت كل ألم نحسه بعدهما مستهلكا قطعا، لعل «بوغيرو» هنا أراد أن يقول للعالم بأنه أدرك السر، وبأنه ربما.. لو أعاد تشكيل المأساة.. لاستطاع تفكيكها لاحقا.. لاستطاع أن يظفر بالحزن قابضا على عنقه.. مستخلصا إياه ومتخلصا هو من قيده ليمرر من بعدها لنا المفتاح، لكن يغيب عن باله أنه قد أفلت العنصر الأهم دون أن يرسمه ممسكا به.. نسي « قابيل « وهو يجسد الخيبة التي جاءت بعد الدم.. الحزن المخضب بالخطيئة.. والسلطة الشهوانية المحملة بالندم أيضا، تلك التي ولدتها قبضة السلب الأولى لروح إنسان آخر.. «قابيل» يستمر كعنصر بقي يتدحرج في ذاكرتنا الجمعية وهو يكبر مثل كرة الثلج الساحقة.. لتجعل الحزن عصيا دائما على التفسير مهما توضحت أسبابه.. متناقضا.. رحيما وضاريا.. سالبا ومسلوبا.. مرئيا وغائبا، يأتيك برجفته الباردة لتظن أنه أنك تمنحه السكنى إلى حين، فإذا به يجعلك مع الوقت تسكنه.. هو الذي أضحى سجنك العظيم.. سالبك المر.
«بوغيرو» الذي اختبر في مرحلة لاحقه بعد سنوات طويلة من إنجازه لتلك اللوحة.. وفاة أربعة من أبنائه بالتتابع.. يشعر بذات الطعنة النافذة التي شعر بها آدم.. تأتي مضاعفة هذه المرة وهي محملة بعذابات الفقد عبر الزمن.. لربما ود في ذلك الأوان لو أنه لا يضع يده على على موضع قلبه كما يفعل آدم الكوني في اللوحة بل لو أنه يتجاوز ذلك لينتزع القلب، ليضعه أمامه مفتشا عن تلك اللسعة.. لعل فيها الأمر كله.. لعل الحزن يبدأ من هناك وبانتزاعه وتجريده من كل إبهامه.. ينتهي.. يتلاشى.

كلاهما بلا وجه.. وهما كل الوجوه
لم يُعرف للحزن وجه مجرد أبدا، تماما كالموت، هو دائما ما يتخذ قناعا ما، صوتا، حادثة، رائحة، اسما أو أغنية تحيلنا إليه كلما فكرنا فيه، لعلها براعته الأبدية ولعنتنا نحن، فها هو يقترب منك ببراءته المألوفة في كل مرة لتطمئن إليه، قبل أن يلكز بخبثه الجرح فتنزف من جديد، تنهال الذاكرة وتراه ضبابيا، تماما كما في مرة فاجعتك الأولى.. يضحك وتخسر.. تتذكر الصوت/‏ الاسم/‏ الحادثة/‏ الرائحة/‏الأغنية وتنهار.
في سيمفونيته الرابعة.. يشدك «غوستاف مالر» في البداية بدخول خفيف.. تشعر وكأن روحك قد أخذت تحلق في مكان حميم تعرفه.. شيءٌ يشبه ذاكرة ابتهاج الطفولة الأولى بالتفاصيل الجديدة، لكنه.. وبعد أن تطمئن إلى الصوت يسحبك شيئا فشيئا إلى حيث يتسيد صوت الكمان القاتم.. وبتصاعد مبهم أنت لا تدركه.. تجد نفسك تهوي في الكآبة قبل أن يخفت كل شيء مع انتهاء الموسيقى.. حيث تتوقف الحياة.. لقد كان ذلك الدخول المتصاعد للكمان هو الشكل الذي عرف به «مالر» الحزن.. لربما كان هذا هو المعنى لذلك الشعور الذي أطاح بروحه وهو الابن البكر الذي اختبر وفاة ثمانية من أشقائه وهو طفل قبل أن يخسر لاحقا وبفترة سبقت نجاحه بتشكيل الحزن في مقطوعته الرابعة كلا من والديه وشقيقته الوحيدة بفارق لا يتجاوز السنة الواحدة.. الموسيقي « مالر» يتقاطع في رغبة أن ينتزع الحزن من بعده الأثيري مع الفنان « أرنولد بوكلين « الذي اختبر تجربة مريرة مع الحزن نفسه الذي أعقب خسارته لابنته الوحيدة، «بوكلين» كان مهووسا بفكرة أن يرى الموت مجسدا أمامه لكي يفهم أحيانا أو لكي يجد وجها يسدد إليه لكمة الغضب غالبا، ومن هنا كان أن جاء بلوحته الشهيرة «البورتريه الشخصي مع الموت» في هذه اللوحة يرسم «بوكلين « نفسه وهو في مرسمه يقف خلفه الموت على هيئة هيكل عظمي يعزف على آلة الكمان، وتظهر ملامح «بوكلين» هنا وهي تحاول أن تحلل هذا الصوت المبهم للموسيقى الداكنة، ليأتي الكمان هنا بصوته ممثلا للحزن المتحد مع فاجعة الموت.. تماما كما تناول «مالر» الأمر وهو يفرد الألم الروحي على سيمفونيته الرابعة.. إنها ذات الدائرة الملغزة.. وهما معا «مالر» و«بوكلين » يضيفان جزءا جديدا لذات الدائرة دون أن يخرج أيٌ منهما منتصرا بشكلٍ قاطع.
من اللافت أيضا أن ثلاثتهم.. «بوغيرو» و«مالر» و«بوكلين»، يراوحون في الزمن نفسه بين نهاية القرن التاسع عشر ونهاية القرن العشرين، وفي المعضلة ذاتها، ورغم أنهم جاؤوا في زمن ازدهار الآلة، التي كانت قد بدأت تظهر باعتبارها الجواب الرئيسي لكل هشاشة بشرية، بقيت إجابة الأسى عصية على التحليل، تتوهج كالسراب، بعيدة ومضنية في تشعبها بين العقل في اختبارها لقدرة الذكاء على إيجاد الوصف المنطقي المناسب والقلب بفوضاه الشعورية التي تحتاج ترتيبا يتناسب مع القدرة على التعبير.. يأتي الأمر هنا كما وصفه «مارسيل بروست» بدقة في محاولته لتعريف رغبة الفن في خلق خريطة طريق بالأجوبة الممكنة قائلا: «إن ما يمتثل بغموض في عمق الوعي، قبل تحققه في عمل، يجب، قبل أن يخرج إلى منطقة الوعي، أن يخترق منطقة وسطية بين الأنا الغامضة وذكائنا، لكن كيف بالإمكان إيصاله حتى ذكائنا، كيف الإحاطة به». يمكننا البقاء لساعات ونحن نحاول أن نستعيد الانطباع الأول والرمز الذي يتعذر إمساكه ذلك الذي يحتضن هذا الانطباع قائلاً: «تعمق فيَّ من دون أن تقترب مني ومن دون زن تجعلني آتي إليك» هذا هو الفن.
و بروست الدقيق جدا في تعريفه للفن هو ذاته الذي بقي حائرا أمام شعور الحزن الذي اعتراه فيما أعقب وفاة والدته، ليجد نفسه منعزلا، محاولاً أن يشرح ذلك الشرخ المتعاظم في الداخل وهو يكتب الرثاء تلو الآخر دون نتيجة واضحة سوى المراوحة حول ما يمكن أن يقارب شعور الفقد الذي أحسه في وقتها. هو الحزن إذن، سيد الأزل بخساراته المتعددة.. يقشر روحك في كل مرة، كاشفا عن جذرٍ آخر فيك.. عن روح قديمة أخرى اختبرت كل هذا قبلك.. وعليك أن تعاود استكشافها بحذر.. أن تنصت علك تضيف إلى الدائرة شيئا جديدا من المعنى، جزءا صغيرا على هيئة انتصار بسيط.. لأن البطولة المطلقة أمامه هي مجرد خرافةٍ أخرى لا تليق إلا بشخوص الميثولوجيا.

حزن يقشر الروح
هو الحزن إذن، سيد الأزل بخساراته المتعددة.. يقشر روحك في كل مرة، كاشفا عن جذرٍ آخر فيك.. عن روح قديمة أخرى اختبرت كل هذا قبلك.. وعليك أن تعاود استكشافها بحذر.. أن تنصت علك تضيف إلى الدائرة شيئا جديدا من المعنى، جزءا صغيرا على هيئة انتصار بسيط.. لأن البطولة المطلقة أمامه هي مجرد خرافةٍ أخرى لا تليق إلا بشخوص الميثولوجيا.

مفتاح
لعل «بوغيرو» وهو يوثق التصدع في لوحته «آدم وحواء يبكيان هابيل» أراد أن يقول للعالم إنه أدرك السر، وإنه ربما.. لو أعاد تشكيل المأساة.. لاستطاع تفكيكها لاحقا.. لاستطاع أن يظفر بالحزن قابضا على عنقه.. مستخلصا إياه ومتخلصا هو من قيده ليمرر من بعدها لنا المفتاح، لكن يغيب عن باله أنه قد أفلت العنصر الأهم دون أن يرسمه ممسكا به.. نسي «قابيل» وهو يجسد الخيبة التي جاءت بعد الدم.. الحزن المخضب بالخطيئة.. والسلطة الشهوانية المحملة بالندم أيضا، تلك التي ولدتها قبضة السلب الأولى لروح إنسان آخر.. «قابيل» يستمر كعنصر بقي يتدحرج في ذاكرتنا الجمعية وهو يكبر مثل كرة الثلج الساحقة.. لتجعل الحزن عصيا دائما على التفسير.

حزن سيمفوني
في سيمفونيته الرابعة.. يشدك «غوستاف مالر» في البداية بدخول خفيف.. تشعر وكأن روحك قد أخذت تحلق في مكان حميم تعرفه.. شيءٌ يشبه ذاكرة ابتهاج الطفولة الأولى بالتفاصيل الجديدة، لكنه.. وبعد أن تطمئن إلى الصوت يسحبك شيئا فشيئا إلى حيث يتسيد صوت الكمان القاتم.. وبتصاعد مبهم أنت لا تدركه.. تجد نفسك تهوي في الكآبة قبل أن يخفت كل شيء مع انتهاء الموسيقى.. حيث تتوقف الحياة.

...........................................................
هوامش:
- وليام بوغيرو: فنان فرنسي
(1825/‏ 1905)
- غوستاف مالر: مؤلف موسيقي
نمساوي (1860/‏ 1911)
- أرنولد بوكلين: فنان سويسري
(1827/‏ 1901)
- مارسيل بروست: روائي فرنسي (1871/‏ 1922)